كتاب عربي 21

الاقتصاد أولا، والاقتصاد ثانيا

1300x600

تستعد الحكومة التونسية لتنظيم مؤتمر وطني حول الوضع الاقتصادي بالبلاد. ويفترض أن يكون تاريخ انعقاده قبل نهاية الشهر الجاري. وفكرة المؤتمر انبثقت على إثر إعلان رئيس الحكومة عن عمق الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، والتي جعلته يؤكد على ضرورة اتخاذ مجموعة من القرارات غير الشعبية، ومن بينها غلق باب التشغيل في القطاع العام، إلى جانب التقليص من حجم صندوق الدعم، وفتح المجال أمام احتمالات رفع الأسعار. 

وبقدر ما تعتبر هذه الفكرة مهمة وضرورية، بقدر ما توجد تخوفات من احتمال فشل المبادرة نظرا لوجود شكوك لدى البعض في احتمال أن يكون المؤتمر مجرد واجهة لتمرير اختيارات اقتصادية قاسية ومملاة من قبل البنك الدولي، قد تكون لها تداعيات سلبية على ردود فعل الشارع، وهو ما لا تريد أن تتحمله الأحزاب السياسية التي تهيئ نفسها للانتخابات في أواخر السنة الحالية. 

هناك مؤشرات على ذلك، حيث أن الحكومة مقتنعة بضرورة مكاشفة الشعب التونسي بحجم الضائقة المالية التي تمر بها البلاد، إلى جانب تمسكها بضرورة المزيد من الصبر والتضحية، حتى تتمكن الدورة الاقتصادية من استرجاع عافيتها. ولن يحصل ذلك من وجهة نظر الحكومة، إلا بتخفيف حالة العجز التي تعاني منها ميزانية الدولة بسبب الحجم المرتفع للأجور، وتفاقم الصعوبات التي تواجه معظم المؤسسات العمومية، إضافة إلى ما اعتبرته تضخم النفقات الاجتماعية رغم نسبة العجز العالية لصندوق التعويض وكذلك الصناديق الخاصة بالضمان الاجتماعي.

هذا ويأمل رئيس الحكومة في أن يتوصل إلى اتفاق مع أكبر النقابات ممثلة في الاتحاد العام التونسي للشغل. هذا الاتحاد الذي يمثل نسبة عالية من العمال والموظفين، والذي بدون تفاعله وموافقته، سيكون من الصعب تحقيق الحد الأدنى من شروط السلم الاجتماعي. ولقد توالت منذ حكومة الباجي قايد السبسي ووصولا إلى الحكومة الراهنة الدعوات الموجهة لقيادة اتحاد الشغل من أجل التوصل إلى هدنة يلتزم بموجبها العمال بالكف عن المطالب الخاصة بالزيادة في الأجور، والامتناع لمدة سنة أو سنتين عن الإضراب أو الاعتصام، مما يعطي فرصة للسلطة التنفيذية وكذلك رجال الأعمال من تنشيط الدورة الاقتصادية، وتوفير فرص جديدة للعمل، والرفع من حجم الاستثمار الداخلي والخارجي.

لقد فشلت الحكومات الأربعة التي تعاقبت حتى الآن في إقناع الاتحاد بمثل هذا الاتفاق. وقد أصبح واضحا أن النقابات بشكل عام يصعب جرها إلى نوع من هذه التوافقات التي تتم باستمرار على حساب المصالح المباشرة لأعضائها ومنظوريها. ولهذا تعتقد قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل بأن التشخيص الذي قدمته الحكومة ليس صحيحا أو على الأقل تنقصه الدقة. وتعتبر أن البلد غير مهدد بالإفلاس أو العجز عن دفع الأجور كما ورد في إشارة من وزير الاقتصاد والمالية. كما ترفض قيادة الاتحاد أن يتحمل العمال وحدهم تداعيات الأزمة، ولم تقبل حتى الآن بأي شكل من أشكال  التنازل عن مطالب الطبقة الشغيلة، وترى فيها مطالب شرعية، وفي مقدمتها الزيادة في الأجور، مبررة ذلك بارتفاع الأسعار بنسق تصاعدي.

أما بالنسبة لرجال الأعمال، فإن ملفات العديد منهم لا تزال مفتوحة. إذ هناك العشرات من هؤلاء ممنوعون من السفر منذ ان قامت الثورة، وذلك بسبب اتهامهم بدعم النظام السابق، أو بتهمة الفساد. وبالرغم من مطالبة منظمة الأعراف بضرورة تسوية وضعيات هؤلاء، إلا أن القضاء لم يحسم في هذا الملف، كما أسهمت الأحزاب السياسية، خاصة التي شاركت في حكومة الترويكا، في استعمال هذا الملف كورقة سياسية مزدوجة. وتعتقد رئيسة اتحاد الصناعة والتجارة بأنه ما لم يتم تسوية أوضاع رجال الأعمال، فإن مطالبتهم بلعب دور فعال في عملية إنعاش الاقتصاد ستبقى مسألة مؤجلة أو معلقة. 

المؤكد في كل هذا أن الأزمة الحادة التي تتحدث عنها الحكومة الحالية ليست مفتعلة، وإنما هي حقيقة قائمة. وانه في صورة تأجيل القيام بعملية جراحية في وقت قريب رغم خطورتها وكلفتها الاجتماعية العالية، فإن الحالة قد تصبح أكثر سوء. وإذ ستساعد بعض القروض التي حصلت عليها تونس مؤخرا على امتصاص بعض الجوانب السلبية، إلا أن ذلك لن يشكل العلاج الجذري للأزمة. 

لكل هذه الأسباب، فإن إشراك جميع الأطراف الأساسية في المؤتمر الاقتصادي القادم يعتبر ضرورة عاجلة. لأنه بدون وفاق، وبدون استعداد الجميع للتضحية والدعم والتشاور، فإن الوضع سيؤول إلى حالة كارثية، وقد يتمكن الاقتصاد مرة أخرى من نسف الرهانات السياسية، بما في ذلك مسألة تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية ونزيهة قبل نهاية السنة الجارية؟.