قضايا وآراء

قراءة في تطوّر الداعشية من داخل بنية الثقافة العربية الإسلامية (1)

1300x600
أتابع يوميا ما يكتب والتّحليلات المرئية والمسموعة عن تنظيم الدّولة الإسلامية الذّي نختصره تحت مسمّى "داعش"، وتركّز غالبيتها على تحليل ظاهرة الدّاعشية في سياقها الآني المرتبط بالجيوسياسي والإقليمي دون التّركيز على الأسباب العملية والميكروتاريخية لولادتها.

في هذا المقال أعتقد أنّي سأغرّد خارج سرب التّمثّل والامتثال للجاهز أي للتحليل المستند إلى اليومي والآني نظرا لأهمية السّياق متجاوزا كلّ التّأويلات السّطحية الماكروسياسية المغيّبة بالضّرورة لأي عمق تاريخي وكأنّ داعش والفكر الدّاعشي منفصلان عن سيرورة تاريخنا العربي الإسلامي.

أجد نفسي متماهيا مع ما كتبه سماح إدريس حين يقول: "داعش وأخواتها لن يقضي عليها الجيشُ اللبناني، ولا أيُّ جيشٍ بمفرده أو ضمن حلف دوليّ. الداعشية الفعلية هي "ثقافة" تقوم على المذهبيّة والطائفيّة والإقصاء والإلغاء، ولن تزول فعليًّا إلا بثقافةٍ تقوم على نقيض ذلك تمامًا".

داعش خطر داهم؟ بالتأكيد. لكنها وحشٌ تغذّى عشرات السنين من ثقافتنا - كتبًا ومناهجَ تعليم وممارساتٍ سلطويةً ترهيبيةً على الصعد كافّةً. هذا الخطر الداهم لا يستوجب منا تسليمَ أمرنا إلى الجيش أو القوى والأحلاف الخارجية، بل ينبغي أن يحثّ كلّ واحد منا على التساؤل: أين الداعشيُّ فيَّ؟ وكيف أحصّن مجتمعي وعائلتي وحزبي ومدرستي ومنبري الثقافيّ ضدّ كلّ ما يمكن أن يفرّخ الداعشيّاتِ فيها؟".

هذا التّحليل يدفعنا إلى تجاوز تردّدات الفهم الكسيح والأعسر الشبيه بالعمل الصّحفي اليومي ومحاولة قراءة واستقراء الثّقافة الدّاعشية من منظور تاريخي وكشف الهنات والسكنات والانكسارات ومواطن الخلل في تاريخنا العربي الإسلامي وفي بنية ثقافتنا المتصدّعة.

مفهوم الفرقة النّاجية واغتيال ثقافة الاختلاف

من أبرز المفاهيم التّي شكّلت حجر سقراط في ثقافتنا العربية الإسلامية من منظور تاريخي هو مفهوم الفرقة النّاجية. وهو مفهوم تتواصل تأثيراته إلى اليوم وما زال رائجا يؤسّس للفُرقة والاختلاف ويمأسس لرفض الآخر المختلف والمخالف. وما ظاهرة داعش والفكر الدّاعشي إلاّ تمظهرا من تمظهرات الفرقة النّاجية. لذلك ارتأيت أن لا أفوّت الفرصة للتعريج على هذا المفهوم الذّي نعدّه منهجيا في خانة الميتاريخ و الامتثال الجمعي لمقولات مؤسطرة تعود بنا عشر خطوات للخلف كلّ ما تقدّمنا خطوة للأمام. 

لست فقيها أو متضلّعا في الدّين لكن من واجبي كمؤرّخ الغوص في الترسّبات العميقة للظاهرة وتشريحها بمشرط الموضوعية التّاريخية والاشتغال على الآليات والميكانيزمات التّي جعلت مفهوما له هذه الدّرجة من الجِدّة والخطورة يتواصل إلى اليوم منتجا كافة أنواع التّطرّف والغلو إلى حدّ تهديد الجسد الخاصّ والقتل والتقتيل اللذّين لا مبرّر لهما سوى أنّنا مختلفون معهم في الرأي ومنهج التفكير أو الدّيانة و العرق.

إنّ المرتكزات الفقهية لهذا المفهوم الداعشي تعود إلى مجموعة أحاديث تنسب إلى الرّسول الأكرم:

- حديث أوّل.. عن عوف بن مالك أنّ النّبي قال: "سَتَفْتَرِقُ أُمّتي علَى بِضْعِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، أَعْظَمُها فِرْقَةُ قَوْمٍ يقيسونَ الأُمورَ بِرَأْيِهِمْ فَيُحَرّمونَ الْحلالَ وَيُحَلّلونَ الْحرامَ".

