قضايا وآراء

علي دوبا.. سقوط آخر بارونات حافظ الأسد

بوفاة الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية السورية علي دوبا الأسبوع الماضي، انتهت إمكانية محاسبة منظومة كبار البارونات التي أحاطت بحافظ الأسد.. (الأناضول)
بوفاة الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية السورية علي دوبا الأسبوع الماضي، انتهت إمكانية محاسبة منظومة كبار البارونات التي أحاطت بحافظ الأسد وساهمت معه في إنشاء الرعب داخل سورية لعقدين من الزمن.

لم يكن علي دوبا مجرد ضابط رفيع مقرب من الأسد الأب، بل كان الرجل الثاني الأقوى بعد حافظ الأسد على المستوى العملي بسبب الثقة الكبيرة التي حظي بها من حافظ الأسد شخصيا، وبسبب الأدوار التي قام بها، سواء قبل عام 1970 أو بعده نهاية السبعينيات ومنتصف الثمانينات مع محاولة رفعت الأسد الانقلاب عسكريا على أخيه حافظ.

كان علي دوبا حتى نهاية السبعينيات مجرد ضابط يحظى بثقة القيادة كغيره من الضباط، لكنه مع ذلك بقي ضمن فئة واسعة إلى حد ما من الضباط المهمين (علي أصلان، إبراهيم الصافي، شفيق فياض، علي حيدر، محمد الخولي، حكمت الشهابي، وغيرهم).

جاءت أحداث حماة بداية الثمانينات لتمنح دوبا فرصة إثبات دوره في عمليات القمع والإبادة، فشارك في مجازر حماة خلال شهر فبراير من عام 1982، إلى جانب المواجهات التي حصلت في حلب وجسر الشغور والعديد من المدن السورية لملاحقة المنتسبين للإخوان المسلمين.

مع محاولة رفعت الأسد الانقلاب على حافظ الأسد عام 1984، وانتهاء هذه المحاولة بالفشل وخروج رفعت من سورية، حدث تحول مهم في تركيبة السلطة داخل سوريا، خصوصا في شقيها العسكري والأمني.

عام 1984

شكل وجود رفعت الأسد بقوته العسكرية بحكم ترأسه لـ "سرايا الدفاع" مركز قوى رئيسي في بنية النظام، بل يكاد يكون مركز القوى الوحيد، ومع محاولته الانقلاب على أخيه، تنبه حافظ الأسد إلى ضرورة عدم نشوء مركز قوى مستقبلي قد يشكل استقطابا داخل النظام، فلجأ منذ عام 1985 إلى إنشاء مراكز قوى متعددة للحيلولة دون نشوء مركز واحد، وبهذا يكون حافظ الأسد قد خلق نوعا من موازين القوى داخل النظام، لا تسمح لأحد بالتفكير أو العمل وحده أو تهديد النظام.

مع استكمال عمليات إعادة بناء الجيش، توسعت مهام وصلاحيات المؤسسة الأمنية بكل فروعها، كمؤسسة مقابلة للمؤسسة العسكرية ومكملة لها في الوقت ذاته، ومع أحدث الثمانيات، بدأت صلاحيات المؤسسة الأمنية تتوسع وتتشعب، وبدأ اللون العلوي يطغى عليها.
لم يكن علي دوبا أحد أهم هذه المراكز فحسب، بل كان الأول فيما بينها ـ الأول بين متساويين ـ بسبب الثقة الكبيرة به، وبسبب تركيز الأسد على المؤسسة الأمنية أكثر من الجيش بعد عام 1984، وبسبب دوره في محاربة رفعت الأسد إلى جانب شفيق فياض وعلي حيدر.

