قضايا وآراء

عقرب مصر

1300x600
تابعت عبر وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل إعلام محدودة وغير رسمية؛ أخبار إضراب سجناء العقرب عن الطعام، وعبر صفحات ذويهم التي حملت طلباتهم الإنسانية (غير الخلافية) والتي هي في الأساس من صميم حقوقهم كسجناء.

واقع مرير وطلبات في مجملها تكشف معاناة هؤلاء السجناء. فمنذ شهور طويلة وهم يستغيثون من تدني مستوى الخدمة العلاجية، بل وحرمان البعض من العلاج وتعريضهم للهلاك، و"زيارة مستحيلة" كما أطلق ذووهم على ظروف زيارتهم، في الوقت الذي تسعد فيه عند مطالعتك موقع وزارة الداخلية وقطاع مصلحة السجون؛ الذي يتحدث بأريحية عن تطور السياسة العقابية في السجون المصرية. كلام يُطرب ويُدرس عن حقوق ولا أروع في أحقية المحكوم عليه على المجتمع في الإصلاح والتهذيب والتأهيل، وتحول المفهوم العقابي للعالمية، ومراعاة قواعد حقوق الإنسان السجين، وبعث الأمل والتعاون مع المعهد القومي للتغذية بوزارة الصحه لتتساوى وجبات السجناء مع متوسط غذاء الطبقات المتوسطة، مع إقرار مقرر غذائي مناسب للمرضى... أيضا إلغاء حاجز الأسلاك بين المحكوم عليهم وذويهم أثناء الزيارة، وغيرها من سيمفونيات عصافير الجنة في وصف قطاع السجون وجهوده وسياساته الإنسانية.

ولكن كل تلك الشعارات والكلام المعسول يخالف الواقع المخزي لمنظومة سجون غير إنسانية، أقل ما يمكن أن توصف به أنها تتجه فعليا إلى إقرار أساليب ومفاهيم منظومة العصور الوسطى، تلك المنظومة الثأرية، الطبقية والبربرية في التعامل مع السجناء، "عدالة السادة والعبيد"، الإقطاعيين وعامة الشعب... فالمقارنة بين ظروف احتجاز رموز نظام مبارك وغيرهم ممن سرقوا ونهبوا ثروات البلاد، أو حتى السجناء الجنائيين من عامة الشعب، تختلف تماما عن الظروف غير الإنسانية للخصوم السياسيين.

ولم لا، فأنت أمام منظومة تحصين الجناة من العقاب وبرلمان يتبنى شعار "نحو بناء سجون أكبر".

ولا يدرك برلمان التطبيل ونوابه أن من مسؤوليتهم البرلمانية الافتراضية هي مناصرة السجناء في المطالبة بحقوقهم، ومراقبة مسؤولي السجن والتنفيذيين، وإقرار قوانين تجرم التعذيب والانتهاكات ضد السجناء التي تحدث شبه يومي، ولا حياة لمن تنادي!!!

والمخزي حقا أن يحذو حذوهم المجلس القومي لحقوق الإنسان، الذي يتجاهل كل تلك الشكاوى المريرة، ويغض الطرف عن كل تلك الانتهاكات الجسيمة والمعاملة غير الإنسانية، ووقائع التعذيب وحالات الاختفاء القسري المتزايدة.

يتحدث العالم الآن عن إقرار الأمم المتحده لقواعد نيلسون مانديلا لمعاملة السجناء، والتي تم اعتمادها رسميا في 22 أيار/ مايو 2015. وتهتم بالخدمات الإصلاحية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتحقيقات في الوفيات والتدابير التأديبية، ومن ذلك الاستخدام المحدود للحبس الانفرادي، ومهنية موظفي السجون، والتفتيش.

وهنا أذكر ما قاله مونز لوكوتفت، رئيس الجمعية العامة للدورة السبعين في كلمته الافتتاحية للدورة: "إن القواعد النموذجية المنقحة للأمم المتحدة المتعلقة بمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا) توصل رسالة بسيطة ولكنها عميقه: السجناء هم بشر ولدوا بكرامة ولهم الحق في الأمن وحماية حقوق الإنسان".

هذا حديث تلك المنظمة الأممية الآن عن مراجعات نحو سجن أكثر أخلاقا وإنسانية، بينما في مصر السيارة ترجع للخلف.

نرجع للخلف، بعد الانقضاض على طريق الثورة المصرية، بل ننزلق وبسرعة هائلة إلى سفح الإنسانية، وتعود المؤسسات العقابية إلى زمن الممارسات البربرية.

تفشي الظلم والمظلومية، والمعاملة الانتقامية قادرة على أن تسقطنا في مستنقع ظلامي، وتسلمنا طوعيا إلى سكة الخروج من المجتمع الإنساني الحداثي إلى طريق الغابة الوحشية التي سيحكمها الأقوى، وليس شرطا أن يكون الأقوى راكب الدبابة أو الطائرة رفال.

ففي الغابة هلكت الديناصورات وبقيت الكائنات الأخرى القادرة على التكيف والاستمرار!!!

احترس مصر ترجع للوراء!!!