مقالات مختارة

أوكازيون التسعة وتسعين بالمئة!

1300x600
لا علاقة لهذه التسعة وتسعين بالمئة بما قاله السادات عن الأوراق التي تملكها أمريكا، ولا بالتسعة وتسعين سنة التي مرت حتى الآن على وعد بلفور، ولا علاقة لها بأي امتياز استعماري قديم أو جديد، إنها نسبة التنزيلات المعلنة عبر الميديا كلها حول ما سمي الاستقلال العربي، فاللعاب يسيل من كل الجهات وعلى كل التخوم والثغور البرية والبحرية والجوية، والقراصنة الكبار هم أباطرة وأكاسرة وقياصرة وليسوا هؤلاء الصغار في عرض البحر المتوسط الذين يرتضون بالقليل، ولأن العرب طالما شكوا من التكاثر، ولم تنفع معهم وصفات تحديد النسل، سواء كانت مالتوسية نسبة إلى مالتوس أو صينية، فقد أصبح لديهم تسعيرة تناسب معظم العملات المحلية في أقطارهم، فالمجزرة لا تستحق اسمها اذا كان ضحاياها أقل من ألفين، والمديونية لا تستحق اسمها أيضا إذا كانت أقل من مليارات؛ لهذا علينا ألا نندهش من الصمت واللامبالاة إزاء رقم متواضع لمن استشهدوا في فلسطين في أقل من شهرين، وهو قارب مئة وخمسين شهيدا، إضافة إلى آلاف الجرحى والأسرى.

إن أرقاما من هذا الطراز بالنسبة لأمة تشكو من الفائض الديموغرافي تعدّ عادية ومألوفة، وقد يعجب الناس ممّن يذكرهم بها كي يبدو الأمر أشبه بوضع شعرة في الحساء، رغم أن الحساء من دم، والعشاء من لحم الموتى وذوي القربى بالتحديد.

ولو سمع الناس في هذا الموسم أن هناك محلات تعلن عن تنزيلات تصل إلى تسعة وتسعين بالمئة لما ترددوا في شراء كل شيء على رفوفها، سواء كانوا بحاجة إليه أو لمجرد انه شبه مجاني، فكيف لا يسارع العالم كله الآن إلى شراء ما تبقى في هذا الوطن العربي الذي أصبح اسمه العالم العربي أحيانا والشرق الأوسط أحيانا أخرى؟

كان المزاد ذات يوم سريّا ومن اغتنم الفرصة شبع حتى برطع، لكنه الآن علني، وما كان غير مشمول فيه من بضائع أصبح على الرّصيف، فالهويات معروضة للبيع، وكذلك ما كان يسمى في ثقافتنا الكلاسيكية ما قبل العولمة والإنترنت وبنطلونات الجينز الممزقة على الفخذين استقلالا. 

ورغم أن الأرقام متفاوتة؛ تبعا لاختلاف النوايا والحواسيب، إلا أن من قتله العرب من بعضهم خلال خمسة أعوام فقط يعادل آلاف الأضعاف ممن قتلهم الأعداء.

والأوكازيون في أوله وليس موسميا هذه المرة، وإن كان هناك من ينتظرون وصول نسبة التنزيلات إلى مئة بالمئة!!

(عن الدستور الأردنية ـ 30 كانون أول/ ديسمبر 2015)