كتاب عربي 21

من وحي صورة!

1300x600

ذكرتني صورة بما نسيت، والصورة تضم عدداً من النشطاء السياسيين، ويظهر فيها في الخلف (اللواء) عبد الفتاح السيسي، رئيس المخابرات الحربية، وذلك بعد تنحي مبارك. فقد كان هؤلاء الشباب من الذين هرولوا إلى المجلس العسكري يبتغون عنده العزة، وكانوا في حالة فخر وهم في حضرة قياداته، قبل أن تصبح جماعة الإخوان وحدها هي التي "باعتنا" للعسكر، وهي التي "باعتنا" في محمد محمود، وهي التي استعجلت قطف ثمار الثورة من خلال إنهاء المد الثوري سريعاً والانخراط في الشرعية الدستورية، وباعتبار أن وقف المد الثوري كان السبب في كل ما حدث، والذي بلغ ذروته بعملية الانقلاب علي الشرعية التي لم يتم تثبيتها ثورياً!

الإخوان يتحركون في هذه الأيام كما لو كانت علي "رؤوسهم بطحة"، وقد استنفذوا الاحتياطي الاستراتيجي من الاعتذار، لأنهم تخلوا عن شباب الثورة في أحداث محمد محمود انحيازاً منهم للمعتدي الذي يتمثل في المجلس العسكري، كما أنهم يعتذرون لأنهم باعوا الثوار وانشغلوا بإقرار الشرعية الدستورية علي حساب الشرعية الثورية، وفي كل مرة يعتذرون فيها يقدم هؤلاء الشباب أنفسهم على أنهم كانوا الأرجح عقلاً والأبعد نظراً عندما كان رأيهم بضرورة المضي قدماً في المد الثوري لنهايته، بعدها يجري البحث عن الشرعية الدستورية بإقامة مؤسسات الدولة المختلفة!

لا يعنيني الإخوان المسلمين هنا إذا اعتذروا، أو اعترفوا بأن الخطأ كان حليفهم، لكن راعني أنني قد نسيت ما رصدته في حينه من خلال زاوية يومية كنت أكتبها في احدى الصحف المصرية، وفكرت أن يضمها كتاب عن تاريخ الثورة، ولو فعلت لكانت مراجعة الكتاب بإمكانها أن تعصمني من النسيان، فلا يتمكن الشبان من الاندفاع هذه الأيام للتعامل على أنهم كانوا يمثلون المد الثوري، وبعضهم عندما يتحدث عن الثورة يتحدث باسمها، فهم الثورة وهم شبابها، والآخرون هم الإخوان، وباعتبار أنهم ملاك الثورة وغيرهم كانوا ضيوفاً عليها. وهو أمر جرى الترويج له إعلامياً، حتى صار واحداً مثلي أحيانا يتحدث عن وحدة الثوار والإخوان، ومثل هذه التسمية هي التي مثلت تدشيناً لكلام آخر عن الإخوان الذين ركبوا الثورة، والبعض يقول أنهم سرقوا الثورة منهم معشر الثوار!

الصورة ذكرتني بأن الجميع كانوا في "الهواء سواء"، وإذا كان الإخوان قد سعوا لطمأنة العسكر لأن عندهم رؤية، فان الآخرين فعلوا هذا بغية "الوجاهة الاجتماعية". ولهذا سمعنا عن ائتلاف يتأسس ويحتكر اسماً، وهو مكون من فرد واحد، وقد تضاءل الطموح وصار مجرد جلوس هؤلاء في حضرة قادة المجلس العسكري ورئيس الحكومة هدفاً في حد ذاته، وكان المجلس يعلم بأن الإخوان بأجندة فلم يأنس لهم، لكن هؤلاء الشباب كانوا يمثلون أداة استغلها من أجل تحقيق هدفه في الإطاحة بحكومة أحمد شفيق، لأن شفيق لم يكن محبوباً من قبل قادة العسكر، وهو من كان يتصرف باعتباره وصل إلى رتبة عسكرية مرموقة هي "الفريق أول"، وأنه بحكم الأقدمية المقدرة عسكرياً فهو أهم رجل بعد المشير طنطاوي، وكان شخص كالفريق السيسي يكره أحمد شفيق كراهية التحريم!