- حديث ثان.. عن عوف بن مالك أيضا أنّ النّبي قال: "افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً. فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ. وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثِنْـتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً. فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً. وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَثِنْـتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هُمْ؟ قَالَ: "الْجَمَاعَةُ".

- حديث ثالث: قَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ أَنْتَ يَا عَوْفُ إِذَا افْتَرَقَتْ هذِهِ الأُمَّةُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ وَسَائِرُهُنَّ فِي النَّارِ؟ قَالَ: وَكَيْفَ ذلِكَ؟ قَالَ: إِذَا كَثُرَتِ الشُّرَطُ وَمَلَكَتِ الإِمَاءُ، وَقَعَدَتِ الْحُمْلاَنُ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَاتُّخِذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ، وَزُخْرِفِتِ المسَاجدُ، وَرُفعَت المَنَابر، واتُّخذَ الفيءُ دُولاً، والزَّكاةُ مَغْرَماً، وَالأَمَانَةُ مَغْنَماً، وَتُفُقهَ فِي الديِن لِغَيْرِ اللَّهِ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ، وَعَقَّ أُمَّهُ، وَأَقْصَى أَبَاهُ، وَلَعَنَ آخِرُ هذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ اتقَاءَ شَرهِ، فَيَوْمَئِذٍ ذَاكَ، َيَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ إِلَى الشَّامِ، وَإِلَى مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ، مِنْ خَيْرِ مُدُنِ الشَّامِ، فَتَحْصِنُهُمْ مِنْ عَدُوهِمْ، قِيلَ؛ وَهَلْ تُفْتَحُ الشَّامُ؟ قَالَ: نَعَمْ وَشِيكاً، ثُمَّ تَقَعُ الْفِتَنُ بَعْدَ فَتْحِهَا، ثُمَّ تَجِيءُ فِتْنَةٌ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٌ، ثُمَّ يَتْبَعُ الْفِتَنُ بَعْضُهَا بَعْضاً، حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقَالُ لَهُ الْمَهْدِيُّ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ فَاتَّبِعْهُ، وَكُنْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ.

- حديث رابع ورد لدى ابن المرتضى الزّيدي مؤرّخ المعتزلة: "ستفترق أمتي إلى بضع وسبعين فرقة أتقاها وأبرها الفئة المعتزلة".

وردت أيضا مجموعة من الأحاديث بصيغ مختلفة لكن اخترنا أن ننتقي أهمّها ونحاول قراءتها واستقراءها وبالنّسبة للحديث الأوّل فهو ينسب لأهل الدّراية، والثّاني لأهل الحديث، والثّالث للشيعة، والرّابع للمعتزلة.

ما نلاحظه هو أنّ هذه الفرق رغم تنافرها تشترك جميعها في أمر واحد هو القول بالفرقة النّاجية وكلّ يحاول أن يثبت أنّه هو الفرقة النّاجية متلاعبا بصيغة الحديث النّبوي، لا سيما أنّ هذه الأحاديث المذكورة لم ترد في الصّحيحين ولم يقع تخريجها وما زاد في كونها أحاديث ضعيفة هو ضعف الأسانيد واختلاف المتون. وفي هذا السّياق يذكر محمد عابد الجابري أنّه "سواء تعلق الأمر بمؤرخ من أهل السنة أو من الفرق الأخرى فإن المؤلف في "الفرق" يتحدث دوما من داخل فرقته التي يعتبرها وحدها الفرقة الناجية، والنتيجة التي تترتب عن ذلك هي أن المؤلف ينظر إلى فرقته كفرقة "واحدة"، لأن الناجية واحدة، بينما يمعن في تفريق وتقسيم الفرق الأخرى ليصل بها إلى الاثنين والسبعين التي يعتبرها كلها "ضالة".

 وبما أن المؤلفين في الفرق قد تفصل بينهم عشرات السنين بل عصور بأكملها، ولما كانت الفرَق تتغير من عصر إلى آخر، بعضها يندثر، وبعضها يتشعب، بينما تظهر فرق جديدة، فإن لائحة الفرق ستختلف حتما من مؤلف لآخر: كل مؤلف يفرق الفرق التي ظهرت حتى عصره إلى ثلاث وسبعين فرقة: المؤلف المتقدم زمنيا يضطر إلى الإمعان في التفريق ليصل إلى الرقم 73، بينما يضطر المتأخر عنه، وقد ظهرت بينهما فرق جديدة، إلى إلغاء بعض الفرق أو دمج بعضها في بعض حتى لا يتجاوز الرقم 73".

