بورتريه

مسؤول حراسة منزل مرسي يترجل (بورتريه)

رسم طارق الجوهري
كان رجلا نبيلا.. تلك جملة تختصر كل الحكاية.

حكاية الثورة المصرية ضد نظام المخلوع محمد حسني مبارك، ومن ثم الانقلاب على الثورة بواسطة فلول مبارك.

كان من المدافعين عن الحريات وحقوق الإنسان في مصر.

وأول رجل شرطة يحزن عليه المصريون، وفقا لنشطاء مصريين على "فيسبوك".

كان أحد القلائل من ضباط الشرطة المصرية الذين تمردوا على أسلوب وزارة الداخلية الدموي والتحريضي بحق المتظاهرين السلميين.

توفي  في وقت متأخر من مساء الجمعة في قطر، إثر إصابته بأزمة قلبية.

كان خبر وفاته صادما للكثيرين، لكن حرمانه من قبر في بلده مصر كان حكاية أخرى عن الموت في المنافي في ظل انقلاب تجاوز جميع الخطوط الحُمر في التعامل مع أبناء مصر.

وربما لم يدر بخلده أن العاصمة القطرية الدوحة ستضم جسده هناك في قبر، بعيدا عن مآذن وأزقة القاهرة التي طالما أحبها وأحبته.

العميد طارق الجوهري مسؤول حراسة منزل الرئيس محمد مرسي، كان قد انتقل للإقامة في قطر بعد إحالته على التقاعد في خطوة استثنائية بوزارة الداخلية في آذار/ مارس 2013.

اشتهر بمعارضته للانقلاب العسكري الذي شهدته مصر في تموز/ يوليو 2013، وتنديده بممارسات جهاز الشرط القمعية.

وبرز على مواقع التواصل الاجتماعي "#طارق الجوهري"، حيث نعاه العديد من الناشطين والمعارضين للانقلاب.

بدأ الجوهري عمله كضابط في قوات الأمن المركزي منذ تخرجه عام 1983، إلى أن صدر قرار من وزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي بإحالته على "المعاش" بتهمة "مخالطته لبعض الأشخاص دون المستوى"، على حد قول القرار الذي أصدره.

لكن الجوهري رأى أن السبب الحقيقي لتقاعده المبكر، كان طلبه الاعتكاف في أحد المساجد في شهر رمضان. وحصل على حكم  نهائي من محكمة القضاء الإداري بالعودة إلى العمل عام 2009، إلا أن العادلي رفض تنفيذ هذا الحكم، إلى أن حدثت الثورة وتم القبض على العادلي، وتم تكليف الجوهري بتأمين قاعة المحكمة التي كان يحاكم فيها الوزير الذي ظلمه.

كان أحد أفراد طاقم حراسة الفريق أحمد شفيق أثناء الانتخابات، وتم نقله إلى منزل مرسي ليلة إعلان النتيجة وظل هناك لمدة ستة أشهر.

الجوهري أكد أكثر من مرة، بوصفه شاهدا على اللحظات الأخيرة في أيام الحرية للرئيس مرسي، أنه في يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر والمعروف بأحداث "الاتحادية" قام مجموعة من الضباط وأفراد الداخلية المكلفين بحماية قصر الرئيس معه، بشحن الجمهور، وتقديم الوعود لهم بمساعدتهم على اقتحام منزل الرئيس وإبعاد المكلفين بحراسته في التجمع الخامس في حال اقتحام المتظاهرين قصر الاتحادية.

وأضاف في حوار صحفي سابق له، أنهم "توعدوا الرئيس مرسي في حال انسحاب الشرطة من تأمين القصر الرئاسي (.. ) وجاء لي مفتش المباحث المشرف علينا، وقال قبل وصول الرئيس للقصر حرفياً: نصف ساعة بالضبط وسيلقى به في السجن.. هذه ليست أشكال رئاسة".