الذين خرجوا يطالبون بالإطاحة بالفريق شفيق كانوا يبنون مطلبهم على حق يراد به باطل، وهو كيف لرجل من دولة مبارك ان يستمر في الحكم بعد رحيله، وكأن من سلمهم مبارك السلطة من بعده، وهم أعضاء المجلس العسكري، جاؤوا بالاختيار الحر المباشر من الثورة؟!

لقد كنت ضد استمرار الفريق شفيق في موقعه، وكتبت في هذا كثيراً، وهجوته عبر مداخلاتي التلفزيونية منذ وقوع موقعة الجمل في عهده، وكنت من الذين رأوا ضرورة أن نروض العسكر حتى لا يطمعوا في السلطة، قبل أن يكونوا عرضة لسهام قلمي، وبعد فترة من الهجوم فقدت زاويتي اليومية بسبب ذلك. لكن الفارق بيني وبين هؤلاء الشباب يتمثل في أنني لم أقم بمولاة العسكر كما فعلوا، وكانوا هم أداته في الأيام الأولى، ليمرروا من خلالهم وضع الجيش في الدولة الحديثة، ومن خلال مؤتمرات الحوار الوطني وما شابه، إذ جرى الاتفاق خلالها علي ضرورة أن يكون "الجيش هو الراعي للدولة المدنية" وهو ما هاجمته كثيراً، وقلت إن من يروجون لهذا الكلام سيوردوننا مورد التهلكة. وللتاريخ فإن الإخوان، وهم خصومي السياسيين، كانوا هم الأكثر وفاء لقيم الدولة المدنية، فناوروا حتى يوضع الدستور بعد أن يغادر العسكر الحكم، فلا يخضع لهم البعض بسيف الحياء.

لقد استمر العسكر في السلطة بعد انتهاء الفترة الانتقالية المقررة سلفاً بستة شهور، حتى يوضع الدستور وهم في السلطة، ومارس الإخوان المناورة حتى لا يسمحوا بهذا. وحتى عندما خرج النشطاء من "بيت الطاعة"، بعد أن زهد فيهم أهل هذا البيت وانضموا إلى صفوف الذين يهتفون بسقوط حكم العسكر، لم يبدوا معنيين برفض النص على هيمنة الجيش على الحياة السياسية، وهم الذين تواطؤوا معه من قبل!

لقد كان المدهش حقاً أن يستخدم هؤلاء النشطاء في إدخال الغش والتدليس علي الرأي العام، بأن روجوا لأكذوبة أن الدكتور عصام شرف الذي خلف أحمد شفيق هو رئيس الحكومة القادم من ميدان التحرير، وفي وقت لاحق، وعندما نسي الناس موقفهم، روجوا هم بأن عصام شرف هو من اختيار الإخوان المسلمين، وبعضهم قال انه في الأساس منتمياً للجماعة، ولم يكن هذا صحيحاً.

والصحيح، هو ما قلته كثيراً وأكدت عليه، وكان سبباً في أن يحجب عني عضوية المجلس الأعلى للصحافة المقررة لي قانوناً بحكم موقعي كرئيس تحرير أقدم صحيفة حزبية في مصر، فلم أمل من وصفه بأنه رئيس الوزراء القادم من لجنة السياسات، باعتباره عضواً في هذه اللجنة التي كان يترأسها  جمال مبارك، إلى أن تم حل الحزب الحاكم الذي تتبعه، وأزعم أنني كنت أول كاتب هاجمه وكشف أكذوبة أن يكون منتمياً للثورة بأي قدر وبأي نسبة.

ولم يعد سراً أن الرجل لم يختره ميدان التحرير، ولكن من اختاره هو المشير محمد حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري، ورأي فيه أنه رجل ضعيف، وعليه لن يكن له رأي ولن تكون له بصمة. وقد نقل للمشير، في لحظة الاختيار، كيف أنه حبس نفسه في غرفته أسبوعاً كاملاً وكان في حالة بكاء مرير، بعد أن أخرجه مبارك من الحكومة، التي كان يشغل فيها منصب وزير النقل، وقد نقل لي كيف أن المشير عندما سمع بالواقعة بعد سنوات، قال هذا هو ما ينفع معنا.

