كتاب عربي 21

ألمانيا وورقة العلويين

1300x600
زيارة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لألمانيا والأحداث التي جرت قبيل الزيارة في إسطنبول والمظاهرات التي خرجت في ألمانيا للاحتجاج على الزيارة لفتت الأنظار إلى اهتمام برلين بالعلويين، وأثارت علامات الاستفهام حول مغزى هذا الاهتمام.

قبيل زيارة أردوغان لألمانيا ليلقي خطابا في مدينة كولونيا، كانت هناك مظاهرات واشتباكات في بعض مناطق إسطنبول، وفي منطقة "أوك ميداني" بالتحديد، بحجة الاحتجاج على وقوع كارثة في منجم الفحم بمدينة "سوما"، ولكنها كانت احتجاجات ذات طابع طائفي تقودها منظمة "جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري" الإرهابية بهدف إثارة القلاقل والفوضى. 

الاشتباكات التي وقعت قبيل زيارة أردوغان لألمانيا للمشاركة في فاعلية أُقيمت في مدينة كولونيا بمناسبة الاحتفال بالذكرى السنوية العاشرة لتأسيس "اتحاد الديمقراطيين الأتراك الأوروبيين"، أدَّت إلى مقتل مواطنَيْن وإصابة تسعة آخرين بينهم ثمانية من رجال الشرطة، واستخدمت فيها المتظاهرون الملثمون الزجاجات الحارقة والمواد المتفجرة. 

منظمة "جبهة حزب التحرير الشعبي الثوري" الإرهابية ومجموعات يسارية أخرى دعت المواطنين العلويين للخروج إلى الشوارع نصرة للضحيتين، إلا أن هذه الدعوات لم تجد آذانا صاغية، بل صرخت امرأة من أقارب أحد الضحيتين خلال مراسم تشييعه أنه قتل بسبب أعمال الشغب التي تقوم بها تلك المجموعات. بالإضافة إلى ذلك، تبين أن المواطن الثاني قتل بإصابة شظايا قنبلة رماها المتظاهرون. وهكذا فشلت محاولة تحريض العلويين على الخروج في مظاهرات حاشدة إلا أن بعض المحللين ذهبوا إلى أن تلك الاشتباكات وراءها استياء ألمانيا من أردوغان وأنها كانت تهدف إلى دفع رئيس الوزراء التركي لإلغاء زيارته لمدينة كولونيا.

قبيل زيارة أردوغان لألمانيا، نشرت صحيفة "بيلد" الألمانية رسالة مفتوحة هاجمت فيها رئيس الوزراء التركي وقالت باللغتين التركية والألمانية "لا أهلا ولا سهلا بك فأنت غير مرحب بك هنا". وعبرت الصحيفة بلغة استفزازية ووقحة عن انزعاجها من زيارة أردوغان، وتطرقت إلى كارثة المنجم وحجب موقعي يوتيوب وتويتر ومزاعم الفساد وأحداث تقسيم وغير ذلك من الاتهامات التي ترددها المعارضة التركية، بالإضافة إلى استياءها من الانتقاد الذي وجهه رئيس الوزراء التركي إلى الرئيس الألماني يواخيم غاوك خلال زيارته إلى تركيا.

هذا الهجوم من صحيفة "بيلد" الألمانية على أردوغان وبهذه اللغة نفهمه أكثر عندما نعرف أن هناك شراكة بين أصحاب الصحيفة وأصحاب صحيفة "حريت" التركية التي تعتبر الناطقة باسم "الدولة العميقة" في تركيا وتقف دائما في طليعة الداعمين لمحاولات إسقاط أردوغان.

وسائل الإعلام التركية تحدثت عن لقاء جمع بين الرئيس الألماني يواخيم غاوك ورئيس اتحاد منظمات العلويين في ألمانيا "حسين ماط" وعد فيه هذا الأخير بخروج احتجاجات على زيارة أردوغان، وبالفعل خرجت مظاهرات رفعت في بعضها أعلام النظام السوري وصور بشار الأسد، ولكنها لم تكن على الإطلاق بحجم تجمع الأتراك في مدينة كولونيا للاستماع إلى أردوغان ولا ربعه.

لم يلغ أردوغان زيارته المقررة، بل ذهب إلى مدينة كولونيا ليلقي كلمة أمام آلاف من الأتراك في مشهد مهيب وأكد فيها أن تركيا اليوم غير تركيا الماضي وأن العالم عليه أن يتعامل مع تركيا على أنها دولة لها جهود في تشكيل القرن الحادي والعشرين بقوتها الاقتصادية وسياستها الخارجية الفعالة.

العلاقات التركية الألمانية متشعبة و"عميقة"، وكانت الدولة العثمانية في عهد الاتحاد والترقي دخلت الحرب العالمية الأولى لعيون ألمانيا وقاد الضباط الألمان جيوش الأتراك في جبهات عدة. ويحتل الألمان المرتبة الأولى في قائمة السياح الأجانب الذين يزورون تركيا. ويعيش في ألمانيا حوالي 3 ملايين تركي ويدعو أردوغان هؤلاء إلى الاندماج في المجتمع الألماني دون الانصهار ودون قطع علاقاتهم مع وطنهم الأم.

ألمانيا منزعجة جدا من تصاعد قوة تركيا ودورها، ولا تجد بأسا في التعبير عن هذا الانزعاج، لأن تركيا التي طالما نظرت إليها كحديقتها الخلفية لها بدأت تظهر كمنافس قوي وهذا ما يقلق برلين.

يبدو أن ألمانيا تريد أن تحرك ورقة العلويين لإشغال تركيا وإضعافها ولكن نجاح هذه اللعبة لصالح ألمانيا غير مضمون، لأن أنقرة - بعد المصالحة مع حزب العمال الكردستاني وسحب ورقة الأكراد من أيدي العابثين- عازمة على حل مشاكل مواطنيها العلويين في إطار تعزيز الحريات والإصلاحات الديمقراطية. ولا أدلّ على ذلك من ارتفاع عدد "بيوت الجمع" التي يعتبرها العلويون أماكن العبادة لهم، في عهد حزب العدالة والتنمية، حيث كان عددها في جميع أنحاء تركيا لا يتجاوز 106 بيت جمع ولكن هذا العدد وصل إلى 937 مع افتتاح بيوت جمع جديدة في ظل حكومة أردوغان.

الأولى لألمانيا وغيرها أن تتعامل مع تركيا الجديدة بأسلوب جديد يختلف عن أسلوب تعاملها مع تركيا القديمة وأن تتقبل الأمر الواقع بدلا من أن تبحث عن ورقة هنا وهناك لاستخدامها ضد أنقرة.