كتاب عربي 21

عربيقي ومسلم؟ الله يستر

1300x600

ذهبت الى لندن أول مرة في سبعينات القرن الماضي، فرحا وكأنني بُشِّرت بالجنة، ثم عشت فيها حينا من الدهر مع عائلتي بعدها بنحو عشرين سنة، وكانت قد تحولت إلى مسرح لعنف أهوج، وكل المدن الغربية الكبرى تشهد تصاعدا في معدلات الجريمة، ولكنك تستطيع أن تزورها عدة مرات دون ان تتعرض لاعتداء جسماني، إذا تفاديت مناطق "الهلس" فيها، ومعظم من يتجولون في تلك المناطق يكونون تحت تأثير سوائل أو مساحيق أو أقراص أو "دخاخين" تؤدي إلى ذهاب العقل، وتستطيع ان تبعد عن الشر دون أن تغني له في تلك المدن، بالابتعاد عن المناطق الملغومة (الحمراء).

 وقد تصبح ضحية لأن لون بشرتك "غلط" في المحل الغلط. وكثير من العرب يعيشون على وهم أنهم بيض، ويذهبون إلى حانات وأندية غالبية روادها من البيض، فيتعرضون للمضايقات والضرب المفضي الى الموت أحيانا، ذلك أن كثيرين من الخواجات يسيئون الظن بذوي البشرة السوداء، وتخيل حال شخص مثلي: عربيقي وأسود ومسلم... فالعروبة والأفرقة – ولاحقا – الإسلام، تجر البلاء على كل من يذهب الى بلد غربي، وقبل أشهر كنت في طائرة صغيرة متجهة من أمستردام إلى هامبورغ، عندما ترنحت وارتجت فجأة، فصحت مرعوباً: الله أكبر، مما جعلني هدفا لنظرات خائفة، فقد حسبوني جعفر بن لادن.. طيب، ما العمل كي لتفادي الاعتقال في مطار هامبورغ، بتهمة "لابسة"، لأن عشرين شخصا على الأقل سيشهدون بأنني قلت "الله أكبر"؟ لم أجد حيلة سوى تمثيل دور من يهذي خوفا، ويبدو أنني أتقنت ذلك الدور، فقد جاءت المضيفة لتطمئنني بأنه مطب هوائي ليس إلا، وفي مطار هامبورغ أوقفنا أربعة مصارعين، ومعهم امرأة تشبه فاروق الفيشاوي، وفلفلوا حقائبنا، وهم يسألوننا أسئلة سخيفة واستفزازية، فمثلا، أمسك أحدهم بكاميرا تخصني وسألني: فات إز زس؟ ونفس السؤال عن كمبيوتر اللابتوب، ثم عثر في حقيبة يد زوجتي على مصحف صغير وأقسمت في سري أنه لو سألني عنه سأقول له: هات خبير متفجرات ليرد على تساؤلك، ولكنه اكتفى بتوجيه نظرة شك وريبة نحوها ولسان حاله يقول: هذه هي بنت لادن، والعربيقي الذي معها من الخلايا النائمة.

والشعوب الغربية عموما تعتبر كل شخص اسود مجرما او "مشروع مجرم"، وفي الأعوام الأخيرة صار المسلمون الذين يعيشون في الغرب موضع شبهات، وبمعايير الغرب فقد اجتمعت تشكيلة من المواصفات غير المرغوب فيها في شخصي: أفريقي بسمرة "تلعلع"، وعربي، وفوق هذا كله مسلم؟ ولكن يا ما عانى كثير من الخواجات خلال التعامل معي، لأنني أمارس الاستعلاء عليهم، فقد زاملت منهم العشرات لسنوات، واكتشفت أن معظمهم سطحيون وجهلة، ولكن العتب علينا نحن الذين ما زلنا نرى أن بياض البشرة في حد ذاته مؤهل رفيع، فنأتي بصعاليك أوربا وأمريكا ونضفي على كل منهم لقب "خبير"، ونتعامل مع قراراته وكأنها "منزلة لا يأتيها الباطل من قُبل أو دُبر".

أذكر أن السفارة الأمريكية في الخرطوم أبلغتنا ذات مرة أنها استقدمت خبيرا ليقدم لنا محاضرات فنية في التلفزيون السوداني، وجلسنا ومعنا أساطين الإنتاج والإخراج التلفزيوني من السودانيين الذين تدربوا في تلك المجالات في ألمانيا وهولندا وبريطانيا، مع الأخذ في الاعتبار أن السودان والعراق هما أول دولتين عربيتين أنشأتا محطات تلفزة في مطلع الستينات. ووقف الخبير الأمريكي أمامنا وطفق يقول كلاما من النوع الذي نسميه في السودان "خارِم بارم"، أي غير مترابط وبلا معنى، ويخاطبنا وكأننا لم نسمع بالتلفزيون، فرفعت يدي طالبا الإذن لأتكلم، فقال لي بكل تهذيب: سأتلقى الأسئلة بعد أن أفرغ من المحاضرة.. ووجدت نفسي أقول له ما معناه: أي محاضرة وأي بطيخ؟ هل تحسب أننا ندير محطة تلفزيون منذ أكثر من 25 عاما ونحن لا نعرف ألف باء العمل التلفزيوني؟ تعال أجلس بيننا واختر أي واحد من الجالسين أمامك الآن ليحدثك عن آخر أفانين العمل التلفزيوني، لأنه من الواضح أنه لا علاقة لك بهذا المجال، والتفت إلى زملائي وقلت لهم: هل تتفقون معي في ما قلته؟ قالوا: جداً... والسودانيون يستخدمون هذه المفردة كتعبير مكثف للاتفاق والقبول والطمأنة: أحوالك طيبة؟ جداً.. ما رأيك في أن نزور عبد الرحيم في المستشفى؟ جداً.. أنت متمسك برأيك وموقفك؟ جداً... ولما وافقني زملائي الرأي "جداً" اقترحت عليهم ان نترك القاعة، وخرجنا وصاحبنا لا يصدق أن "سودانيين" يستخفون بأمريكي.

 ولكن ليس كل الخواجات سطحيين، ولا كل السود مبرؤون من الإجرام، فلولا ان الخواجات يفكرون ويخترعون ويبدعون لظللنا في عصر البخار، نلطم الخدود على حمامات البخار في الأندلس، وما من شك في ان معدلات الجريمة بين سود بريطانيا والولايات المتحدة عالية، ولكن المؤكد أيضا أن معدلات البطالة بينهم عالية بسبب التمييز ضدهم في الفرص التعليمية والوظيفية، والفقر من أكبر الدوافع للجريمة، وما من فتاة ثرية تهاجر من دول البلطيق إلى أوربا الغربية لممارسة الدعارة، ففي دولة مثل مولدوفا يلجأ "الشرفاء" إلى بيع الكلى لضمان قوت العائلة لعام واحد.. وأحسب أنني أعرف جيدا أحوال السود في جنوب لندن، فقد كنت في السبعينات أتجول فيها بحرية في أي ساعة من اليوم، ولكن سواد بشرتي لن يعصمني اليوم من اعتداء من قبل شخص أسود يدمن الخمر أو المخدرات ليسلبني محفظة نقودي وهاتفي ونظارتي الطبية، أما إذا افترستني عصابة بيضاء وعرفت أني مسلم، فإنها قد تفعل بي شيئا يحث الناس على ذكر محاسني.