عصام شرف، وفي ظل "المولد" المنصوب، قام بتخصيص غرفة بجوار مكتبه، حملت اسم "غرفة الثورة" وسلمها لهؤلاء النشطاء الذين لم يكن لهم دور مميز في ثورة شعب، لكنهم كانوا الأمهر من خلال استغلال الفرص. فعندما تنحي مبارك وغادر الثوار غير المسيسين انشغلوا هم بإنشاء الائتلافات، وقد رابطوا في هذه الحجرة. وعندما كان يتم الحديث عن تغييرات حكومية، كان كل واحد يُمنح ورقة وقلماً وينشغل في تشكيل الحكومة من معارفه لحداثة عهدهم بالحياة السياسية. وكان ينقل لي كيف أن كلاً منهم كان يجلس ويدون أسماء كما لو كان في امتحان وهناك من يراقب عليه، ويخشى من انتهاء الوقت المحدد وسحب الأوراق، فأقف على المحنة التي تعيشها ثورتنا!

لقد ظل هناك من يكذبون إلى أن صدقوا أنفسهم. فهؤلاء القابعون في الغرفة ظنوا بالفعل أن عصام شرف هو رئيس الحكومة القادم من ميدان التحرير، وهو صدّق أنهم يمثلون الثورة المصرية، إلى أن حدث موقف بدد شمل العلاقة، فقد اتضح أن الثوار البواسل "سكان الغرفة" لم يهتموا بعملية تعويضات الشهداء وعلاج مصابي الثورة، إلى أن جاء الضحايا وأسر الشهداء ليتظاهروا أمام مسرح البالون، وكان أن تم سحبهم بمؤامرة الى مبنى وزارة الداخلية، وهناك جرى الاعتداء عليهم بشكل مبرح، فلما علم المصريون بما حدث، إذا بمليونية تكتمل في ميدان التحرير، منددة ومصرة على الانتصار لهم.

وقد نُقل لرئيس الوزراء أن الثوار احتشدوا في الميدان، وربما في هذه اللحظة نظر إلى "سكان الغرفة" متسائلاً: الثوار؟.. ومن أنتم؟! وفي هذه اللحظة وقع الطلاق بإرادة السلطة، وتعامل "سكان الغرفة" وفق قاعدة ما لا يؤخذ كله لا يترك كله، فانخرطوا في المظاهرات!

نقطة مهمة لا ينبغي تجاهلها هنا، أنه لم يكن مطروحاً علي جدول الأعمال شرعية ثورية لتمثل بديلا عن الشرعية الدستورية التي يسعي لها الإخوان، وكل ما يطرح في تجليات الثورة، هو أفكار غير مكتملة عن مجلس رئاسي يدير السلطة، ومن يتم تسميتهم كأعضاء يستنكرون اختيارهم لأنهم لم يكونوا يريدون الاصطدام بالمجلس العسكري، وأكثر من مرة خذلهم حمدين صباحي مثلاً، الذي قال في آخر اختيار انه لا يعرف من اختاره، وأنه لا يوافق على ذلك!

هي تصورات هلامية، إذن. وبما أني كنت من الذين صوتوا علي التعديلات الدستورية بـ"لا"، فقد رأيت بعد أن فازت "نعم" ضرورة احترام الإرادة الشعبية، والانتقال إلى "جدول الأعمال"، وهي الصيغة التي استخدمتها في كتاباتي ومقابلاتي التلفزيونية. فقد كان لدي تخوف من أن يطول الأمد على المجلس العسكري فيطمع في السلطة، وكان واضحاً أنه طامع فيها، وقد انضممت سريعاً إلى الأصوات التي تنادي بسقوط حكم العسكر، وهو شعارنا قبل الثورة وحينها، ولا يزال شعاري إلى الآن، لا يضرني من ضل!

الإخوان كانوا مع الإسراع ببناء مؤسسات الدولة المنتخبة، ولا بديل عن هذا سوى الفراغ المغري بالبقاء. وكل القوى السياسية لم تكن رافضة المضي قدما في العملية الانتخابية، بمن في ذلك  تلك القوى التي تشكل منها في وقت لاحق، ما سمي بجبهة "الإنقاذ"، وحزب "الكرامة" الذي يتزعمه حمدين صباحي خاض الانتخابات على قوائم الإخوان المسلمين، فضلاً عن أنه هو شخصياً خاض الانتخابات الرئاسية ولم يعترض على مغادرة الشرعية الثورية إلى الشرعية الدستورية!