عمد الأسد بداية حكمه إلى تأسيس منظومة حكم قائمة على علاقة تداخلية تخارجية في آن معا للمؤسستين العسكرية والحزبية، بدأ أولا بتعزيز قاعدته العسكرية في الجيش لتحقيق هدفين متكاملين: الأول ضمان ولاء الجيش له، والثاني فصل الجيش عن الحزب من أجل التخلص من ضغوطه الأيديولوجية الراديكالية، ثم اتجه بعد ذلك إلى تعزيز مجموعة من الضباط العلويين الموثوقين في المناصب العسكرية الحساسة للتخلص من ضغوط المؤسسة العسكرية بشكل عام، إلى جانب مؤسسة أمنية واسعة ومعقدة ولها صلاحيات شبه مطلقة.

مع استكمال عمليات إعادة بناء الجيش، توسعت مهام وصلاحيات المؤسسة الأمنية بكل فروعها، كمؤسسة مقابلة للمؤسسة العسكرية ومكملة لها في الوقت ذاته، ومع أحدث الثمانيات، بدأت صلاحيات المؤسسة الأمنية تتوسع وتتشعب، وبدأ اللون العلوي يطغى عليها.

وكأي نظام استبدادي تلعب فيه العصبية دورا في حماية الأنظمة، بحيث أصبح قلب السلطة علوي، وليس صدفة أن يتولى ضباط علويين أهم المناصب العسكرية القادرة على إحداث الفرق (رفعت الأسد سرايا الدفاع، عدنان مخلوف الحرس الجمهوري، علي حيدر القوات الخاصة، شفيق فياض الفرقة الثالثة، إبراهيم الصافي الفرقة الأولى، إبراهيم العلي الجيش الشعبي، محمد الخولي المخابرات الجوية، وخلفه فيها إبراهيم حويجة، محمد ناصيف رئيس الفرع الداخلي (251)، عدنان بدر الحسن رئيس شعبة الأمن السياسي، وأخيرا علي دوبا رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية حتى عام 1999.

التسعينيات

مع مطلع التسعينيات، واستباب النظام داخليا وانفتاحه على محيطه العربي بشكل فعال عقب حرب الخليج الثانية (الغزو العراقي للكويت)، بدأ الأسد الأب يهيئ ابنه باسل لتولي الخلافة، وكان هذا يتطلب أمرين: الأول أن يصنع باسل بنفسه منظومته العسكرية ـ الأمنية من خلال شخصيات شباب يثق بهم، وكان يتطلب ثانيا إضعاف كبار البارونات العسكريين والأمنيين، الذين قد يشكلون عقبة في وجهه.

لكن، مع مقتل باسل عام 1994، سارع الأسد الأب إلى تكثيف عمليات الاستخلاف لابنه بشار، الذي لم يكن بخلاف أخيه الأكبر جزءا من المنظومة العسكرية والأمنية وحتى السياسية.

شملت هذه المرحلة عمليات انفتاح ليبرالي على الصعيد الاقتصادي، وجد فيها البارونات فرصة لدخول عالم الاقتصاد من بوابة السلطة والنفوذ، فنمت طبقة بيروقراطية مرسملة.

غض الأسد الأب وعائلته من آل مخلوف النظر عن ذلك، بهدف منح البارونات تعويضا ماديا عن خدماته، ومن ثم التمهيد لخروجهم من المشهد العسكري والأمني مع صعود بشار الأسد.

وفعلا، شهد منتصف التسعينيات عمليات إبعاد هؤلاء البارونات من المشهد تماما، فيما بقي أبنائهم يتمتعون بالحظوة على الصعيد الاقتصاد.

في عام 1999 نُحي علي دوبا من منصبه من قبل بشار الأسد بسبب مخاوف من أنه يمكن أن يكون منافسا على الرئاسة، وأجبر على التقاعد في فبراير عام 2000.

لقد كشف نهاية التسعينيات تماسك النظام الداخلي وقدرته على تغيير قياداته دون أدنى ارتباك أو تهديد، مهما بلغت قوة الشخص ومركزه، إنها نتاج عملية صناعة مراكز قوى متعدد يكمل بعضها البعض ضمن منظومة سلطة معقدة.