قضايا وآراء

العدالة أو الانفجار.. العراق نموذجا (3-3)

1300x600
ثالثا: سيناريوهات المرحلة المقبلة 

تمهيد

تعيش المنطقة العربية حاله من الترقب والمتابعة لما يجري علي ارض العراق منذ  العاشر من يونيو بعد أن اجتاح الثوار السنة وتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" محافظة نينوى ومركزها الإداري مدينة الموصل ثاني كبري المدن  العراقية التي يقطنها أكثر من مليون إنسان و محافظة نينوى شمال العراق ومركزها الموصل ومحافظة صلاح الدين ومركزها تكريت شمال غرب بغداد، ومحافظة الأنبار غرب العراق ومركزها الرمادي . وقد تمكن الثوار أيضا من بسط سيطرتهم علي مصافي عملاقة للنفط وبات الطريق إلي بغداد ممهدا بعد تهاوي جيش نور المالكي أمام جحافل السنة الذين استطاعوا خلال الأسابيع القليلة السابقة السيطرة علي ما يقرب من ثلث مساحة العراق والكثير من العتاد  العسكري الذي كان في واقع الأمر عبارة عن تجهيزات أمريكية وبريطانية حديثة للجيش العراقي.

لم يقف الأمر عند ذلك الحد بل تطور بشكل مذهل عندما أعلن أبو محمد العدناني، المتحدث باسم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش" عن تأسيس دولة الخلافة الإسلامية، علي أجزاء متصلة من سوريا والعراق من حلب إلي ديالي أطلق عليها "الدولة الإسلامية" دون إضافة العراق والشام وذلك لتصبح دولة لكل المسلمين في كل العالم علي حد تعبيره، لافتا إلى تولية أبو بكر البغدادي، منصب الخليفة.

وقد وصف العديد من المحللين تجريف الحدود العراقية السورية بأنه ثوره علي حدود سيكس- بيكو وإرهاصة سابقة علي وضع إقليمي جديد لن يقف معه قطار التقسيم والدمج عند حدود العراق وسوريا بل سيمتد إلي تركيا وإيران ولبنان والأردن والمملكة العربية السعودية ويمكن أن يعبر البحر في اتجاه الشمال الإفريقي في ظل الأجواء الملتهبة في القاهرة وطرابلس.
  
هذا التطور الدراماتيكي السريع والمذهل للأحداث لم يواكبه حتى الآن أي تحرك جدي من نور المالكي سوي استغاثته بإيران  وحلفاءه الغربيين وخاصة أمريكا التي  أرسلت 180من المستشارين العسكريين الأمريكيين لتنسيق هجمات الجيش العراقي علي الثوار السنة وتنظيم الدولة الإسلامية بالإضافة إلي الدعم الجوي الأمريكي الذي سيحظي به المالكي في الأيام القادمة .

ويرى بعض المحللين أن أمريكا باتت في مأزق فهي من ناحية لا تريد إضعاف المقاومة المسلحة للنظام السوري وتدرك الأبعاد الإيرانية الشيعية المدعومة روسيا والتي تثير توجس الحلفاء الخليجين  ومن جهة أخري تريد تحجيم طموح تنظيم الدولة الإسلامية والمحافظة علي مصالحها في العراق . وغير بعيد عن هذا كله يأتي الصراع الأمريكي الروسي المستتر في اكرانيا الذي يلقي بظلاله علي السياسة الدولية ودهاليزها المتشابكة.

وفي إطار تفخيخ الوضع العراقي وتضخيم  "الخطر الداعشي " نشرت صحيفة "فايننشال تايمز"  و"سي ان ان "تقريرين منفصلين عن تمويل "داعش" لنشاطاتها ورجحتا فيه أن التنظيم حصل علي مبالغ طائلة من بنوك المحافظات التي استولي عليها كما انه بات يسيطر علي عدة مصافي بترولية كبري في سوريا والعراق وتمكن بالفعل من تصدير نفطها الخام عبر وسطاء الأمر الذي دعي بعض المراقبين إلي القول بأننا أمام اغني جماعة مسلحة علي الإطلاق وقد تمكنهم هذه القوة الاقتصادية من تنفيذ خطتهم الرامية إلي دخول بغداد والاستيلاء علي مزيد من الأراضي علي جانبي الحدود العراقية السورية .

