كتاب عربي 21

النخب السياسية والفرصة الأخيرة

1300x600
نحن قوم لا توسط عندنا لنا ... الصدر دون العالمين أو القبر 

كذلك أنشد الشاعر الجاهلي ليعبر عن عقلية هيمنت على أمة العرب في أوقات تخلفها ووصلت بهم إلى أن اقتربوا من إفناء بعضهم من أجل ناقة في حرب دامت عشرات السنين لولا أن تداركهم الله بالرحمة المهداة. 

ويذكر الشيخ الطاهر بن عاشور في تحريره وتنويره أن من أهم ما أدخله القرآن على بلاغة العرب وثقافتهم هو التبعيض أو التنسيب .. فعرفهم ابتداء بأنهم أمة وسط ليحول بينهم وبين التطرف ووجههم إلى تجنب الأحكام الجملية القاطعة فهداهم إلى أن من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك وفي الجهة الأخرى إن من المؤمنين رجال ( وليس كل المؤمنين) صدقوا ما عاهدوا الله عليه. 

هذه الثقافة الوسطية التنسيبية هي التي صنعت مجد العرب وجعلت حواضرهم في فترات تمدنهم وصعودهم قبلة العقول النيرة من مختلف الديانات والملل لتزدهر العلوم والترجمة والتجارة والصناعة والآداب والموسيقى وفنون الحرب.. 

العلاقة مع الآخر تأثرت أيضا بهذه الثقافة الجديدة فلم يعد الآخر كيانا أو جماعة يصنف عدوا أو محاربا فقد بل يمكن أن يكون مهادنا أو معاهدا أو صديقا أو محاربا أو متاركا أو حليفا وأصبح ديدن السياسة المتحضرة تكثير الأصدقاء وتقليل الأعداء حتى قال قائل أفضل طريقة للقضاء على أعدائك أن تحولهم إلى أصدقاء. 

في فترات الانحدار تعود ثقافة الثنائيات لتطل برأسها وقد كانت السنوات التي سادت فيها الديكتاتورية في أوطاننا  في العشرينيات الماضية واحدة من أحلكها فقسم الناس إلى صنفين صنف مع الحاكم وصنف ضده الأول يتمتع بكل الامتيازات. واختصرت العلاقة بين الكيانات إلى اصطفاف كامل أو عداوة كاملة.

ونحن في بداية مرحلة الخروج من تلك الفترة الكالحة يلاحظ استمرار هيمنة تلك الثقافة في الصعوبة البالغة التي تجدها الكيانات
السياسية في إدارة العلاقة بينها بعد أن توسعت المنظومة الحزبية لتتجاوز المائتي حزب. 

وهذا التذرر مظهر آخر من مظاهر التخلف حيث لا تتسع الأحزاب إلا للأشباه أو المتماثلين بينما تمخضت السياسة الديمقراطية في معاقلها إلى اتساع الأحزاب لتشمل كل أطياف مدرسة من المدارس الفكرية أو الأيديولوجية أو السياسية من اليمين إلى اليسار لتتنافس المدارس على منطقة الوسط حيث السواد الأعظم من الناس ومصالحهم وذلك لب الديمقراطية ورحيقها.

في انتظار حركة العودة من التجزيء المفرط إلى الوحدة المتنوعة ومن الحدية إلى النسبية يحتاج الفاعلون السياسيون ونحن على أبواب مرحلة جديدة أن يعوا أن العلاقات السياسية بين الكيانات الحزبية تتنوع إلى أكثر من العداوة الكاملة أو التمازج الكامل. 

أولا وجب الاتفاق على إلغاء علاقة العداوة إذ ليس لها مكان بين أبناء الوطن الواحد مهما اختلفت بينهم المشارب  والأفكار بحيث يكون أدنى العلاقة هي التدافع السلمي بين أهل السلطة وأهل المعارضة وهم جميعا شركاء في الحكم حيث تتوزع الشرعية في الأنظمة الديمقراطية بحسب عدد أصوات الناخبين فتكون المعارضة شريكا في الحكم من خلال تواجدها في المجالس المنتخبة أو من خلال حكومات الظل في الديمقراطيات المستقرة. 

