قضايا وآراء

وكيف يمكن لشعوب الأمة أن تساند فلسطين؟

1300x600
كانت مساندة فلسطين من شواغل الشعوب العربية والمسلمة منذ أن أدركت حقائق الصراع على هذه الرقعة المركزية. وقد جرى التعبير عن ذلك ابتداء بقوافل المتطوِّعين للقتال، من المشرق العربي ومغربه، وبحملات المساندة الإغاثية منذ النكبة الفلسطينية، وبالجهود الشعبية والإعلامية المتنوِّعة. 

لكنّ الحقيقة أنّ شعوب الأمة اكتشفت جدية الهجمة على فلسطين بعد نصف قرن تقريباً من انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول. إنه الوعي المتأخر بمنشأ الصراع الذي لم تكترث به الحكومات أو النخب في بواكيره. كانت شعوب العرب ترزح في معظمها تحت الاحتلال الأجنبي وهيمنته المباشرة، ولم تكن الدول الناشئة قد تهيّأت بعد لتدبير أمنها القومي إثر غياب الباب العالي عن عربة القيادة.

مياه كثيرة جرت في الوادي منذ ذلك الحين. وبغضّ النظر عن المواقف المتقلبة أو المترددة للحكومات العربية نحو فلسطين؛ ظلّ الانطباع السائد أنّ موقف الشعوب العربية والمسلمة المبدئي هو مع حقوق الشعب الفلسطيني بلا مواربة، ومع مقاومته المشروعة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه.
 
وحتى بعض المضامين الإعلامية والدعائية التي برزت في بلدان عربية قليلة العدد خلال عدوان صيف 2014 على غزة لتُعبِّر عن مواقف عدائية نحو الشعب الفلسطيني أو مقاومته؛ فقد بقيت رغم وفرتها حالة معزولة عن الروح الشعبية العامّة، أو وقع الاستنتاج بأنها مضامين موجّهة ضمن منظومة التشويه والتحريض التي تتصل أيضاً بمنطق إدارة التناقضات الداخلية في بعض الدول العربية، وهو ما يتضح في الحالة المصرية بصفة واضحة.

لقد ولج المشهد العربي منذ سنة 2011 مرحلة جديدة من الهبّات الشعبية والصراعات والأزمات والمخاضات الشاقّة. تشهد هذه المرحلة زحاماً في الأولويات والشواغل، علاوة على ما تحدثه من تغيّرات جارفة في الخرائط السياسية والاجتماعية، وفي الاصطفافات الإقليمية وضمن المشهد السياسي في كل دولة.

وفضلاً عن تعقيدات الواقع العام الذي كان قائماً أساساً في أرجاء العالم العربي؛ فقد اتّضح أنّ التفاعل الشعبي العربي مع فلسطين يواجه بموجب هذا الظرف، تحدِّيات وصعوبات عدّة، منها الصدام بين فئات من الجماهير والأنظمة الحاكمة، أو احتمالات ومكامن قلق من نشوء صدامات وتوتّرات كهذه، بما يدفع إلى تعليق بعض وجوه التفاعل الشعبي مع فلسطين، أو حتى إدراج هذا التفاعل ضمن تعبيرات الأزمة الداخلية وربّما تشويهه وتجريمه.

وقد أدّى تعمّق الانقسامات السياسية في العالم العربي ونشوء اصطفافات حادّة في تخاصمها، إلى صعوبة جمع أطراف الساحة الشعبية والسياسية الواحدة على مواقف مشتركة بخصوص مساندة فلسطين. إنّها أزمة واضحة عطّلت بعض الأطر الجامعة كما أطاحت بتجارب التقاء الأطياف السياسية والفكرية التي أنضجها مسار الالتقاء "القومي ـ الإسلامي" مثلاً بدءاً من أواسط التسعينيات. 

وقد برزت في ثنايا ذلك؛ اتجاهاتٌ متجدِّدة من التقليد الاستعمالي لقضية فلسطين، عمدت إلى تركيب أولويات خطابها السياسي على فلسطين، في نزوع إلى استعمال ما تحظى به قضيتها من شرعية ومصداقية في ترويج مضامين خطاب الافتراق السياسي المحلي أو الأيديولوجي بالتزامن مع صراعات أزهقت أرواح مئات الألوف من العرب في سنوات معدودة.

