قضايا وآراء

ديمقراطية الانتخاب بين معاول الهدم ومطالب الانعتاق

1300x600
إذا كانت الديمقراطيّة في أحسن تعريفات لا تخرج عن استجماع كل مقومات الوجود الفعلي التي تقطع مع العبودية والاستعباد ومع التسيّد والغطرسة فإن الانتخابات الديمقراطية والشفافة والنزيهة تظل الوسيلة الوحيدة إلى إرساءها تحت سقف الدولة وإذا كانت الانتخابات مصعدا لإرساء قواعد الحكم المواطني بما يضمن الحق في تقرير المصير والتمتع بالمساواة والعدالة فإن الشروط التي تدور فيها تجعلها في كثير من الأحيان المطيّة الأسهل والأكثر تحيّلا للإيهام بمشاركة الناس في الشأن العام.

لنتّفق أوّلا أن الانتخابات الحاليّة ستجري بقواعد القديم وبمشاركته كسابقتها لأسباب عدّة أهمّها التساهل الذي تعاملت به حكومات ما بعد هروب المخلوع مع ملفات التركة البنفسجيّة وسابقاتها وتخاذلهم في القطع مع القديم بل وإدراجهم في مسار التأسيس من داخلها الشيء الذي أعطاها فرصة التغول والتوحش واستدراج الجدد غير المتمرّسين على إدارة الدولة إلى المواجهات الخطأ في الزمان الخطأ.

بالبحث في التفاصيل نقف على ثلاث محاور أساسيّة عطّلت إلى حدّ بعيد نهج الديمقراطيّة المواطنية الاجتماعية التي تقطع مع القديم ثقافة وممارسة ورموزا أوّلها النخب السياسيّة التي التحقت جميعها متأخرة بركب الثورة بارتباك شديد لأن آفاق عملها وطموحها السياسي قبل 14 جانفي لم يرتقي إلى حدود ما بعد المخلوع وما يمكن أن يفعله البركان الشعبي وحتّى بالعودة إلى تاريخ القدماء منهم لا نجد سوى بعض المحاولات من هنا وهناك لإحراج النظام فقط لا غير على غرار ما كان يفعله حمة الهمامي أو المنصف المرزوقي وعدد آخر قليل آخر من الوجوه التي لم تكن بارزة كثيرا في تلك الفترة وكان انتقالها من هامش الحياة السياسيّة إلى مركزها بفعل الصدمة و التأخّر أقرب إلى الطعنة في ظهر الحراك عن طريق انتهاجها لأساليب خاطئة في التأطير والاستقطاب. الصراع الإيديولوجي القديم الذي عرفته ساحات الجامعات التونسية في حقبة سابقة ألقى بظلاله مجدّدا على المشهد بنفس الرموز والمصطلحات والممارسات ومثل إحدى وسائل الجذب إلى الخلف التي همّشت مطالب الحراك لصالح انتصاب سياسي فوضوي حتى على حساب الثورة نفسها.

ثاني المحاور الأساسيّة التي عطّلت المسار الديسمبري كانت تركة الأنظمة السابقة التي لم يكن يعرف حجمها إلاّ قلّة قليلة وهي تركة شملت كل المجالات وحتّى الممارسات وآليات التفكير والتخطيط من الإدارة إلى الإعلام إلى غيرها وحتّى على مستوى العقليّة فمصالح وامتيازات المتنفذين في دولة 56 كانت تركة ثقيلة تكاد تقسم ظهر المنتفضين.

أمّا ثالث المحاور الرئيسية التي ساهمت في الوصول إلى ما نحن عليه من حال فكان الوضع الدولي والإقليمي الذي يشهد عودة لاعبين دوليين كبار ودخول أخرى تسعى إلى نيل نصيب من مخطط إعادة اقتسام مناطق النفوذ خاصة في منطقة شمال إفريقية.

ما لم تفهمه النخب السياسيّة التونسية بعد هو أن أطلس 17 ديسمبر قد فتح المنطقة على زمن جديد لا مكان فيه للجبابرة والمتغطرسين بالمال أو بالسلاح أو بالبوليس وما لم يفهمه أزلام أنظمة الفساد والاستبداد أن حاجز الخوف والتسليم بالأمر الواقع قد سقط وما لم يفهمه اللاعبون الدوليون والإقليميون أنّ اندراج المنتفضين في تونس في خط التحرّر لا يعني البتة أن أعينهم غير مفتوحة على ما يحدث في الجوار وفي كل المنطقة.

إهمال ملف إنصاف الشهداء وترحيله إلى ثلاجة العدالة الانتقالية المعدومة أصلا واجترار مصطلحات ومفاهيم مشتقة من مكاسب الثورة دون تطبيقها أو حتى مجرد السعي إلى ذلك هي الصورة التي تعكس الوضع العام في تونس وهي بذلك لن تنتج بالانتخاب أو بأي شكل آخر قد يعوّض الانتخاب ممارسة جديدة للشأن السياسي ولإدارة الشأن العام لأن الغايات السياسيّة لا تفسّر ولا تبيح اللجوء إلى القديم بكل مقوماته مهما حولوا اليوم الإيهام بوجاهة ذلك.