إلى التدافع تتراوح العلاقات الممكنة بين الكيانات السياسية بين الجبهة حيث تذوب مجموعة من الأحزاب في حزب واحد ذو قيادة موحدة وتنظيم موحد أو التحالف حيث تختار جملة من الأحزاب قيادة موحدة وبرنامج موحد لفترة معينة تدخل به الانتخابات في قوائم واحدة مع المحافظة على كياناتها التنظيمية ثم الائتلاف حيث تضطر نتائج انتخابات أسفرت عن غياب حزب أغلبي مجموعة من أحزاب ذات توجه متقارب إلى الحكم عبر ائتلاف على برنامج موحد للحكم وهو ما جرى عليه الأمر في بلادنا السنوات الثلاث الماضية من خلال ائتلاف الترويكا   المتعثر والذي لم يصمد أمام الأحداث. 

يمكن للائتلاف في الأوقات العصيبة التي تمر بها الأمم وعندما يرتقي وعي نخبها إلى مستوى التحديات أن يجمع الأضداد تغليبا لمصلحة أوطانها على المصالح الفئوية والحزبية وهو ما ليس من بوادر على إمكانية حصوله قريبا في بلادنا رغم الحاجة الأكيدة إليه. 

سيكون مشهد القيادات السياسية في الحملة الانتخابية القادمة وهي توزع الوعود السخية بالازدهار ومعدلات النمو المتصاعدة وتوفير مواطن الشغل بمئات آلاف مشهدا كاريكاتوريا مضحكا سيستنزف ما بقي من مصداقية لنخبة سياسية منهكة.

أبسط مواطن أصبح يعلم أن قرارات مؤلمة تحتاجها بلادنا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي لتنتقل من نمط اقتصادي متخلف تواكلي ريعي متسول مهمش للطاقات إلى نمط مسؤول منتج للثروة مستثمر في الطاقات البشرية وفي المادة "الشخمة" بالتعبير البورقيبي التي تزخر بها بلادنا. منوال يستعيد ثقة التونسيين بإمكاناتهم ويريهم ذلك البيت الجميل فوق الربوة التي تتطلب جهدا وتعبا جماعيا كبيرا لصعودها. 

ولن يتسنى اقتحام عقبة تلك الجراحات المؤلمة إلا بتضافر وتوحد كل الأطياف السياسية والاجتماعية في حكومة وحدة وطنية جامعة أو قريب منها يعطي فيها المسؤولون المثال في التجرد والتقشف والتفاني والتواضع. 

النمط الأخير من العلاقات بين الكيانات السياسية هو التعايش وهو نمط مفروض عليها بفعل طبيعة الاجتماع السياسي وطبيعة القانون الانتخابي وقبل ذلك وبعده بفعل اشتراكها في وطن واحد. 

فإن كان الائتلاف فعلا اختياريا  في المستويات العليا من الحكم فإن التعايش لا اختيار فيه في المستويات الدنيا فبعد الانتخابات البلدية القادمة ستكون المجالس الجهوية والمحلية والبلدية متنوعة تنوع الخارطة السياسية وسيوضع السياسيون في هذه المستويات أمام خيارين خيار التعايش المسؤول والعمل بروح الفريق للارتقاء بمستوى عيش التونسيين وخدمتهم أو توفير مشهد مصغر لما حدث في المجلس خلال الفترة التأسيسية من مشاحنات وبغضاء وصراع أوشك أن يحوله إلى سيرك في بعض الفترات الحالكة. وهي إن وقعت ستسطر نهاية السياسة في بلادنا والعودة إلى الديكتاتورية اختيارا هذه المرة وليس اضطرارا. 

الحكمة تقول إن على من تنحصر أو تتراوح خياراته بين الجبهة والتعايش أن يبدأ بتوفير أرضية مناسبة لذلك عبر انتاج خطاب نسبي معتدل يحترم الآخر المغاير ويخالفه أو يختلف معه ويتدافع في حدود الأدب والاحترام والتنافس السلمي ويبتعد عن التنافي والتباغض حتى يتحول هذا الخطاب إلى ثقافة تسري في أوصال الكيانات السياسية لترتقي بها إلى أنظمة وسطية مستقرة ناضجة تتنافس فيها الأشباه لا الأضداد وتتعالى فيها المرجعيات لتخرج من  حلبة الصراع .. ولذلك حديث آخر ..