مقابلات

قيادي بـ"العدل والإحسان": لا أمل بالإصلاح في المغرب

عمر امكاسو-عربي21

* المشهد السياسي بالمغرب تغلب عليه الرتابة والجمود وهيمنة الفاعل الوحيد الذي يمثله القصر

* لا جدوى من محاولات الإصلاح في المغرب ضمن إطار "المشاركة السياسية"

* ما يحصل في بلدان بالربيع العربي يمثل مخاضا عسيرا لميلاد التحول المنشود والتخلص من الحكام المستبدين

* لا تغير على الجماعة منذ وفاة مؤسسها إلا إذا كان المقصود تغيير وسائل العمل وتجديدها وتحسينها والانفتاح على الواقع لمواكبة مستجداته



يرى عمر امكاسو، القيادي البارز في "جماعة العدل والإحسان" في المغرب، أن "التغيير المنشود يجب أن يكون شاملا وعميقا، وفق مشاركة سياسية جماهيرية، تمارس كل أنواع الضغط بقوة هادئة". وأضاف امكاسو في حوار خاص مع "عربي21" أن ما أسماه "النظام المخزني" في المغرب "راكم القدرة على الالتفاف على كل المطالب المعقولة مهما كان مصدرها ومهما كانت وجاهتها".

وامكاسو عضو في مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان ونائب رئيس دائرتها السياسية. وتمثل جماعة الجماعة إحد أكبر التنظيمات الإسلامية في المغرب. وتحل هذه الأيام الذكرى الأولى لوفاة مؤسسها وزعيمها الراحل عبد السلام ياسين.

وعلق امكاسو بالقول إنه لم يطرأ أي تغير على الجماعة بعد رحيل مؤسسها، معتبراً أن "الحديث عن التغير بمعناه الدارج هو أمر بعيد عن الواقع"، قبل أن يستدرك بأن "التغير حصل على مستوى تجديد آليات العمل".

كما تطرق امكاسو إلى  ما يجري خصوصاً في بلدان "الربيع العربي"، ورأى أنه يمثل "مخاضا يبدو أنه عسير لميلاد التحول المنشود نحو تحقيق الأمة لعزتها وكرامتها وحريتها وتخلصها من الحكام المستبدين الذين ساموها كل ألوان العسف والظلم والجور" حسب قوله.

وفيما يلي نص الحوار:

- كيف تستحضرون ذكرى رحيل مؤسس الجماعة الشيخ عبد السلام ياسين التي تحل هذه الأيام؟

ذكرى رحيل الإمام المرشد عبد السلام ياسين رحمه الله تعني بالنسبة لنا عدة أشياء، منها تجديد الوفاء لهذا الرجل الذي أجرى الله تعالى لنا على يده أفضالا لا حصر لها، والتأكيد على قيمة الرجل ومكانته بالنسبة للجماعة والأمة معا، باعتباره مرشدنا ومصحوبنا ومؤسس دعوتنا من جهة، وباعتباره من الرجال الأفذاذ القلائل الذين جمع الله فيهم ما تفرق في غيرهم.

فهو رحمه الله  لم يكن مجرد مرب اشتغل على تصفية التراث الصوفي ليعيده إلى النبع القرآني والنبوي، بل كان مربيا ربى على هدى من الله وعلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم أفواجا وأجيالا من الرجال والنساء على العكوف على باب الله طلبا لرضاه، وعلى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وعلى التفاني في خدمة قضايا شعبنا وأمتنا؛ كما لم يكن رحمه الله مجرد منظر وضع منهاجا متكاملا في التربية والتنظيم والزحف، بل ندب حياته لتنزيل هذا التنظير على أرض الواقع من خلال تأسيس جماعة العدل والإحسان الحاملة لهذا المشروع، ومدرسة العدل والإحسان التي انتشرت في كثير من البلدان خارج المغرب.

- هل من تغيرات يمكن رصدها على وضعية الجماعة بعد سنة من رحيل الزعيم المرشد، أم أن الأمور لم تعرف أي تغير يذكر؟

جماعة العدل والإحسان قامت بفضل الله تعالى على منهاج عمل واضح المعالم أثله الإمام المرشد وبلورته مسيرة أزيد من أربعة عقود من العمل الدؤوب التي أشرفت عليها مؤسسات متعددة التخصصات تعتمد الشورى آلية أساسية في اشتغالها وتجدد وسائل عملها باستمرار، ولذلك فالحديث عن تغيرات بالمعنى الدارج لهذه الكلمة في جماعة تستند على هذه الأسس المتينة في عملها يصبح بعيدا عن الواقع، اللهم إن كان المقصود هو تغيير وسائل العمل وتجديدها وتحسينها والانفتاح على الواقع لمواكبة مستجداته.

- تعرف عدد من الدول العربية اضطرابات وتوترات في مقدمتها سوريا ومصر... كيف تتابعون هذا الوضع وتطوراته؟

لا يملك أي مسلم، بل أي إنسان يمتلك الحد الأدنى من الحس الإنساني إلا أن يعبر عن أسفه العميق لما آلت إلي أوضاع إخواننا في مصر وسوريا، نسأل الله العلي القدير أن يعجل لهم بالفرج الذي يتحقق به انعتاقهم وخلاصهم من الحكام المستبدين، ومع هذا الشعو، أعتقد أن ما يحصل في بلدان ما يعرف بالربيع العربي يمثل مخاضا يبدو أنه عسير - يسّر الله عليهم - لميلاد التحول المنشود نحو تحقيق الأمة لعزتها وكرامتها وحريتها وتخلصها من الحكام المستبدين الذين ساموها كل ألوان العسف والظلم والجور.