متابعا: "قلت له: لماذا التجاوز يا فندم إحنا شرطة ودي أمانة وخلينا بعيد عن السياسة. فقال لي حرفيا: إنت معاه؟ ابقى خليه ينفعك.. كلها لحظات وهتكون إنت وهو في السجن".

ويقول: "وقتها اتصلت بالحرس الجمهوري مباشرة، وقلت لهم إن هناك مخططات ترتكب من حرس تأمين الرئيس، وظللت أتوسل إلى قائد الحرس الجمهوري ألا يبيت الرئيس أو أحد من أسرته في منزله هذه الليلة، خاصة وقد وصلتني معلومات بأن هناك أفرادا سيقتحمون قصر الاتحادية في هذا اليوم".

ووصف الجوهري زملاءه في الشرطة بأن عندهم "عقدة نفسية"، وقال إن "هناك عوامل نفسية لدى قوات الشرطة تؤثر على اتجاهها للعنف وقمع المتظاهرين أولها الانتقام من ثورة 25 كانون الثاني/ يناير التي قلمت أظافرهم وحجمت من نفوذهم".

وأشار إلى أن قوات الأمن لديها عقدة نفسية منذ فض اعتصامي "رابعة" و"النهضة" حيث قُتل شباب ورجال مصر ما بين أطباء ومهندسين، وخرج أهالي الشهداء ساخرين بعد ذلك في تظاهرات سلمية مرددين أن الحاصلين على مجاميع 50% بالكاد في الثانوية العامة قتلوا من دخلوا الطب والهندسة، فهذا جعل الشرطة تتعامل بعنف أكثر وانتقام أشد نتيجة هذه العوامل النفسية".

ويؤكد قائد قوة الحراسة الليلية لمنزل الرئيس محمد مرسي، أنه كان يسمع بأذنه سباب ضباط الداخلية المكلفة بحماية الرئيس مرسي، وأن 95% من ضباط الشرطة لم يقبلوا أن يحكمهم رئيس مدني بصفة عامة، وإسلامي بصفة خاصة.

وأضاف، في حواره مع قناة الجزيرة، أن الضباط اعتبروا فترة حكم مرسي "ترانزيت"، مشيرا إلى أن القبضة الحديدية التي فرضوها على البلاد بعد الانقلاب تؤكد تخاذلهم في عهد مرسي عمدا وليس لقلة الموارد كما كانوا يدعون.

الجوهري كان مشغولا في كيفية تأمين خروج الرئيس مرسي دون الاعتداء عليه، خاصة وأن تعليماته للحرس الجمهوري كانت بعدم استعمال العنف مع المتظاهرين.

ورفض الاستجابة لطلب وزير الداخلية في واقعه غير مسبوقة، بأن يصدر تعليمات موقعة منه شخصيا باستعمال العنف مع المتظاهرين، ورفض مرسي ذلك وأصر على إقالته.

واستطاع الحرس بوجود الجوهري أن يفلت بالرئيس بسيارات الموكب التي هشمت بالكامل.

الجوهري أبلغ الرئيس حينها بعدم العودة لمنزله، لأن الضباط كانوا يشحنون الناس "لاصطياد الرئيس" أثناء عودته، وفقا للجوهري، وغير مرسي وجهته وتوجه لدار الحرس الجمهوري، وكذلك زوجته وأولاده.

الجوهري كان نبتة طيبة في مؤسسة عزّ فيها وجود أمثاله، وفقا لقيادي في جماعة الإخوان المسلمين كتب ينعاه على مواقع التواصل الاجتماعي.

آثر الجوهري قبل رحيله أن يكشف جرائم وأسرار "الداخلية" المصرية عبر مقابلات صحفية وتلفزيونية مسجلة، توثق لجرائم ارتكبت على مرأى من رجال الأمن والجيش أيضا.

الجوهري شاهد إثبات رغم أنه الآن في دار الحق، وشهادته وثيقة إدانة لحقبة دموية سوداء في تاريخ مصر الحديث.