انّ مفهوم الفرقة النّاجية بهذه الطّريقة قد أدّى إلى التّعصّب وخاصة التّكفير وداعش اليوم في فهمها الكسيح والمهترئ للدين تعتبر نفسها هي الفرقة النّاجية ومن خالفها فهو على ضلالة ووصل بها الأمر حدّ تكفير تنظيم "القاعدة" الذّي يوازيها تعصّبا وانغلاقا. بالتّالي فإنّ تواصل تأثيرات مفهوم الفرقة النّاجية في تاريخنا وثقافتنا و محاولة تأصيله من جديد كشكل مؤسّسي واستدعاء نماذج من الماضي مفارقة بالضّرورة للسياق الدّيمقراطي للدولة الحديثة هو ما أنتج داعش وأخواتها.

ما أشبه إرهاب داعش بإرهاب "الحشّاشين"

الإرهاب ليس مصطلحا حديثا بل مصطلح تطوّر في التّاريخ وكما يعرّفه ابن منظور "أرهبه ورهّبه واسترهبه: أخافه وأفزعه".

الإرهاب بهذا المعنى هو بثّ الخوف والرّعب وهو ما تفعله "داعش" اليوم لكنّها ليست أوّل فرقة في تاريخنا العربي الإسلامي تأتي مثل هذه الأمور. وفي كثير من المطالعات مرّ أمامي اسم "الحشّاشين" وقد لاحظت كثيرا من الأمور التّي تتشابك فيها مع داعش. ما أشبه الطّرق التّي تقتل بها داعش بالطّرق التّي يقتل بها الحشّاشون وما أشبه أبي بكر البغدادي بالحسن بن الصبّاح.

كلاهما يجمع حوله الأتباع والمريدين الذّين ينفّذون ما يطلب منهم بكلّ أمانة ودقّة دون تمحيص وتفكير. نفس نموذج التّابع والمريد الخاضع لعملية غسيل للدماغ لا يتجاوز كونه آلة بشرية صمّمت لغرض واحد: القتل دون رحمة وهوادة وهو ما جعل الدّاعشي حشّاشا والحشّاش داعشيا.

نفس الطّريقة المعتمدة في القتل ونفس الأدوات ونفس الأساليب: الذّبح باستعمال الخناجر، وقد اشتهر الحشّاشون وخاصة طائفة "الفدائيين" بتنفيذ الاغتيالات عن طريق الخناجر المذهّبة التّي كان يهديهم ايّاها شيخ الجبل الحسن بن الصباح وهي نفس الطّريقة التّي اعتمدتها داعش مؤخرا في إعدام الأسرى الأقباط.

من المشتركات أيضا بين داعش والحشّاشين اعتماد الجسد الأنثوي في التّعبئة. فالمتأسلمون الدّواعش مرتبطون بما بات يعرف لدينا بجهاد النّكاح، حيث يطوّع جسد المرأة في تدجين مقاتلي الدّولة الإسلامية وهذا أمر ليس محدثا، سبقهم إليه الحشّاشون حيث يصفهم الرحّالة ماركو بولو كالتّالي: "إنهم يسمون شيخ الجبل في لغتهم ألودين (علاء الدين) وقد قام بإغلاق واد بين جبلين وحوله إلى حديقه فيحاء أكبر وأجمل حديقه يمكن أن تقع عليها عين، وملأها بكل أنواع الفاكهة وأقام فيها قصورا ومقصورات من أروع ما يمكن تخيله، وجميعها مغطاه برسوم فاتنه ومموهة بالذهب وجعل فيها جداول تفيض بالخمر واللبن والعسل والماء وأقام على خدمة الحديقة فاتنات من أجمل نساء العالم يجدن العزف على مختلف الآلات الموسيقيه ويغنين بأصوات رخيمة ويؤدين رقصات تخلب الألباب، ذلك لأن شيخ الجبل كان يريد أن يوحي لشعبه بأن هذه هي الجنة الحقيقية، ولذا فقد نظمها بالوصف الذي جاء به محمد للفردوس كحديقة جميلة تفيض بأنهار من الخمر واللبن والعسل والماء مليئة بالحور العين. ومن المؤكد أن المسلمين في هذه الجهات يعتقدون أنها الجنة حقا".

 ما تختلف فيه داعش مع الحشّاشين هو أنّ خناجر هؤلاء كانت تطال علية القوم وكبار موظفي الدّولة وحتّى الملوك والسّلاكين سواء كانوا عربا أو فرنجة أو سلاجقة، وحتّى إن الفاطميين والعبّاسيين طالتهم خناجر الفدائيين في حين لم تطل خناجر داعش سوى المستضعفين، من لا بواكي لهم.