ملفات وتقارير

ما سر تفشي جرائم القتل لدى فلسطينيي الداخل؟.. "دعوات لحقن الدماء"

قتل الشيخ سامي عبد اللطيف أحد الشخصيات البارزة في الداخل المحتل- عرب48
يتهم الفلسطينيون في الداخل المحتل، الاحتلال الإسرائيلي، بتأجيج جرائم القتل التي تزايدت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، وطالت شخصية معروفة في المجتمع الفلسطيني في أراضي الـ48.

والثلاثاء، قتل شاب في الثلاثينيات من العمر وأصيب شخصان آخران، بجروح وصفت بين المتوسطة والخطيرة في جريمة إطلاق نار ارتكبت بالقرب من مدينة الناصرة.

والسبت الماضي، قتل إمام مسجد قباء في بلدة "كفر قوع" الشيخ سامي عبد اللطيف (المصري)، متأثرا بإصابته بجريمة إطلاق نار عليه وهو خارج من "بيت عزاء" في بلدته.

ويعرف عن الشيخ عبد اللطيف، أنه من أبرز قادة العمل الإسلامي ورجال الإصلاح في الداخل الفلسطيني، ولديه خطب عدة تدعو إلى نصرة المسجد الأقصى.




وارتفع عدد ضحايا جرائم القتل التي ارتكبت في بلدات الداخل الفلسطيني المحتل منذ مطلع عام 2023 إلى 160 ضحية بينهم عشر نساء.

وبلغت حصيلة ضحايا العام الماضي 109 قتلى، بينما جرى توثيق أكثر من 111 جريمة قتل في العام 2021.

اتهام الاحتلال بالمسؤولية
وحملت حركة الدعوة والإصلاح في الداخل المحتل، الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عن اغتيال الشيخ عبد اللطيف.

وقالت الحركة في بيان، إن المسؤول الأول والأخير عن الانفلات الأمني الذي طال المصلحين أمثال الشيخ هي المؤسسة الرسمية الإسرائيلية بكافة أفرعها.



من جهته قال الشيخ كمال الخطيب، خلال مشاركته في فعالية منددة بمقتل الشيخ عبد اللطيف، إن ما يجري هو مشروع معاقبة للشعب الفلسطيني في الداخل المحتل لرفضهم "الأسرلة" و"التهويد".

وأضاف الخطيب، أن "الاحتلال الإسرائيلي يريد معاقبتنا عبر تمزيق نسيج شعبنا من خلال فتنة السلاح والجريمة" بسبب هبة العام 2000، وتزايد ذلك بعد هبة الفلسطينيين في الداخل المحتل في العام 2021 في ما بات يعرف بـ"هبة الكرامة".


وتابع: "علاقتنا بالمسجد الأقصى، وأرضنا ومقدساتنا، هي علاقة دين وعقيدة، ولذلك فلا الضغط ولا الجرائم ستثنينا عن ذلك".
من جهته قال الشيخ رائد صلاح، إن "المؤسسة الإسرائيلية هي المسؤولة عن كل ما نعاني منه من كوارث القتل في كل مجتمعنا".

وأضاف أن "المؤسسة الرسمية الإسرائيلية ليست عاجزة فقط عن كبح جماح العنف في الداخل الفلسطيني، بل هي تتبنى سياسة التقاعس، ولذلك فإن العجز والتقاعس أصبح من طرفها سياسيا رسميا حكوميا، يجب إسقاطه".


هنية يوجه نداء للداخل المحتل
من جهته دعا رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، فلسطينيي الداخل المحتل إلى وقف النزيف وحقن الدماء، محملا الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عن تفشي الجرائم هناك.

وقال هنية في مقطع فيديو: "الاحتلال يهدف من خلال دوره الخبيث في دعم الجريمة، إلى إشغال الشعب الفلسطيني في الداخل عن قضاياه الرئيسية".

وناشد هنية الطبقات السياسية والفكرية والحزبية وكافة الأهالي في الداخل المحتل ضرورة تركيز اهتماماتهم في حماية النسيج الوطني الفلسطيني أكثر من أي شيء آخر.

وشدد على أنه "مع وصول نيران الجرائم إلى كل بيت، فإنه يجب الخروج بموقف ثابت وقوي ضمن استراتيجية متكاملة لوقف هذا النزيف والدماء، وحماية أبناء الشعب الفلسطيني من الاستمرار في هذا المسار الدموي الذي لا يخدم إلا الاحتلال".


