كتاب عربي 21

حتى الصمت له ثمن يجب دفعه

1300x600
صور منظمو جنيف 2 أن المؤتمر هو الحل الوحيد والأفضل للأزمة السورية، وبدأت الاتصالات والدعوات تنهال على الجميع وكأنه حفل عرس لا يريدون أن ينسوا دعوة أحد إليه، متناسين أن في الأيام التي انشغلوا خلالها في إرسال الدعوات وحجز الفنادق وتجهيز المواصلات كان الموت يحصد الآلاف من السوريين، والملايين منهم يعانون البرد والجوع والحرمان في خيم ممزقة محاولين التشبث بالحياة بكل وسيلة متاحة.

أرسل الأمين العام للأمم المتحدة دعوة لطهران لحضور المؤتمر، ولكن بعد تهديد الائتلاف السوري بعدم الحضور تم سحب الدعوة، ولم يقل لنا الأمين العام من الذي طلب منه أن يدعو طهران لحضور مؤتمر عن دولة عربية لا تجاورها في الحدود ولا يربطها بشعبها رابط أبدا.

ستحاول إيران إفشال المؤتمر، فهي تريد أن ترسل رسالة واضحة للعالم أنها اللاعب المهيمن في المنطقة، ولن يكون هناك أي اتفاق من دونها، ولذلك فإن النظام السوري سيتحرك في هذا المؤتمر على هذا الأساس، فخرج أول تصريح من دمشق ليعلن أن إزاحة بشار الأسد من الحكم لن تكون ضمن النقاط المطروحة في الاجتماع، ثم سرد لنا وليد المعلم تهما خلال خطابه الطويل يراد منها دمغ هذا المؤتمر بالفشل، منها أنه اتهم المعارضة بالعمالة والخيانة، فهل نتوقع من نظام يتهم معارضيه بهذه التهم أن يصل معهم إلى نتيجة مرضية؟، ثم أضاف المعلم أن لا أحد من خارج سوريا لديه الحق في المطالبة بإزاحة الرئيس بشار وأن الكثير من الدول التي حضرت هذا المؤتمر قد تلطخت أيديها بالدم.

بعد تصريحات المعلم هذه هل يبقى في خلدنا أنه يريد إنجاحه؟.

يجب أن نعترف أن إيران هي من يدير النظام السوري الآن، وأن كل المساعدات والمعونات التي صرفها الزعماء العرب على النظام السوري خلال الأربعين عاما الماضية لم تكن سوى أرقام تضاف إلى أرصدة عصابة من القتلة الطائفيين الذين يحكمون سوريا بالحديد والنار وأن قبلتهم التي كانوا ومازالوا عليها هي طهران، وأن صمت الحكومات العربية وزعاماتها عن مذبحة حماة عام 1982 لم تكن سوى رسالة له للولوغ في دماء الشعب وإذلاله، فهم سيتحملون وزر 30 ألف قتيل خلالها ووزر 130 ألفا بعدها، متناسين أن الصمت في بعض الأحيان جريمة يجب أن يحاسب عليها فاعلها.

في لقاء له مع قناة الميادين، قال بشار الأسد إن لدى النظام السوري خبرة في التغلغل في أوساط الجماعات المتطرفة، ثم أعلن أنه سيقدم هذه الخدمة للغرب لضرب الحركات الإسلامية في المنطقة.

إن تصريحه هذا كان تذكيرا للسوق الذي احتكره لعقود طويلة ومحاولا التغلب على منافسيه في المنطقة، فسجونه مليئة بالشباب الذين كانوا يحاولون دخول العراق لمقاومة الأمريكان وهي مليئة بمن كانوا يعملون في مجال الإغاثة ومليئة بمن أرسلهم الغرب ليتم تعذيبهم في أقبية سجونه ومليئة بكل من يحاول أن يقوم بعمل لم تطلبه منه أجهزته الأمنية.

لم يلاحظ الكثيرون أن الصدامات بين داعش وبقية الكتائب المقاتلة في الساحة السورية قد ازدادت حدتها مؤخرا قبل مؤتمر جنيف2، والسبب وراء ذلك هو إضعاف الائتلاف وجعله يحضر محملا بعبء الاقتتال الداخلي والتفكك، ولذلك حضر الائتلاف ضعيفا مترهلا بخلاف الابتسامات التي كان يوزعها الوفد السوري والتي توحي بنجاح مهمته قبل أن تبدأ.

يجب ألا ننسى أن النظام السوري قد وجد في الروس والإيرانيين حلفاء متضامنين، يرسلون رسائل ثابتة موحدة لوصف أعداء النظام السوري، فهؤلاء كما ورد في كل الرسائل التي أرسلتها كل من دمشق وموسكو وطهران كانت تصفهم بالإرهابيين والتكفيريين والوهابيين، ولم تتغير هذه الرسائل ولم تتبدل، ولكثرتها وحسن صياغتها وثباتها فقد وجدت آذانا صاغية في دول الاتحاد الأوروبي وغيرها، أما رسائل الدول المساندة للثوار فهي غير مترابطة وتتصادم أحيانا وقد تغير مسارها فجأة دون أي إنذار، فليس للجبهة المساندة لإسقاط نظام بشار هوية واضحة، ولا خطاب موحدا، بل إن الخلاف فيما بينها واضح في كل رسائلها وتصرفاتها وبياناتها.

إن خروج شخصية سورية قوية تستطيع أن تجمع الخيوط بيدها وتبعد المتحدثين من غير السوريين من الساسة المساندين للثورة الذين كثر عددهم وقلت بركتهم هو مطلب عاجل، حتى يشعر الجميع بأن هناك مركزية في الصراع وليست تعددية في القيادة.