صحافة دولية

إيكونومست: هكذا تحولت إيران من الثورة إلى الحداثة

أوليفر أوغست: إيران ليست دائما مكانا جيدا، ولكنها ليست بالشيطاني - أرشيفية
نشرت مجلة الإيكونومست تقريرا خاصا لمحررها لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا أوليفر أوغست، قال فيه إن عقود الحماس الديني في إيران انتهت وبدأت البلاد تتحول إلى بلد راشد وحديث. 

ويقول في تقريره إن الإيرانيين في جميع أنحاء العالم يرنون إلى اليوم الذي يرفع فيه الحصار عن بلادهم، ويذكر أن صاحب مصنع تعليب إيراني قابله في مكتبه قال له: "أترى ذلك التلفاز؟، أتابع عليه الأخبار ساعة بساعة على أمل سماع خبر برفع العقوبات".

ويرى أوغست إنه بالرغم من إصرار الإيرانيين على أن برنامجهم النووي سلمي، إلا أن الغرب يخشى أن تكون إيران تقوم بتصنيع قنبلة نووية، ولذلك تم فرض العقوبات لمنع سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط، ما جعل مبيعاتها من النفط تنخفض إلى النصف، الأمر الذي جعل إيران تغير من سياستها، وتتحاور مع من اعتبرتهم دائما الأعداء، بما في ذلك أميركا.

وسيتضح في هذا التقرير الخاص أن إيران تفعل ذلك، لأسباب داخلية وخارجية وجميع الأطراف راغبة في التوصل إلى حل، ولذلك تم تحديد 24 تشرين الثاني/ نوفمبر كحد أقصى للتوصل إلى اتفاق يلجم البرنامج النووي الإيراني، ويدفع بإيران نحو الحداثة.

كراهية إيران

يقول: صحيح أن إيران مكروهة على مستوى الدول الديمقراطية؛ بسبب الثورة وما تبعها  وتجرؤ بعض قادتها على إنكار المحرقة، وسجن المواطنين الذين يتجرأون على التحدي العلني للسلطات الحاكمة، ولكن بينما كان العالم منقطعا عن إيران لم يلاحظ التغير الذي حصل للإيرانيين أنفسهم، فلم تعد إيران ملآى بالحقد ومصرة على التدمير، وبدلا من ذلك فإن الثورة غرقت في بحر خيبة الأمل والكهولة، وصحيح أن إيران ليست دائما مكانا جيدا، ولكنها ليست بالشيطاني أيضا.

وصحيح أيضا أن إيران صعب هضمها، حيث يشعر الزوار في كثير من الأحيان أنهم غير مرغوب فيهم، وحتى الصحافيون الذين لديهم تأشيرة دخول في العادة ما يغادرون وهم غير متأكدين؛ وذلك لأن قليلا من الإيرانيين يشعرون بحرية ليقولوا ما يدور في خلدهم، وبحسب الدبلوماسي الأميركي، الذي كان مختطفا في إيران جون لمبرت، فإنه لم يكد أحد من واشنطن يزور إيران لعقود طويلة.

ومع هذا فإن البلد تغير كثيرا، وقد يبقى النظام متخوفا من الغرب، ويتحدث دائما عن اندلاع الثورة في البلدان الظالمة، ولكن الحماس الثوري لم يعد موجودا وإيران بحاجة ماسة إلى سوق لنفطها، فالعولمة هزمت التزمت.

الثورة لها مدة صلاحية محددة، بحسب ميكنيك آدم، المؤرخ الذي ساعد على هزيمة السوفييت في بولندا: "الثورة فيها مرحلتان، الأولى ترتفع بالروح الإنسانية، وتخرج أحسن ما لدى الناس، والثانية تخرج أسوأ ما عندهم من حسد ودسائس وطمع وظن ورغبة في الانتقام". وهذا ما حصل في إيران، فبعد المظاهرات الشجاعة عام 1979 بدأت الحرب الداخلية والإعدامات بالآلاف والاستيلاء على الممتلكات والفقر.