ومن ضمن القرارات، تشكيل لجنة طوارئ، تشمل لجنة إفشاء السلام ولجنة مناهضة العنف والجريمة ولجنة الرؤساء وغيرها.

وقال رئيس المتابعة محمد بركة، في تصريحات إن "استفحال التواطؤ السلطوي الإسرائيلي لتوسيع أكبر لدائرة الجريمة، يستدعي أكثر من أي وقت مضى، التوجه للمؤسسات الدولية ضد حكومة إسرائيل وأجهزتها، متهمين إياها بأنها السبب الأساسي لما يجري في مجتمعنا".

وأوضح بركة: "نحن بحاجة إلى جدولة العديد من البرامج والنشاطات الكفاحية، وصولا إلى يوم ذكرى هبة القدس والأقصى، وأنا أذكر هذه المناسبة ليس صدفة، لأن إطلاق العنان الحكومي، لانفلات الجريمة في المجتمع العربي، جاء في أعقاب هذه الهبة في تشرين الأول/ أكتوبر العام 2000، لضرب مجتمعنا من داخله".

وشدد على "ضرورة الاستمرارية في الكفاح الشعبي ردا على التواطؤ الحكومي السلطوي مع دائرة الجريمة لتتسع أكثر".

صرف اهتمام فلسطينيي الداخل عن قضيتهم
الكاتب والباحث أنطوان شلحت، ذكر أن "خصوصية الجريمة في الداخل المحتل هي أنها في ازدياد مضطرد من دون أن تواجه من طرف من يفترض به مواجهتها، كما هي الحال في شتى الأماكن، وهي سلطات الدولة وبالأساس المؤسسة الأمنية".

وأضاف في حديثه لـ"عربي21"، أن مرد ذلك أن الجريمة تؤدي إلى تشويه المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل وإلى تشرذمه وصرف اهتمامه عن قضيته القومية وعن حقوقه المدنية، ما من شأنه أن يخفف الوطأة عن دولة الاحتلال.

وأشار إلى أن سلطات الاحتلال تشترط لكي تواجه الجريمة ضلوع جهاز الشاباك في هذه المواجهة بين صفوف المجتمع الفلسطيني، وهذا يسفر عن تعميق الملاحقات الأمنية بحجج شتى.

ويندرج في هذا الإطار أيضا موضوع زج السلاح داخل صفوف المجتمع الفلسطيني في الداخل. وطالما أن هذا السلاح يستخدم ضد أبناء المجتمع ولا يوجه نحو أي نشاطات أمنية تحيل إلى المقاومة فليست لدى دولة الاحتلال أي مشكلة، بحسب رأي الباحث شلحت.

ونوه إلى أن هذا الوضع تفاقم مع وجود حكومة الاحتلال الأكثر تطرفا ويمينيا، وبات يتطلب أدوات مواجهة مغايرة.

وحول وصول الجريمة إلى شخصيات مجتمعية ومعروفة في الداخل المحتل، رأى الباحث أنطون شلحت، أنها رسالة من "عصابات الإجرام" إلى هذه الشخصيات التي تعمل علنا من أجل مكافحة آفة العنف والإجرام.

وأضاف أن هذه العصابات تعلم أن السلطات الإسرائيلية تغض الطرف عنها، وأن ما يهددها أكثر شيء هو حراك المجتمع من خلال أحزابه وقواه السياسية ومن خلال شخصياته الوازنة. ولذا فيبدو أنها تحاول أن توجد معادلة ردع في مقابل هذا كله.

وتابع بأن الاحتلال يستفيد مما يجري، على المدى المنظور من خلال تشتيت المجتمع الفلسطيني في الداخل، وإضعاف هويته الوطنية والقومية الفلسطينية العربية، بما يعزز نزعات أسرلته، وانفصاله عن المجتمع الفلسطيني عموما.

وشدد على أن زيادة الجريمة في المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل ستؤثر في نهاية المطاف على المجتمع الإسرائيلي أيضا، وهناك مؤشرات أولية على ذلك.

الداخل المحتل تهديد استراتيجي يسعى الاحتلال لتحييده
الأكاديمي والباحث في الشأن الإسرائيلي محمد هلسة، ذكر أن الاحتلال الإسرائيلي تعامل مع الداخل المحتل كتهديد استراتيجي، وحتى مراكز أبحاثها ظلت تتعاطى مع الفلسطينيين وتحديدا في الداخل كتهديد استراتيجي لها.