غير أن غالبية المتابعين للشأن العراقي يدركون أن الذي يحدث هو ثورة عراقية سنية ضد التهميش والظلم والسياسية الوحشية التي انتهجها المالكي ضدهم عبر السنوات السابقة في ظل انسداد الأفق السياسي وانعدام فرص الحل نعم قد تكون داعش موجودة وقوية إلا أنها وكما أشار بيان هيئة علماء المسلمين في العراق لا تنفرد بالمشهد ويشاركها فيه كتله سنية تضم ثوار العشائر، وهم مستقلون و مسلحين فصائل المقاومة العراقية الكبرى على غرار "جيش الراشدين"، و"جيش التابعين"، و"كتائب ثوار العشرين"، و"جيش محمد الفاتح"، وغيرها و المجلس العسكري لثوار العراق وهذه الفصائل تشكل السواد الأعظم من القوات السنة علي الأرض وهو ذات الأمر الذي أكده طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي السابق في تصريحاته لوكالة الأناضول التركية.

ولعل تركيز المالكي وبعض السياسيين الغربيين علي داعش وتضخيم خطرها يأتي بهدف تسهيل التدخل الأمريكي الإيراني المحتمل لتطويق واحتواء الثورة السنية .

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ما هي السيناريوهات المستقبلية للوضع العراقي ؟؟
في تقديري أن المسألة العراقية باتت أمام أربع سيناريوهات محددة:

السيناريو الأول: التقسيم 

هذا السيناريو يقوم علي فَرَضِيَة تتداعي الأمور إلي الحد الذي يبقي معه العراق موحدا أمرا مستحيلا ويختار فرفاء الوطن أن يتقسم العراق إلي ثلاث دويلات سنية وشيعية وكردية وهو الأمر الذي يرفضه إلي الآن الوجدان الجمعي العربي والإسلامي كما ترفضه الإرادة السياسية لدول الجوار التي تدرك خطورة التقسيم وتعرف أبعاده وتداعياته علي مستقبل وسلامة ووحدة أراضيها .

إلا أن هذا السيناريو ليس مستبعدا بالكلية فقد وافقت ذات الإرادة علي تقسيم السودان قبل سنوات قليلة واعتبرت انه شأن داخلي يتماشي مع المبدأ الأممى الذي ينص علي حق الشعوب في تقرير مصيرها وقد ظهرت بوادر هذا السيناريو بوضح خلال الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهر مايو 2014 ومدي الطائفية الاستقطاب الحاد الذي بات يخيم علي تلك الفسيفساء العراقية الضعيفة والهشة لا سيما عندما طالب مرشحون سنه بإقليم سني وقد أوردت صحيفة الشرق الوسط اللندنية تصريحا لحاتم السليمان رئيس مجلس ثوار العشائر يقول فيه "أن التقسيم هو الحل الأمثل للمشكلة في العراق" .

أما الزعيم الكردي مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان فقد صرح لفضائية "سي ان ان : "إن العراق يعاني من انهيار واضح وإنَّ الحكومة المركزية فقدت سيطرتها على كل شيء.. نحن لم نتسبب في انهيار العراق، بل إن غيرنا هو السبب.. إننا نشهد عراقًا جديدًا يختلف عن العراق الذي كنا نعرفه قبل عشرة أيام، ولذلك فإنه آن الأوان كي يحدد الأكراد هويتهم ورسم مستقبلهم وتحديد مصيرهم وحدهم".

