كتاب عربي 21

عن الفرح "القومي" بتأهل الجزائر!

1300x600
ما أن انطلقت صفارة النهاية لمباراة الجزائر وروسيا في نهائيات كأس العالم، إلا وأصبح الفضاء الإلكتروني ساحة للفرح بتأهل الجزائر، تماما كما هو الحال في شوارع المدن العربية.

 هذا الفرح لم يقتصر بالطبع على الجزائرين، ولا على شعوب المغرب الغربي، ولا حتى على المهتمين بالرياضة دون غيرهم، بل كان فرحا شاملا وعربيا بامتياز.

بسرعة البرق، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي ملونة باللون الجزائري الأخضر الجميل، وبصور هداف المنتخب "إسلام سليمان" ساجدا لله بعد تسجيل الهدف، وبعبارات الفرح الممزوجة بالمباركة
للجزائرين، وبكلمات النشيد الوطني الجزائري الجميل: قسما بالنازلات الماحقات!.

المشهد الاحتفالي العربي بمجرد حدث رياضي وحد مشاعر أغلبية العرب، كما وحدتهم في مناسبات عديدة (وما أكثرها) مشاهد الحزن والانكسار، وكأن الوطن العربي تكثف في لحظة واحدة ليصبح بحجم الجزائر، كما كان في مناسبات أخرى، حزينة أو سعيدة، بحجم هذه الدولة العربية أو تلك.

وبالرغم من كون الحدث رياضيا، إلا أن السياسة تطل برأسها وسط لحظات الفرح "الموحدة" لملايين العرب، إذ يثبت هذا التوحد، على بساطته، كم أن الشعوب العربية ستظل شعبا واحدا، برغم كل الممارسات التقسيمية التي مارستها الأنظمة القطرية، منذ عهد الاستقلال إلى اليوم، وبالرغم من كل ادعاءات النخب التي "بشرت" بتراجع الشعارات القومية والعروبية والوحدوية، بعد كل الخسارات التي عاشها العرب منذ إنشاء الدولة العربية الحديثة.

قد يقول البعض إن الرياضة أصلا أمر تافه لا تستحق كل هذا الاحتفاء، وقد يكون هذا صحيحا، ولكن الصحيح أيضا أن وحدة الشعور حتى في الأمور "التافهة" أو الأقل أهمية، تحمل دلالات مهمة في قياس المزاج العام للشعوب، بل إن الدراسات الأكاديمية المتخصصة في علم "الوطنيات" (Nationalism) تعتمد في قراءتها لتكون الهويات الوطنية وقوتها على وجود أنماط مشتركة في حياة الشعوب في أمور بسيطة، تتعلق بحياته اليومية من أكل وشرب وموسيقى وفلكلور وألعاب ورياضة.

ومع ذلك، فإن انتصار الجزائر لم يخل من دلالات أكثر اهمية من الفرح البسيط بحدث رياضي، فقد حرص مشجعو المنتخب الجزائري في البرازيل على حمل عدد كبير من أعلام الدول العربية جنبا إلى جنب مع علم بلادهم، وكان دائما علم فلسطين حاضرا في القلب من أعلام الدول العربية، في إشارة بالغة أن لاعبي الجزائر يمثلون العرب، وأن جمهورهم هو جمهور العرب، وأن فوزهم هو فوز العرب.

ولعل الظاهرة التي بحاجة للوقوف عندها أيضا، هي تلك المتعلقة بحرص مشجعي الجزائر على الهتاف لفلسطين في مبارياتهم الثلاثة التي لعبوها في المونديال، وهو أمر قد يكون عصيا على الفهم لدى غير العرب، أو لدى أولئك الحريصين على إظهار انتهاء الروابط القومية بين الشعوب العربية؛ فما الذي يدفع جمهور الجزائر للهتاف "فلسطين الشهداء" أثناء تشجيع منتخبهم؟ وما الذي يجعل مشجعين في وسط لندن مثلا يردون على إحدى وسائل الإعلام عن شعورهم بعد الفوز على كوريا الجنوبية بالقول أنهم يهدون فرحتهم لفلسطين وشهدائها وثوارها؟، وما الذي يجعل الفلسطينيين المشغولين أصلا بهمومهم التي لا تنتهي يعيشون أقصى درجات الفرح لفوز الجزائر؟ ... إنها بلا شك قومية الشعور العربي الجامعة، دون تكلف أو ايدولوجيا أو فلسفات كثيرة.

إن الأحداث الكبيرة؛ المفرحة والمحزنة، تثبت كل يوم وحدة حالنا كعرب، وتؤكد سلامة روحنا القومية التي لن تنطفئ، فنحن شركاء بالدم، كما نحن شركاء بالحياة، وشركاء في الهزائم الكبيرة، كما نحن شركاء في انتصاراتنا الصغيرة، وشركاء في لحظات الحزن الطاغية على حياتنا اليومية، ولكننا شركاء أيضا في استراق لحظة فرح، حتى لو كانت لأجل مباراة لكرة القدم!

علقت الكاتبة الجزائرية الرائعة أحلام مستغانمي على أغنية فلسطينية تغني لفريق بلادها قائلة: "شكرا لأحبائنا في فلسطين... اغفروا لنا  فرحنا".

ونحن نقول: شكرا للجزائريين... فقد منحوا للعرب لحظات فرح صغيرة، في زمن أصبح الحزن فيه أكثر حضورا مما يجب!