فالتغيير الحقيقي يحتاج إلى تضحيات جسام، وتكتنف طريقه ابتلاءات وتدافعات وصراعات، وتعترضه عقبات كأداء نفسية وسياسية واقتصادية وغيرها. ويحتاج لتدابير انتقالية شجاعة تقطع بالتدريج والتوافق بين الجميع جذور الفساد، وتبني بالتدرج والتوافق دائما البديل الذي يجد فيه الجميع إسهامه وطموحاته وأهدافه ولو في الحد الأدنى.

ولا أخال الأحداث المريرة التي تمر بها أمتنا إلا مشوارا نحو هذا الأفق الواعد، وإلا فلنتأمل الثورات الكبرى في التاريخ البشري، كم استغرقت، وكم قدم فيها من التضحيات، قبل أن يستتب لها الوضع وتحقق أهدافها، مثل الثورة الفرنسية والروسية وغيرها. وأملنا في المولى القدير أن يطوي لنا المسافات وييسر لنا السبل، حتى تستعيد شعوبنا عزتها وكرامتها.

من جهة أخرى، لا بد للكيّس أن يأخذ العبرة من هذه الأحداث، ويستحضرها في قراءته للواقع وفي رسمه لملامح التدافع.

- كيف تقيمون المشهد السياسي بالمغرب؟ وهل وقع من تطور في علاقاتكم مع الدولة؟

المشهد السياسي بالمغرب مشهد تغلب عليه الرتابة والجمود وهيمنة الفاعل الوحيد الذي يمثله القصر والمحيطين به، بينما أدوار باقي "الفاعلين" هامشية ومحدودة، ومقتصرة على تزيين واجهة النظام المخزني ليبدو أمام الجميع وخاصة في الخارج كنظام عصري منفتح.

ويبدو أن المحاولات التي يبذلها من يرون إمكانية إصلاح هذا النظام من الداخل ووفق آلياته الرسمية المتحكم فيها بإتقان. هذه المحاولات لن تكون إلا مثل المحاولات التي عرفتها بلادنا منذ الاستقلال وعلى مدى أزيد من نصف قرن وبمشاركة قوى وطنية كثيرة لا نشك في وطنيتها وصدق نياتها وكفاءتها، لكن تماسيح وعفاريت المخزن استطاعت بكفاءة كبيرة صد كل تلك المحاولات وتحريف مسارها لتصبح مجرد آلية من آليات ترسيخ النظام وتقويته وتوسيع دائرة تحالفاته والتمكين لواقع الفساد والاستبداد الذي ينخر كل أوصال البلاد.

ونحن في دعوة العدل والإحسان نتبنى مقاربة مغايرة تماما، ترى أن لا جدوى من مثل هذه المحاولات التي تؤطرها ما تعرف بالمشاركة السياسية الرسمية، لكننا لسنا عدميين يكتفون بمجرد النقد والرفض، بل إننا نسعى للتمكين لمقاربة بديلة ترى أن التغيير المنشود يجب أن يكون شاملا وعميقا، وفق مشاركة سياسية جماهيرية، تمارس كل أنواع الضغط بقوة هادئة، وتتأسس على ميثاق جماعي تشارك فيه كل القوى الغيورة على البلد، لبناء المغرب المنشود. وطبعا، في دولتنا المخزنية لا اعتراف بمن يتبنى مثل هذه المقاربة رغم سلميتها ومشروعيتها، فكيف تسألني هل تغيرت علاقتكم مع الدولة؟

- هل ترون أن رسالتي "إلى من يهمه الأمر" و"الإسلام أم الطوفان" اللتين وجهتا للملك الراحل الحسن الثاني والملك الحالي محمد السادس من طرف الشيخ عبد السلام ياسين لقيت استجابة بطريقة من الطرق؟

 النظام المخزني في المغرب راكم القدرة على الالتفاف على كل المطالب المعقولة مهما كان مصدرها ومهما كانت وجاهتها.

ولا غرو أن ما تضمنته الرسالتان من مطالب ملحة لتصحيح الأوضاع  في المغرب قد نالت نفس المصير، مثل مطلب التوبة العمرية، نسبة لسيدنا عمر بن عبد العزيز، الذي وجهه الإمام المرشد (ياسين) للملك الراحل، ومطلب استرجاع الثروة الملكية المودعة في البنوك الخارجية الذي وجه للملك الحالي.

ونفس الالتفاف واجه به النظام المخزني مطالب الحراك المغربي خلال سنة 2011، من خلال التعديل الدستوري وما تلاه من انتخابات سابقة لأوانها وتشكيل حكومة"سياسية" سُمح لحزب العدالة والتنمية ذي التوجه الإسلامي بقيادتها. بينما بقي جوهر القضية الذي هو الفساد والاستبداد جاثما على البلاد.

(انتهى الحوار)