وقد دخلت معضلة الشرعية والتمثيل الشعبي طوراً جديداً، مع ما يشهده المشهد الشعبي العربي من أزمات عميقة في شرعية تمثيله داخل معظم الدول. وفي مرحلة يمتدّ فيها الخلاف حتى إلى عَلَم الدولة ورايتها؛ لا تبدو من فرصة لاجتماع الأطراف المتصارعة على مواقف مشتركة فضلاً عن برامج عمل فعّالة تتفاعل مع فلسطين. وبموجب ذلك؛ تفقد الأطر المحلية والإقليمية التي يُفترَض أن تكون معبِّرة عن الشعوب، دورَها، وتصبح موضع تساؤل بشأن شرعيتها، بما يمسّ من قدرتها على صياغة المواقف الجادة والمحرِّكة في التعبير عن تفاعل الشعوب مع فلسطين، وكذلك أهليتها لحشد الجماهير والمجتمعات وتعبئتها.

كما تفاقمت الحمّى الطائفية في العالم العربي والإسلامي، وأخذت تعبِّر عن ذاتها تعبيراً مسلّحاً في رقاع متعددة، يتمسّح بخطابات سنية – شيعية. وبعد أن كان مفهوم المقاومة في ما مضى، أحد مقوِّمات التماسك العابر للطائفية في الواقع العربي؛ فإنّ مرحلة التشظي الراهنة في الأمة حملت معها انتكاسات عميقة في هذا المجال، وأعادت رسم الصورة الذهنية عن ما كان يُسمّى من قبل "محور المقاومة والممانعة" الذي استحال إلى لافتة استعمالية في معارك الاحتراب الداخلي.

تبقى الشعوب العربية على تعاطفها مع فلسطين ومناهضتها المشروع الصهيوني، لكنّ الجماهير لا ترى فرصاً لتحويل عواطفها ومشاعرها نحو فلسطين إلى ما يتجاوز المواقف اللفظية أو حتى الأشكال الأولية من التعبير الجماهيري كالتظاهر.

وفي حالة بلديْن اثنين، على سبيل المثال، يعيشان منسوباً من الديمقراطية والحرية، هما تونس والمغرب، كان العدوان على غزة في صيف 2014 فرصة لبروز موجة من التعاطف الواسع والمساندة الشعورية نحو الشعب الفلسطيني. لكنّ تعبيرات الموجة التفاعلية بدت نمطية ومحدودة، وتركّزت على بعض المظاهرات والوقفات الجماهيرية، والمساندة المادية والتبرّع بالدم والإمدادات الطبية، علاوة على التغطيات الإعلامية وبعض النشاطات الثقافية. لقد بدا بوضوح، أنّ تلك الخيارات، وإن كانت مهمّة ومطلوبة؛ لكنها لا تتأهل وحدها لإحداث فارق في معادلة الصراع أو ترجيح كفة فلسطين في زمن العدوان. 

يكشف هذا أنّ الجماهير لا ترى خريطة طريق واضحة يمكن أن تنتهجها للتفاعل مع قضية فلسطين، كما لا تستشعر على الأرجح قدراتها على التأثير في تطوّرات الأحداث، علاوة على أنّ الانشغالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المحلية، والأجواء الإقليمية العامّة؛ لا تكاد تمنح أفقاً أوسع للتفاعل، فهي تصرف فاعلي السياسة والمجتمع إلى اهتمامات داخلية وإقليمية ملحّة، وبعضها حروب استنزاف مديدة على الجبهات الداخلية والبينية.

لا ترى الشعوب العربية خيارات للتفاعل المباشر مع قضية فلسطين العادلة؛ بينما أظهرت قطاعات من الشبان جاهزية للانخراط الميداني المباشر في النشاطات القتالية في رقاع متعددة على جبهات التشظي. إنها ظاهرة تثير السؤال المتعلق بفلسطين في مخاضات الاشتباك الداخلي التي تعصف بالعالم العربي. تبتغي بعض الجماهير العربية والمسلمة مساندة الشعب الفلسطيني، خاصة خلال جولات العدوان الإسرائيلي عليه، لكنها لا ترى خريطة طريق للمساندة. إنه السؤال الذي لا مناص من الإجابة الوافية عنه، بدل تركه معلّقاً عقوداً أخرى.