مقالات مختارة

لا تنسوا ثورة الشباب الفلسطيني

1300x600
كتبت رندة حيدر: تكاد الحرب الدموية المشتعلة في سوريا، والصراع الإقليمي على النفوذ في المنطقة، والتعبئة الأوروبية ضد ارهاب "الدولة الإسلامية" أن تغطي ما يجري في أراضي الضفة الغربية والقدس، وأن يصرف الاهتمام عن أهم حراك فلسطيني شعبي عفوي شبابي عنفي، إلى حد اليأس الذي يعيشه الفلسطينيون اليوم احتجاجا على استمرار الاحتلال الإسرائيلي.

بعد مرور شهرين على بدء الهبّة الفلسطينية يعترف المسؤولون في إسرائيل والمجتمع الإسرائيلي كله، أنهم إزاء ثورة مختلفة من نوعها لا تقل خطرا عن الانتفاضات السابقة، وأنها تطرح تحديا حقيقيا على المؤسستين السياسية والعسكرية في إسرائيل، اللتين عجزتا حتى الآن عن كبحها.

في مواجهة شباب السكاكين لم تنفع حتى الآن كل الأساليب العقابية التي استخدمتها إسرائيل. لم ينفع القتل؛ لأن هؤلاء الشباب اختاروا طوعا الموت، وكانوا يعرفون سلفا أنهم سيلاقون حتفهم، ولأن الاستشهاد في رأيهم كما كتبوا في صفحاتهم بموقع "فايسبوك" أفضل من حياة الذل. كما لم تنفع عقوبة هدم المنازل؛ فالشبان الذين يقدمون على عملياتهم اعتذروا من عائلاتهم سلفا لتعريضهم إياهم لمثل هذه الخسارة. كما لم تنفع عقوبة قطع الأرزاق من خلال منع دخول الفلسطينيين للعمل في إسرائيل. لم يبق سوى سياسة العزل والطرد أو الضم القسري، لكن ثمة شكا في أن تمثل رداعا لشباب كسروا حاجز الخوف مرة واحدة وإلى الأبد.

لقد نجح شباب ثورة السكاكين في زعزعة أسس الوضع الراهن الذي يسعى اليمين الإسرائيلي إلى تأبيده، من خلال الترويج أنه من الممكن مواصلة الاحتلال وتوسيع المستوطنات وتدجين الشعب الفلسطيني والتحكم بحياته، والسيطرة على سلطته الوطنية، واستغلال انقساماته السياسية إلى ما نهاية.

أبناء الهبّة الفلسطينية الأخيرة هم شبان وشابات غالبيتهم لم تتخطّ سن العشرين، إنهم أبناء الجيل الجديد من المقاومين الاستشهاديين. شبان وشابات يختارون الموت طوعا من دون تحضير نفسي أو أيديولوجي، ومن دون دعم لوجستي أو مادي، ومن دون زعيم معين أو انتماء إلى فصيل محدد. إنهم جيل من الشباب الفلسطيني الغاضب واليائس والثائر، ليس على المحتل فحسب، بل على زعاماته التقليدية. والمدهش أن عدد الاستشهاديين الجدد بلغ خلال الشهرين الأخيرين أضعاف عدد الانتحاريين الذين عرفتهم الانتفاضة الفلسطينية الثانية خلال ثلاث سنوات.

في هذه المرحلة الخطرة من التبدلات التي قد تغير صورة الشرق الأوسط كله، تسعى إسرائيل إلى استغلال الحملة الدولية على الإرهاب الجهادي لتشويه صورة النضال الفلسطيني وتحريض العالم عليه. لكن ما يجري ليس إرهابا، إنه صرخة يأس فلسطينية قبل الثورة العارمة.

(عن صحيفة النهار اللبنانية 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)