ومن نافلة القول، أن الثورة المصرية لم يكن لها من ملامح الشرعية الثورية سوى اختيار مبارك للمجلس العسكري ليخلفه، لأن هذا تم بالمخالفة للدستور الذي ينص على أن رئيس المحكمة الدستورية العليا هو المنوط به الخلافة بعد حل البرلمان، وبعض الشباب المنتمي للثورة، من زياد العليمي إلى مصطفي النجار، خاضوا الانتخابات البرلمانية وفازوا.

بيد أن البعض كانت لديه مشكلة نفسية، تتمثل في علمه بفقدانه الدور الذي يحتله بحكم التركيز الإعلامي كممثل للثورة ومتحدثاً باسمها، وبعد تشكيل البرلمان كان الحديث عن أن الشرعية للبرلمان وليس للميدان، وإذا كان من الإخوان من يعتذر عن هذا، فعن نفسي لا أرى في هذا أزمة إلى الآن.

لقد دعا هؤلاء للتظاهر، وكانوا يتصورون أنهم بذلك قد يعرقلون العملية الانتخابية، ولدى البعض حساسية مفرطة من فكرة الانتخابات والاحتكام للجماهير. وكم طالبتهم بعد الثورة مباشرة بأن يركز كل منهم في دائرة انتخابية ودعوة إلى ما أسميته بتثوير الدوائر، لكن هؤلاء كانوا يريدون الخيار الأسهل.

وربما نسينا أن أحداث "محمد محمود" الأولى كان سببها سعي البعض لوقف المسار الديمقراطي، وفي وقت لاحق تحدثوا عن الإخوان الذين "باعونا" في محمد محمود، مع أن منهم من تحالف مع القاتل في 30 يونيو، وجعل من المتواطئ - ان صح التعبير - هو الخصم والعدو!

هل "باعوهم" فعلاً في محمد محمود؟!

في الواقع، أن أحداث محمد محمود لم يكن فيها هؤلاء الشباب وحدهم، فقد كانت فصائل سلفية هناك، وكان حازم أبو إسماعيل برجاله يمثلون ملح الميدان، وجاء بعض الإخوان فطُردوا، وشاهدت سيدة مسيحية تهتف عندما رأت الشيخ صفوت حجازي "أخرجوه من الميدان، لقد جاء ليركب الثورة"، وهي لديها دوافع طائفية لما قامت به، لكن هناك من سعى لمجاملتها وتحرش بالرجل ليخرج من الميدان، وعبثاً حاولت التأكيد للجميع بأن حجازي كان معنا في الميدان منذ يوم 25 يناير، وظلوا يدفعون به إلى أن تم إدخاله من قبل آخرين في مسجد عمر مكرم لحمايته من الاعتداء عليه من قبل الموتورين، وبعضهم كان يجامل ذات الوزن الثقيل!

لقد كانت الشهيدة أسماء البلتاجي هناك، في محمد محمود الأولي والثانية، وعندما قتلت بدم بارد في مجزرة رابعة، لم ينعها أحد من هؤلاء، وهو صمت كاشف عن المحركات النفسية هنا وهي عموما ليست لأن الاخوان "باعونا في محمد محمود".

لقاءات بعض الشباب الذين قاموا باحتكار الحديث باسم الثورة لم تبدأ بعد سقوط مبارك، فبعضهم هرول ليلتقي مع عمرو سليمان، نائب المخلوع، ومع هذا هم لا يتوقفون من الحديث عن الإخوان الذين "باعونا" وتحالفوا مع العسكر، والإخوان الذين "باعونا" في محمد محمود، والإخوان الذين تعجلوا جني الثمار والذهاب للشرعية الدستورية وتجاهلوا الشرعية الثورية..

وهل كانت الشرعية الثورية في "جيب" عبد الفتاح السيسي، لتذهبوا إليه مقصرين ومحلقين؟!

للعلم، كل المعلومات التي ذكرتها هنا بما فيها اصطلاح "سكان الغرفة" كتبتها من قبل في وقتها.