وأضاف في حديثه لـ"عربي21"،أن هذه النظرة تصاعدت لدى المجتمع الإسرائيلي والأوساط الأمنية والسياسية الإسرائيلية، مع مشاركة الفلسطينيين الواسعة في هبة القدس.

وأشار إلى أن الاحتلال اقتنع بأن السنوات الطويلة من محاولة كي الوعي وتذويب الهوية الوطنية الفلسطينية بمختلف الطرق ذهبت هباء منثورا، وبأن الفلسطيني في الداخل المحتل ما زال متمسكا بهويته رغم كل أساليب الفصل ومحاولة التجزئة التي قامت بها هذه المنظومة الاستعمارية.

ورأى الباحث في الشأن الإسرائيلي، أن الإسرائيليين اقتنعوا بأنه بحاجة إلى العمل أكثر على "طحن الفلسطيني في الداخل وتذويب هويته الوطنية، وتمزيق المجتمع الفلسطيني وإشغاله بالقضايا الثانوية.. وعن الهم الوطني المتعلق بذاته وهويته وعلاقته بامتداده الفلسطيني والعربي والإسلامي".

ونوه إلى أن الجرائم في الداخل المحتل تجري فقط في الأماكن التي يتواجد فيه المكون العربي حصرا، وليس الأماكن المختلطة.

وأضاف أن نشر السلاح وغض الطرف عن ذلك ومساندة مرتكبي الجرائم، والتغطية عليهم ليست مسألة خفية، وتدخل الشاباك في المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل ليس جديدا.

وأوضح أن الشاباك الإسرائيلي يتدخل في كافة مفاصل الحياة الفلسطينية في الداخل المحتل، بما فيها قطاع التعليم والصحة، ولا يظهر هذا الأمر بشكل معلن في الدوائر الرسمية الإسرائيلية.

وأشار إلى أن الشاباك الإسرائيلي وحكومة الاحتلال، يدركون أن غض الطرف عن الجرائم المنظمة في الداخل المحتلة يخدم الهدف الاستراتيجي الإسرائيلي بتذويب هوية المجتمع الفلسطيني بإشغاله بصراعات فرعية داخلية، وتخرجه من دائرة التهديد، أو تشكيل الخطر عليها في إطار امتداده العربي الإسلامي.

الشاباك يريد تحييد جبهة فلسطينيي الداخل في أي معركة قادمة

ونوه إلى أن الاحتلال يحضر نفسه اليوم لسيناريو متعدد الجبهات، وتحييد الداخل الفلسطيني في إطار التخطيط المستقبلي في إمكانية اندلاع مواجهة كهذه مهم جدا، وإسقاط واحدة من الجبهات التي تهدده.

وتابع بأن مصلحة الشاباك الإسرائيلي تتقاطع مع مصلحة دولته المحتلة بشكل أساسي، والجريمة تقع في الداخل المحتل لأن تل أبيب لا تريد العمل ضدها، بل وتغطيها وتدعمها.

الخبير في الشأن الإسرائيلي حسن مرهج، ذكر أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية ليس لديها استعداد أو نية لإنهاء ظاهرة الجريمة في الداخل المحتل التي طالت الأطفال وشخصيات اجتماعية لها مكانة خاصة.

وتابع لـ"عربي21"، بأن الشاباك الإسرائيلي صدم من مواقف الجماهير العربية في الداخل  المحتل خلال معركة سيف القدس، وهو الآن يستغل ظاهرة الجريمة ولا يحاربها، ليحصل ما يريد، بحيث أنه في أي معركة قادمة يسود الاعتقاد لديه بأنه لن يكون أي حراك من جبهة فلسطينيي الـ48.

75 بالمئة من الجرائم تحظى بتغطية جهات رسمية إسرائيلية
وكشف الباحث الفلسطيني محمد هلسه، أن مستويات أمنية وشرطية إسرائيلية صرحت علانية بأن تعليمات تصلها بإطلاق سراح من تعتقله، لأن هناك تغطية لمرتكبي الجرائم بما يخدم هدف الاحتلال.

وأكد أن 75 بالمئة من جرائم القتل في الداخل المحتل، هي جرائم تقودها عصابات جريمة منظمة تحظى بتغطية جهات إسرائيلية رسمية.

ورأى أن هناك أوراق قوة لدى المجتمع الفلسطيني في الداخل المحتل يستطيع تحريكها، أبرزها إعلان العصيان المدني وإجبار "إسرائيل" على أن تقوم بالمطلوب منها في ملاحقة الجريمة والجناة.