مرحلة ثالثة

وهناك من يقول إن هناك مرحلة ثالثة للثورة وهي الصراع من أجل القبول، ففي عصر العولمة أصبح بالنسبة لأبناء الثوريين أهم شيء هو الحصول على تعليم غربي، وهذا ينطبق على أحفاد الخميني الخمسة عشر، والذين ينتقدون النظام علانية، وحتى الطلاب الذين أخذوا الرهائن الأميركيين أصبحوا اليوم إصلاحيين، فمثلا إبراهيم أصغرزاده، والذي كان أحد المتحدثين باسم الطلاب، يقول: "لم أعد متطرفا لأنني أصبحت على قناعة بأن التغيير البطيء يدوم أكثر من التغيير الجذري".

كما أن الشهية للثورة تضاءل لدى الجميع، فالإصلاحيون تعبوا من تجربتهم عام 2009 ومحاولتهم التخلص من حكومة اعتبروها غير قانونية؛ لأن أصواتهم تم تزويرها وتم قمع المظاهرات بدموية، ما ذكرّ الكثير بالأيام التعيسة، التي أعقبت الثورة. ومنذ ذلك الحين تراجع الإصلاحيون لرؤيتهم سفك الدماء في البلدان الجارة. أما المحافظون فيرون في الثورة تهديدا لمصالحهم في الخارج، فهم يحاربون اليوم بجانب حلفائهم في كل من العراق وسوريا ضد ثورات شبيهة بتلك التي قامت في إيران عام 1979.

ومع أن شهية الثورة انحسرت إلا أن ثورة 1979 بقيت مصدر الشرعية للنظام، فكثير من الإيرانيين أو على الأقل الغالبية الفارسية منهم يربطون الثورة بالتحرر القومي من الظلم الأجنبي، ولكون الإيرانيين ليسوا عربا ولا أتراكا ولا جنوب آسيويين فهم يشعرون بأنهم بلا صديق بين جيرانهم، وهذا ضروري لفهم السياسة الخارجية الإيرانية، ويساعد على فهم السبب وراء التأييد العريض للمشروع النووي، رغم الألم والعقوبات التي جلبها إلى البلاد.

المتشددون قاوموا التغريب طيلة الوقت، ولكن حياتهم اليومية ملأى بالبضاعة الاستهلاكية الغربية، وألعاب الكمبيوتر، والمثل الجمالية، والأدوار التي يلعبها كل من الجنسين وتأثيرات أخرى كثيرة. لم تختف الثقافة الإيرانية، ولكن المجتمع التقليدي، كما تخيله آباء الثورة، هو في ابتعاد مستمر. 

وأكثر الإشارات وضوحا لهذا تجده في البنية التحتية العمومية، ففي طهران تنتشر الأنفاق والجسور والمعابر الفوقية والشوارع المرفوعة وممرات المشاة، بالإضافة إلى الأبراج اللامعة التي تظهر بأعداد كبيرة رغم العقوبات، والشاشات على مواقف الباص تظهر وقت وصول الباص الحقيقي، وعلى هذا يعلق وزير الخارجية السابق جاك سترو، والذي يزور إيران بانتظام "تظهر طهران هذه الأيام وتعطي الشعور مثل مدريد أو أثينا، أكثر منها مومباي أو القاهرة".

أما المدن الأصغر مثل تبريز وشيراز وأصفهان فتطورت بشكل أكبر، حيث يتم إنشاء قطارات فوق الأرض وتحت الأرض، كما أن نصف الحمامات التقليدية في قزوين أغلقت أبوابها، ويشكو مالك حمام عمره (35 عاما) من أن منافسا له لديه حمام عمره (70 عاما) اضطر لإغلاقه "لأن الناس هذه الأيام لديهم حمامات فيها ماء حار وبارد". وفي قرية معزولة على بحر قزوين، يقول أحد السكان إن الحكومة أوصلت الغاز لكل البيوت قبل عامين، ما جعل برد الشتاء، الذي يصل إلى 20 درجة تحت الصفر، محتملا. 

