قضايا وآراء

نقد الإخوان.. وهل هذا وقته؟!

1300x600
لامني بعض الأصدقاء والمحبين بسبب مقالي الأخير: (مراجعات الإخوان.. لماذا وكيف ومتى؟)، وقد لامني البعض الآخر من قبل بسبب حلقة لي مع الأستاذ شريف منصور على قناة (مصر الآن) كان جل كلامي فيها نقدا لأداء الإخوان المسلمين، وعن التحديات التي تواجههم الآن، وأخطائهم الحالية، ونماذج من تجربة حسن البنا في التعامل مع مثل هذه الملفات، فقد كان كل اللوم كعادة كثير من الإخوان الطبيبن: وهل هذا وقته؟ وهل هذا مكانه؟ إن كلماتك تستطيع أن تصل بها لكل مستويات الجماعة، فلماذا الكلام في الإعلام؟!.

وهي ثقافة مغلوطة قام -ولا يزال يقوم- بغرسها في الإخوان أناس لا يخرجون عن ثلاث احتمالات غالبا: 1ـ إما شخص حسن النية. 2ـ أو شخص يجهل طبيعة الدعوة الإسلامية بوجه عام، وجماعة الإخوان بشكل خاص. 3ـ وإما بغرض شخصي، كي يكون بمأمن من الحساب، فأسبغ على ذلك تبريرا دعويا ليكون بدون وجه حق ثقافة ومبدأ راسخا في الجماعة، وكل هذه الأعذار لا تمنع من ممارسة النقد الذاتي، أو نقد من بالخارج للجماعة واستفادتها منه، وبداية أوضح أمرا يفهم خطأ في ثقافتنا العربية، وهو أن النقد معناه التجريح، أو معناه التركيز على الأخطاء، النقد معناه تناول الشيء بما فيه من عيوب ومميزات على حد سواء، وقد يكون التركيز على نقطة دون أخرى، حسب مقام النقد والمراجعة، وليس معنى المراجعة كذلك أنها تغيير كامل لخطتك.

كنت على وشك إنهاء كتاب بعنوان: (الإخوان بين نقد الذات والآخر)، رصدت فيه في حياة حسن البنا أكثر من أربعين موقفا نقديا للجماعة نشرت كلها في مجلات وصحف الإخوان، ومنها سؤال خاص بذمة حسن البنا المالية، وأجاب بكل شفافية، دون تحرج، أو اتهام، فهذه ضريبة كل من يعمل بالعمل العام شاء أم أبى. ومواقف أخرى قامت فيها جماعة الإخوان بالنقد الذاتي، أو النقد بوجه عام، يتضح منه أن النقد عمل ممارس في فترات ذهبية من تاريخ الجماعة.

إن حجة بعض من يرفض نقد الإخوان علنا، مخافة شماتة الخصوم، والحقيقة إن الشماتة من النقد لتصحيح الأخطاء والمراجعة، أشد منها شماتة هي إبقاء المخطئ على خطئه، وعدم تصحيحه، وستكون شماتة الخصم أكثر في فشلك الذي سيستمر لو لم يستجب للنصح، أو المراجعة التي يقوم بها من داخله، ويقوم بها المخلصون كذلك من خارجه.

فلماذا إذن رجم الرسول صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية، وقطع يد من سرق، ونزل في شأن حاطب بن أبي بلتعة ما نزل؟! ونزلت آية في سورة النساء تبرئ يهوديا من السرقة، وتنسب السرقة لمسلم، فقال تعالى: (ولا تكن للخائنين خصيما) النساء: 105، فلماذا لم يوح الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بهذه الأخطاء سرا، وتداولها سرا بين صحابته؟! ألم يكن ذلك داعيا لشماتة المنافقين في الصحابة وأخطائهم؟!!.

وحجة البعض الآخر من رفض النقد أن الجماعة في محنة، والسؤال هنا: منذ متى والجماعة ليست في محنة، منذ أول يوم قامت فيه، إما بين محنة السجن، أو بين محنة المطاردة، أو بين محنة التمكين الجزئي، وكل هذه محن، فهل يمنع ذلك من نقدها، وترشيد مسيرتها؟!.

وأما دعوى أنه ليس من الخلق نقد من في محنة، فهذا ليس صحيحا، بل إنه ينافي صحيح الشرع الإسلامي الحنيف، وينافي القرآن الكريم، وهدي محمد صلى الله عليه وسلم، إن جل الرافضين لهذه المراجعات الآن علنا، ومن يقول: ليس هذا وقته؟ كلهم يحفظ غزوة أحد وما دار فيها، وقد نزلت آيات مفصلات لأحداثها في سورة آل عمران، يقول تعالى: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم) آل عمران: 165، أي أن الصحابة قاموا بالمراجعة وهم مثخنون بالجراح، وسقط منهم سبعون شهيدا، فقاموا بالمراجعة الفورية، ولم تكن حجة المحنة ولملمة الجراح سببا في التأجيل.

ثم بين تعالى الأخطاء التي عليهم أن يقفوا عندها طويلا، فقال تعالى: (حتى إذا فشلتم، وتنازعتم في الأمر، وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) آل عمران: 152. وفي آية أخرى عن سبب آخر: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) آل عمران: 155.

وقد عقب الله على كل هذه الأسباب بالعفو عنهم والمغفرة، ليس من باب التساهل معهم، ولا غض الطرف عما فعلوا، ولكن ليستفاد من الخطأ، لا تجاوزه، وعدم مناقشته، كما أنه ليس معنى أن تناقش الخطأ الذي يقع منك، أن خصمك على صواب وحق، فقد كان خصوم الصحابة المؤمنين، كفار قريش، وهم على باطل يقينا.

ولكن القرآن هنا يأمر بالمراجعة لأن النصر مرتبط بالأخذ بأسبابه، ومن أولى أسبابه: المحاسبة والمراجعة، فالقرآن هنا حاسب الصحابة وبينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرهم بمراجعة الموقف، ووصف ما حدث منهم بهذه الأوصاف: الفشل، والتنازع في الأمر، والمعصية، وإرادة الدنيا، واستزلهم الشيطان، أفبعد ذلك يغضب بشر لا يبلغ معشار هؤلاء الكرام، عندنا نناقش فشله وإخفاقه؟!!!!