مقالات مختارة

أوباما والعرب..«حوار صعب»

1300x600
كلما شرح أوباما أفكاره، بالنسبة إلى المنطقة العربية، انتهى إلى النتيجة نفسها، وقوامها أنه يغيّر من طبيعة التزامات الولايات المتحدة سواء في النزاعات الناشبة أو حيال دول بنت أسس استقرارها على تحالف مزمن مع أميركا. وبمقدار ما يمكن هذا التغيير أن يكون مفهوماً بمقدار ما يبدو خاطئاً إذ يجري تحقيقه في ظل تدهور واضح في أمن المنطقة وتعرّض استقرارها لكثير من المخاطر والتهديدات.

وما هذا التدهور، في بعض جوانبه، إلا نتيجة مباشرة لـ «انسحاب» أميركي تستغلّه قوى إقليمية وتتنافس على ملء الفراغ الذي يتركه. وفيما تُظهر الوقائع أن أميركا تريد الاستمرار في ضمان أمن حلفائها، ولو بصيغة مختلفة، إلا أنها لم تفتح معهم حواراً صريحاً، كما يُفترض بين الحلفاء، لرسم صورة واضحة لمستقبل العلاقات والمصالح والالتزامات. ومن الواضح أن أوباما يدعو الحلفاء العرب إلى أن يعتمدوا على أنفسهم أكثر من اعتمادهم على أميركا، التي يقول إنها ستكون «موجودة إذا تعرّضت بلدانهم لخطر». وفي حال واجهوا تهديدات في جوارهم، كما في سوريا أو العراق أو اليمن، لا بد أن تكون لهم مبادرات حيوية كي تتمكّن أميركا من مواكبتهم ومساندتهم، لا أن يتوقعوا أن تقوم أميركا بما يرغبون ويتمنون من دون أن يبذلوا أي جهد أو تضحية. هذا ما يمكن استخلاصه، بقراءة تغلّب «حسن النيّة»، من مقابلة أوباما مع «نيويورك تايمز»، وفي ضوئه يُفهم التأييد الاميركي لـ «عاصفة الحزم» باعتبارها شكّلت في حد ذاتها تغييراً في نمط السياسات التقليدية للحلفاء الخليجيين، وكأن واشنطن تقول إنها تستطيع أن تساعد عندما يكون هناك حراك، لكنها غير مستعدة لأن تقوم بالحراك بالنيابة عنهم.

لذلك يعتبر أوباما أنه سيخوض «حواراً صعباً» مع قادة الخليج الذين دعاهم إلى لقاء في كامب ديفيد. والواقع أن الصعوبة ستكون عند الطرفين، فالحلفاء مدركون تماماً للتغيير الحاصل في سياسات أميركا - أوباما، ولا يعرفون إذا كانت أميركا الرئيس المقبل ستواصل هذا النهج أم لا. ثم أن توجّهات أوباما قد تكون سليمة، لو أنه باشر تصحيح أخطاء سياسات الإدارات السابقة قبل أن يقرر التخفف من أعباء الشرق الأوسط والخليج، أو لو أنه استطاع الحفاظ على توازنات المنطقة بدل أن يكتفي بالتكيّف مع اختلالاتها والتغطية على التراجع الأميركي باستنباط «عقائد» استراتيجية جديدة لادارة اضطراباتها. فقبل أي «حوار صعب» وبعده لا بد لأوباما أن يعترف بأن الولايات المتحدة تتحمّل الجانب الأكبر من المسؤولية في الحال الراهنة للعالم العربي، لأنها نتيجة مباشرة لسياسات أميركية سواء خلال حقبة «الحرب الباردة» والفترة التي تلتها مباشرة (أخطاء حرب أفغانستان، وحروب الخليج الثلاث)، أو نتيجة للضغوط والانحيازات اللاإنسانية واللاأخلاقية المستمرة في القضية الفلسطينية.

واقعياً، أثبت أوباما أنه كأي رئيس أميركي آخر، إذ يأخذ في الاعتبار موازين القوى الإقليمية، ويشتغل عليها غير عابئ بمصالح الحلفاء أو الأصدقاء. فبالنسبة إليه طالما أن إسرائيل قوية عسكرياً بفضل الدعم الأميركي، فليس عليه أن يفكّر بالأضرار «الجانبية» التي تسببها هذه القوة للحلفاء العرب، وليس عليه أن يسعى إلى تغيير في عقل «النظام الإسرائيلي» حتى لو بدّد «عملية سلام» تقول واشنطن إنها في صلب سياستها الشرق-أوسطية، لكن اذا تحدّته اسرائيل في سعيه إلى اتفاق نووي مع إيران فهذه معضلة ينبغي أن تُعالج بعناية. وبالنسبة الى أوباما وعقله السياسي أيضاً، إذا كانت إيران تمكّنت من تحقيق برنامجها النووي وقوتها العسكرية، رغم الضغوط والعقوبات، فهذا لا يستحق منه سوى الإعجاب والتقدير، بل لا بدّ أن يُكافأ بتطبيع العلاقات مع إيران والإبقاء على برنامجها النووي، ولو مع خطر محدود بأن تتوصّل إلى «القنبلة» بعد سنوات، وبالتالي فليس عليه أن يسعى إلى تغيير طبيعة النظام الإيراني حتى لو أشعل حروباً مذهبية وغذّى حروباً أهلية لنشر نفوذه الإقليمي.

استفادت الحالتان الإقليميتان الشاذتان، إسرائيل وإيران، وتستفيدان من السياسات الأميركية، في اندفاعها أو في تراجعها. الجديد أميركياً أن واشنطن العاجزة عن ترويض مثل هذه الحالات تفضّل منهجاً جدلياً، كما يفعل أوباما، للاستقواء على حلفائها المسالمين بإلاشارة إلى «السخط الداخلي» لديهم، وكأنه متيقن بأن الأوضاع «الداخلية» في فلسطين تحت الاحتلال الإسرائيلي في أفضل حال، أو أن الداخل الإيراني لا يعاني من قسوة النظام.



(نقلا عن صحيفة الاتحاد الإماراتية)