سياسة عربية

السلطات المصرية تقمع أول احتجاج في العاصمة الإدارية الجديدة (فيديو)

مئات المعلمات والمعلمين نظموا اعتصاما هو الأول من نوعه في العاصمة الجديدة لكن قوات الأمن فضته بالقوة- مواقع التواصل
شهدت العاصمة الإدارية في مصر اعتصاما ووقفة احتجاجية، هي الأولى من نوعها، أمام مقر وزارة "التربية والتعليم"، نظمها مئات المعلمات والمعلمين، اعتراضا على استبعاد نحو 14 ألف معلم من التعيين في مسابقة الـ30 ألف معلم، رغم اجتيازهم كل الاختبارات.

وفضت قوات الأمن اعتصام المعلمات والمعلمين بالقوة، وألقت القبض على عدد من المعلمين، وصادرت هواتف العديد من المحتجين، فضلا عن الاعتداء عليهم، وفتح خراطيم المياه على المعلمات وإجبارهن على ركوب الحافلات، بحسب موقع "مدى مصر" الإخباري المستقل.

واحتشد مئات من المعلمات والمعلمين، صباح السبت، أمام مقر الوزارة، ورددوا هتافات تندد بـ "استبعادهم من التعيين في الوظائف، رغم اجتياز غالبيتهم كشف هيئة في الكلية الحربية، والاختبارات الأساسية والإضافية، بما فيها اختباران طبي ورياضي في الحربية".



ورفضت مديريات التعليم، بحسب عدد من المعلمين والمعلمات، على مستوى الجمهورية الكشف عن أسباب استبعادهم من التعيين، رغم استلامهم رسائل تفيد نجاحهم في جميع الاختبارات، وطالبوهم بتقديم تظلمات والتماسات فضلا عن تضارب تصريحات المسؤولين ما دفع البعض للمجيء من مختلف المحافظات والتجمع أمام مقر الوزارة بالعاصمة الإدارية.

وافترش المئات من المعلمات والمعلمين الأرض بعضهم اصطحب أطفاله لساعات طويلة مع ترديد هتافات ضد مسؤولي الوزارة والمطالبة بالكشف عن أسمائهم، ورفضهم مغادرة مواقعهم بعد أن فشل بعض مسؤولي الوزارة في إقناعهم بالعدول عن الاعتصام.

وإزاء التصعيد، غير المسبوق، في العاصمة الإدارية وأمام إحدى وزارات الحكومة استدعت الوزارة قوات الأمن للمعتصمين التي فضت الاعتصام بالقوة، في انتهاك جسيم لحقوق المرأة والمعلمين والمعلمات، بحسب حقوقيين ومراقبين، واعتبروه أول تجاوز حقوقي مزدوج جمع بين العنف ضد المدنيين وإهانة المرأة في قلب العاصمة النموذجية التي تشيدها السلطات المصرية.

مؤسسات المرأة تلتزم الصمت وغصب برلماني


ولم يصدر أي بيان من وزارة التربية والتعليم أو الحكومة أو حتى منظمات المجتمع المدني الحكومية من قبيل المجلس القومي للمرأة وغيرها من المجالس الحقوقية للتعليق على المقاطع المصورة التي أظهرت فرار عشرات المعلمات وصراخهن من بطش قوات الأمن.

وانتقلت أصداء الأزمة إلى مجلس النواب، وهاجم نواب الحكومة، حيث استنكر النائب محمد عبد العليم داوود، ما أسماه قيام "الحكومة بضرب بنات مصر بالشلاليت (بالأرجل) في العاصمة الإدارية الجديدة"، مضيفا أن أمام الجلسة العامة "الحكومة ضحكت على الشعب في مسابقة تعيين المعلمين".



وفي محاولة لاحتواء غضب المعلمين، أعلنت وزارة التربية والتعليم أن المعلمين الذين لم يجتازوا اختبارات مسابقة 30 ألف معلم، سيتم إتاحة الفرصة لهم لتقديم التماس بمديريات التربية والتعليم التابعين لها، حيث سيتم التواصل معهم لإعادة الاختبارات التي لم يجتازوها.

وكانت وزارة التربية والتعليم أعلنت في تموز/يوليو عام 2022، عن حاجتها لتعيين 30 ألف معلم، لسد النقص الشديد في عدد المعلمين، والذي يُقدّر بأكثر من 300 ألف معلم، من خلال مسابقة تشمل العديد من الاختبارات والإجراءات المعقدة والمصروفات الكثيرة، ومن ثم خضوع جميع الفائزين لكشف طبي ورياضي واختبارات شخصية في الكلية الحربية في توجه أثار العديد من الانتقادات بشأن عسكرة الوظائف الحكومية.