الرفاه والإعلام

وقد انتشر الرفاه بسرعة خلال حكم محمود أحمدي نجاد، الذي امتد 8 سنوات، وهذا الرفاه غذى هوسا بالتكنولوجيا، لم تقلل منه القيود المفروضة على الإنترنت، ويعتبر الفيس بوك هو الأداة الأولى المستخدمة من الشباب، بينما يستخدم المسؤولون تويتر لنشر تصريحاتهم. بالرغم من أن الفيس بوك وتويتر ممنوعان، وبالرغم من أن منظمة فريدم هاوس الأميركية تقول إن إيران تأتي الأخيرة في حرية الإنترنت دوليا، إلا أن الاشتراك في الإنترنت رخيص، والسرعة جيدة، وأحسن ما تكون سرعة الانترنت بالقرب من المدارس الدينية، حيث يقوم الشيوخ بتقديم محاضراتهم على الشبكة، ويحصلون على أولوية للحصول على خطوط الألياف الضوئية.

ومع أن الدولة تسيطر على الإعلام، إلا أن الحصول على أخبار من مصادر أخرى مثل مكتب طهران، الذي يتخذ من لندن مقرا له، ليس بالصعب، حيث يقوم معظم الإيرانيين بالوصول إلى هذه المواقع عن طريق الشبكات الخاصة الافتراضية (في بي إن)، والكل تقريبا لديه شبكة. وعندما سألت مجموعة من المزارعين الجالسين تحت شجرة عن استخدام الإنترنت أومأ الجميع بحذر، وأوضح أحدهم بعد ذلك قائلا معظمهم يستخدمونها لتنزيل أفلام جنسية، ولذلك كانت إجابتهم خجولة.

يقول أحد المدونين إن الحكومة تشدد السيطرة على الإنترنت، ولكن الناس قادرون على تجاوز تلك السيطرة، ويضيف إن إيران حاولت تقليد الصين في هذا المجال، بإنشاء مواقع محلية لسد الحاجة، ولكنها فشلت فشلا ذريعا، ويقوم تجار الشبكات الخاصة بتوفير البرامج والحسابات لمن يريد. أحدهم عمره (21 عاما) يقول إنه يحسب دولارا واحدا للشهر، أو 10 دولارات للسنة، وعنده 80000 زبون، وعمله في شركة تكنولوجيا معلومات هو مجرد غطاء، ويضطر أحيانا لدفع رشوة لشرطة الإنترنت لغض الطرف عنه.

التعليم

ومما يزيد النهم للمعلومات هو مستويات التعليم العالية، والتي أصبحت شبيهة بقريناتها الغربية، ففي عام 2009 ذهب 34% ممن هم في سن الجامعة إلى الجامعة، بينما وصلت هذه النسبة بعد ذلك بثلاث سنوات إلى 55%. وعدد حاملي شهادة الدكتوراة من جامعات أميركية في الحكومة الإيرانية يفوق عددهم في الحكومة الأميركية، والرئيس روحاني حصل على شهادته من اسكتلندا. وبحسب مؤسسة شيماغو الإسبانية، التي تراقب المجلات العلمية، فإن الإنتاج العلمي لإيران زاد بنسبة 575% على مدى العقد الماضي. كما أن البلد تنشر كتبا أكثر بثلاث مرات من الدول العربية مجتمعة.

وقد شجع تطوير النظام التعليمي، ليصل إلى جميع طبقات المجتمع، على التفكير المستقل وفتح عالم الفن وسيناريوهات الأفلام، ولم يعد موضوع الدين هو الطاغي.

كما أن أحد الأسباب المهمة من هذه المتغيرات الاجتماعية هو أن إيران أصبحت بلدا كهلا، فبعد الثورة ارتفعت نسبة الولادة بشكل كبير، ولكن هذه النسبة بدأت بالانخفاض مع ازدياد تعلم الناس، وتحسنت ظروفهم المعيشية، وتضاعف عدد السكان في الثمانينيات، ولكن معدل الولادة هبط إلى النصف، ومع أنه لا توجد هناك إحصائيات دقيقة، إلا أن الخبراء يقدرون بأن معدل الولادة هو 1.6 إلى 1.9 طفل لكل امرأة، وهذا قريب من المعدلات الأوروبية. ويشكل البالغة أعمارهم (25-29 عاما) النسبة الأكبر في السكان، وهؤلاء سيتزوجون قريبا، ويفقدون أي اهتمام بالتظاهر في الشارع، وهذا ما يفسر الهدوء الذي حصل في السياسة الإيرانية.