السيناريو الثاني: استنزاف الجميع

قد يكون الهدف الأبرز لغض الطرف عما يحدث في العراق وتجاهل أزمته هو استنزاف طاقة الشيعة وإيران من جهة والسنة والخليج من جهة اخري في حرب استنزاف طويلة كالتي حدثت بين العراق وإيران مطلع الثمانينيات من القرن الماضي يأتي هذا الاستنزاف تمهيدا للوصول إلي حالة من التفكك والفوضى في المنطقة تتمكن خلالها الأحلاف الدولية من صياغة جديدة للمنطقة علي اعتبار أن سايكس- بيكو أصبح جزئا من الماضي الذي لا يرضي التطلعات الغربية ولا يتماشي مع مصالحها في الوقت الراهن الأمر الذي تحتاج المنطقة معه إلي تفكيك وإعادة تركيب وقد يصل هذا السيناريو إلي تقسيم العراق إلي منطقة سنية تنضم  إلي الأردن ومنطقة شيعية تنضم إلي الكويت أو إيران ومنطقة كردية تنضم إلي تركيا .

ونلاحظ في هذا الإطار مراهنة بعض الأطراف الدولية علي هشاشة الجبهة الداخلية السنية التي قد تؤدي إلي الانزلاق نحو الاقتتال الداخلي بين ثوار العشائر وداعش علي غرار ما يحدث في الجانب السوري بين جبهة النصرة والجيش الحر من جهة وتنظيم الدولة الإسلامية من جهة أخري أو بعبارة أخري"افغنة الثورة السنة أو صوملتها".

السيناريو الثالث: عودة القوات الأمريكية 

قد تجد الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين نفسها أمام هذا الخيار الصعب إذا تطورت الأمور وخرجت عن السيطرة وهذا القرار مع صعوبته إلا أن الواقع يقول أن  مجريات الأمور قد تدفع إلي نقل قوات أمريكية إلي العراق وهو بمثابة الكي الذي يعتبر أخر الدواء لدي العم سام وفي تقديري أن التقارير الصحفية التي تتحدث عن نقل قوات أمريكية من أفغانستان إلي الكويت وتحريك قطع عسكرية بحرية لتكون بالقرب من المنطقة إضافة إلي القطع المتواجدة بالفعل يوحي بان هذا الخيار قائم وموضوع في الاعتبار وبالطبع لن يكون هذا القرار إلا في حالة ما إذا لم ينجح المالكي في ضبط الأمور في الداخل العراقي وسقوط بغداد في يد "المتشددين الإسلاميين" والتقدم نحو السيطرة علي مزيد من حقول النفط والغاز وفي تقديري أن التدخل الأمريكي سيكون له ثلاث أهداف محددة وهي:-

- تأمين مصادر الطاقة.

- منع انفراد إيران بالساحة العراقية إذ انه من المتوقع تدخل إيران إذا تأخر التدخل الأمريكي.

- تحجيم الحركات الإسلامية المسلحة لاسيما قوات الدولة الإسلامية ومنعها من التقدم .

السيناريو الرابع: الحل السياسي الشامل

ضخمت إيران وأمريكا من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" وإمكاناته العسكرية ودوره علي الساحة العراقية لتبرير التدخل الخارجي إلا انه مازال الجميع يدرك أن حركة السنة عبارة عن انتفاضة شعبية ضد سياسات المالكي الطائفية الأمر الذي دفع دول الجوار وخاصة الخليجية للضغط علي أمريكا بما تملكه من تفاهمات لم يجف مدادها مع إيران وحضورها السياسي القوي في الداخل العراقي للبحث عن حل سياسي للازمة القائمة في البلاد يستبدل فيه المالكي بشخصية شيعية أكثر توازنا واعتدالا مع تلبية بعض مطالب السنة وإعادة دمجهم في الحياة السياسية في إطار حل شامل قائم علي الحوار والتوافق وهو أمر مستبعد في ظل غطرسة المالكي واستعلائه من جهة والتفوق العسكري السني من جهة أخري. 

(باحث سياسي – مركز الديمقراطية ودعم حقوق الإنسان)