كتاب عربي 21

عبد العزيز الرنتيسي.. بالحب يحصل القرب

1300x600
يقذف الله، جلّ وعلا، بعضا من عباده في قلب التدافع الدامي قذفا، كي يتّخذهم اتّخاذا لنفسه، على مثيل صنعه لأنبيائه، ثم اصطناعهم لنفسه، وكان قد أوحى إلى أمّ موسى أن تقذف ابنها في التابوت ثم في اليمّ قذفا، وأوحى إلى اليمّ أن يلقيَه بالساحل، حتّى إذا ما تمّ ذلك؛ ألقى عليه محبة منه، يصنعه على عينه، ويصطنعه لنفسه، مقذوفا، ويكأنّه سهم لله، في وجه الطغيان، ولأجل تحرير العباد، ولردّ البشريّة إلى نشأتها الأولى المكرّمة، وإذا كان باب النبوّة ضيّقا، لا يدخله إلا الأنبياء، وهم قلّة مهما كثروا، فإنّ باب الاتّخاذ أوسع، وهو علّة من علل تدافع البشر، وتداول الأيام، وتبادل الهزائم والانتصارات، وقتل الأولياء والصالحين.

وإذا كان ذلك كله فرعا عن معنى تكريم الإنسان واستخلافه واختباره، فإنّ فيه معنى خاصا يتعلق ببعض من عباد الله، تدرّجوا في مدارج الكرامة، حتى جعلهم الله علّة من علل الحوادث الكبرى، إذ أراد أن يكرمهم بكرامة خاصّة، فبيّن جلّ شأنه موقعهم من أحداث الدنيا، ثم مكانتهم عنده، "إن يمسَسْكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتّخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين".

وإن كان المعنى هنا محتملا، ما بين الشهادة المتبادرة إلى الذهن، أي القَتْلِ في الجهاد، لشهود قتلى المؤمنين الجنّة قبل القيامة، والشهادة على الناس يوم القيامة، "وكذلك جعلناكم أمّة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرّسول عليكم شهيدا"، فإنّ شهيد الواجب في المعركة، القادم من إحساسه العميق بالمسؤولية، الواعي بجوهر الواجب الدافع؛ قد جمع المعنيَيْن، بعد أن يجعل له ربُّه القبول، فيرتقي إلى مقام الشهادة في الآخرة بدمه المسفوح في الدنيا، وقد شهد عليهم مرّتين، مرّة بتضحيته، ومرّة في موقف الكرامة.

وكأنها مقاربة لإكرام من هم دون الأنبياء، فالنبوّة اصطفاء، والشهاد اتّخاذ، والأنبياء شهداء لله على خلقه، والشهداء كذلك، وإن في مرتبة دونها، ولكنّها معها: "ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا"، ويُؤتى بهم معا للشهادة على الناس: "وأشرقت الأرض بنور ربّها ووُضع الكتاب وجيء بالنبيّين والشهداء وقُضي بينهم بالحقّ وهم لا يُظلمون".

لا تدع الآية الكريمة أمر جوهر الواجب الذي أدركوه حتى استحقّوا منزلتهم وتأهّلوا به إلى معراجهم؛ دون إشارة منها إليه، إذ إنّ الله بعد أن بيّن مداولته الأيام بين الناس ليعلم المؤمنين ويتخذ منهم شهداء، أكّد على أنه لا يحبّ الظالمين، وكأنه تأكيد بوجه آخر على أن معركة هؤلاء الشهداء كانت في مواجهة الظلم، الذي هو وضع الشيء في غير موضعه، وأصله الجور ومجاوزة الحدّ.

وأيّ خلل أفدح من أن يَعبدَ الإنسانُ المكرّمُ مخلوقًا مثله؟! وما أبلغ الدلالة التي حملها الوصف الرباني للشرك إذ جعله ظلمًا عظيمًا! فالشهداء ميزان من موازين الله في الأرض يعيد بهم الشيء إلى موضعه، ويصلح بهم الخلل، ومعركتهم بهذا تكون في سبيل حريّة الإنسان، أي في سبيل تحقيق الإنسان المكرّم الذي أُسجد له العالَمون، ولأن "الظلم ظلمات يوم القيامة"، فالشهداء "عند ربهم لهم أجرهم ونورهم".

ومن أعظم الخلل الذي اقترفته البشريّة في العصر الحديث احتلال فلسطين، ووضع غير يد أهلها عليها، وإفساد شأن أكنافها، وكان هذا الخلل ناجمًا عن خلل أكبر، إذ استبدّت بقوى البشر الكبرى، قيمُ المادّة، التي تعني في النتيجة استعباد الأقوياء للضعفاء، وتزوير الحريّة بما يجعلها عبودية صِرفة ولكنها مقنّعة ومخاتِلة، أو لعل فلسطين ميزان العالم، بها تظهر سلامة العالم أو اعتلاله، سموّه أو انحطاطه، وفيها يدافع الشهداء عن حريّة الإنسان وكرامته من حيث هو إنسان وحيثما وأينما كان، ودفعًا للظلم وإقامة للقسط، وما كفّ شهداؤها عن وظيفتهم، ذلك لأن العالم ما كفّ عن انحطاطه.

وظلّ شهداء فلسطين يتدافعون حتّى اليوم، في كشف عن وعي ضمني يكتنزه أهلها بوظيفتها، وفي تأكيد على صوابيّة خيار الشهادة، الذي اتّخذه السابقون من الشهداء، ومنهم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، الذي لا نزكّيه على الله، ولكننا نستبشر بمساره العامر بالحبّ، جهادًا وتضحية وبذلاً وعطاء، ونتفاءل بمآله، إذ يذكره الأحرار وكأنّه لا زال يُبدع فعل الجهاد والشهادة، وكأنّه رمز أكيد للجهاد الفلسطيني، بمعانيه التي تضمّنتها هذه المقالة، فذكراه خيّمت بالأمس على حدث الجهاد الفلسطيني، وإذا بأحداث الجهاد كلّها فروع من شجرة واحدة، وبالشهداء كلّهم لبنات لبيت واحد.

فالشهداء، ميزان العالم، يقيم بهم الله القسط، و"إنّ الله يحب المقسطين"، والمقسطون، هم المحبّون، الذين يحبّهم الله ويحبّونه، الأذلّة على المؤمنين، الأعزّة على الكافرين، المجاهدون في سبيله، الذين لا يخافون لومة لائم، وكيف يخافون وقد تحرّروا من العبودية للمخاوف والشهوات كلها، بعدما أخلصوا المحبة له، جلّ وعلا.

سئل سفيان بن عيينة عن قول النبي، صلى الله عليه وسلم، "المرء مع من أحب"، فقال: ألم تسمع قول الله "إن كنتم تحبّون الله فاتَّبعوني يحبِبْكم الله"، قال: يقرّبكم الحبّ من الربّ، قال الله تعالى: "ويتّخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين"، قال: لا يقرّب الظالمين.