لا مكان بعيد عن انتهاك حقوق المرأة في مصر

من جهتها، وصفت المستشارة الأسرية والاجتماعية الدكتورة منال خضر، ما تعرضت له المعلمات أمام مقر وزارة التربية والتعليم بالعاصمة الإدارية "بالامتهان الذي لا يليق بالمرأة المصرية، فضلا عن المعلمة القدوة ومربية الأجيال، وإذا كنّا نتحدث عن دولة تعلم حقوق المرأة وتحترم المواثيق والمعاهدات الدولية فكيف يتم امتهان كرامتها والتعدي عليها بهذا الشكل السافر ضربا وسبا".

وتساءلت في حديثها لـ"عربي21": "أين العلم والتعليم في مصر من قول شاعرها، قف للمعلم ووفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا، أين مقام الرسل من هذه الإهانة وهذا الانتهاك. ما جرى يُخالف حتى العادات والتقاليد والأعراف الأصيلة لدى المجتمع العربي والمسلم والشرقي، وهو تجاوز أخلاقي بعيد عن أي مواثيق دولية؛ فالإسلام حثّ على صون المرأة وتبجيل المعلم، وصمت أجهزة ومؤسسات الدولة المختلفة المعنية بالأمر هي فضيحة جديدة من العيار الثقيل".

وأعربت خضر عن رفضها "كل أشكال تدخل الجيش في مناحي الحياة والتحكم في مساراتها، والالتزام بمسوغات التعيين لدى وزارة التربية والتعليم"، مشيرة إلى أن "اعتصام المعلمات في مكان محصن ومدرع لا يدل إلا على أنه مهما قيدوا الشعب المصري وأقاموا الحواجز والسجون فإن المرأة المصرية لا تهاب مثل هذه الإجراءات وتتمسك بحقها في الحياة من خلال وظيفة معتبرة هي أقل مقومات الحياة الإنسانية".

السلطات تفشل في أول اختبار حقوقي لها بالعاصمة الجديدة

بدوره، اعتبر المدير التنفيذي للشبكة المصرية لحقوق الإنسان، أحمد العطار، أن "فض اعتصام المعلمات والمعلمين السلمي بالقوة هو فشل ذريع في أول اختبار حقوقي للسلطات في العاصمة الجديدة، ويكشف عن منهجية السلطات الأمنية في استعمال القوة مع الاعتصامات والوقفات السلمية للحقوق الأساسية التي كفلها الدستور والقانون، وأول انتهاك يمكن تسجيله ضد المرأة المصرية في العاصمة النموذجية".

وأضاف في حديثه لـ"عربي21": "بالرغم من سلمية الاحتجاجات والاعتصام وشرعية المطالب، إلا أن السلطات اختارت استعمال القوة الأمنية بدلا من مناقشة المعتصمين ومحاولة الوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف ومحاولة إزالة أسباب الاعتصام الذي يُعدّ أول اعتصام واحتجاج في العاصمة الإدارية الجديدة وكأنها رسالة واضحة بأن الأزمة الاقتصادية والظروف المعيشية الصعبة وفقدان الأمل سوف يلاحق السلطات في أي مكان ولن يثني الناس عن المطالبة بحقوقهم".

واقعة كاشفة لطبيعة النظام العسكري


كما استهجن النقابي والحقوقي، الدكتور أشرف عبد الغفار، "تعدي قوات الأمن على مئات المعلمين والمعلمات الشباب الذين يُعدّون رسل هذه الأمة، وبدلا من تكريمهم وحماية اعتصامهم والاستماع إلى مطالبهم، قررت السلطات قمعهم بشكل غير إنساني وغير مهني وتخطي كل الخطوط الحمراء في التعامل مع المعلم والمعلمة أساس نهضة الأمم في العالم".

وأوضح في حديثه لـ"عربي21": "نحن أمام زمرة عسكرية وحكم أمني لا يُفرّق بين مدني ومسلح وكلهم سواء طالما رفعوا صوتهم للمطالبة بحقوقهم؛ فوزارات الحكومة ما هي إلا مكاتب لوزارة الدفاع والمجلس العسكري، ولا تتملك تعيين أي معلم إلا بعد موافقة تلك الجهات العليا في تجاوز واضح وصريح للدستور ومخالفة كل قوانين ومسوغات التعيين الحكومية".

وانتقد عبد الغفار الذي شغل منصب أمين عام مساعد نقابة الأطباء ومقرر لجنة الإغاثة الإنسانية سابقا، "محاولة الدولة عسكرة الوظائف، وتضارب بيانات الوزارة وتصريحات المسؤولين والتعنت مع المتسابقين الناجحين وما بدر منهم هو خطوة للأمام لاستعادة حقوقهم المسلوبة وبادرة أمل، ووصمة عار على نظام السيسي الجديد في العاصمة الجديدة".