مدونات

تونس : عندما يتحول الفوسفات من نعمة إلى نقمة

تونس- أرشيفية


لا يكاد يمر يوم في تونس إلا ويعود ملف الثروة التي تمتلكها البلد من الفوسفات إلى الواجهة، فهذه الثروة الهائلة التي أنعم بها الله على تونس، والتي توجد في مدينة قفصة في غرب تونس تحولت ما بعد الثورة إلى نقمة، تتسبب في المزيد من الاحتقان والاحتجاجات في كل مرة، خصوصا من طرف سكان المنطقة الذين يرون بأن جهتهم لا تأخذ حصتها مما توفره من الفوسفات، لا من ناحية تشغيل أبناء الجهة ولا من ناحية التنمية التي يرون أنها تغيب عن الولاية في كل المشاريع التنموية للحكومات المتعاقبة.
في زمن غير بعيد إلى الوراء، كانت تونس تحتل المرتبة الثانية عالميا في إنتاج الفوسفات وفق تقارير الاتحاد العربي للأسمدة، لكنها اليوم أصبحت غير مصنفة بسبب التراجع الرهيب الذي شهده إنتاج هذه المادة، الذي تشرف عليه شركة فوسفات قفصة، وهي منشأة عمومية أحدثت من قديم الزمان من أجل استغلال وتصنيع وترويج الفوسفات، إلا أنها أصبحت تعاني منذ اندلاع الثورة من تقطع نشاطها وتعطل إنتاجها نتيجة كثرة الإضرابات التي يقوم بها أبناء الجهة المطالبين بالتشغيل، خصوصا أن هذه الإضرابات العمالية تسببت في تعطيل استخراج الفوسفات ونقله في كامل المؤسسات التابعة للشركة، في كل من المتلوي والرديف وأم العرائس، التي تشكل أحواض الإنتاج الرئيسية في الجنوب التونسي. 

وأصبحت تونس تحتل المرتبة الرابعة عالميا كمنتج للفوسفات، بمعدل إنتاج بلغ قبل جانفي 2011 حوالي 8 ملايين طن سنويا، لكن حجم الإنتاج تراجع بشكل حاد ليصل في 2014 إلى نحو 4 ملايين طن، فيما بلغ خلال الربع الأول من سنة 2015 نحو 650 ألف طن، وليواصل هذا المعدل انخفاضه بشكل رهيب لتصل نسبة الانخفاض هذه السنة إلى 41 بالمائة، ويصل الإنتاج إلى 361 ألف طن، رغم أن تقديرات حكومية تونسية كانت قد أشارت إلى أن هذا الرقم سيكون أكثر 615 ألف طن خلال الفترة نفسها، وهو ما يؤكد مرة أخرى فشل الدولة التونسية في إيجاد حل لهذا المشكل العويص، الذي أرهق الاقتصاد التونسي الذي يعاني في الوقت نفسه من عديد المشاكل الأخرى، وليزيد في تعقيد الوضع الاجتماعي بالبلد، خصوصا أن هذا القطاع تسبب في عديد المشاكل، أشهرها تلك الأحداث التي حدثت في منطقة المتلوي من ولاية قفصة، والتي راح ضحيتها 11 قتيلا جراء اشتباكات عنيفة كان سببها الرئيسي مسألة الانتدابات المعلنة من شركة فوسفات قفصة، والرامية إلى الحد من أزمة البطالة المتفشية بالحوض المنجمي، والتي كانت محل خلاف بين أبناء عشيرتين من الجهة نفسها. 

بين المطالب المعقولة والنزعة العشائرية والحل الأمني 

رغم أن الفوسفات يعتبر ثروة تزيد في إنعاش اقتصاد أي دولة، إلا أنه يتسبب كذلك في عديد المشاكل لعل أبرزها تلك الآثار السلبية التي يخلفها على المحيط، وتلك المياه الملوثة المنسابة إلى الأودية، التي يتم تصريفها من مغاسل الفوسفات، والتي تتركز داخل مناطق العمران وكذلك ما تسببه أكداس فضلات الفوسفات، وما تتسبب به من مشاكل صحية خاصة تلك المتعلقة بالكلى والمجاري البولية وبالتنفس وانتشار الأمراض السرطانية، ضف على كل هذه الآثار عدم نجاح الدولة في استيعاب كل المطالب المعقولة لأهالي قفصة، الذين يطالبون مقابل ما يعانونه جراء هذه الكارثة الصحية بنصيبهم من التنمية وإحداث مستشفيات جامعية محترمة وتوفير أطباء الاختصاص؛ من أجل تجنيب أهالي المنطقة مشقة التحول إلى الولايات الأخرى من أجل المداواة، وكذلك استصلاح الأراضي بالمنطقة لفتح المجال أمام الاستثمارات الفلاحية، وحل الإشكالات العقارية ذات العلاقة بشركة الفوسفات والمساهمة في بناء المساكن الاجتماعية، وتوفير مواطن الشغل بصفة أكبر لأبناء الجهة الذين ظلوا يعانون لفترة طويلة من التهميش والبطالة. 

ورغم كل هذه المطالب التي تبدو في ظاهرها عقلانية، إلا أن الدولة والحكومات المتعاقبة طالما حاولت معالجة هذه الأزمة من الجانب الأمني، من خلال مواجهة الاحتجاجات التي يقوم بها أهالي الجهة بطريقة طالما تجاوزت حدود المعقول من حيث استعمال العنف، إذ لم تجد الدولة أي حلول عميقة لهذا المشكل، مما اضطر الأهالي والمحتجين إلى تعطيل نقل الفوسفات إلى المجمع الكيميائي في مدينتي صفاقس وقابس الجنوبيتين، وقطع سكك الحديد والطرقات وتعطيل الإنتاج، مما ينتج عنه تلقائيا محاولة إيقاف هذه الاحتجاجات عن طريق القوة وفتح الطرقات والدخول في مناوشات جديدة مع الأهالي في كل مرة، وهذا ما حدث عديد المرات بعد الثورة رغم أنها السياسة نفسها التي انتهجها الرئيس السابق زين العابدين بن علي في احتجاجات أهالي الحوض المنجمي سنة 2008 عندما اختار مواجهة تلك الاحتجاجات عن طريق القمع والإيقاف، ومازلنا إلى اليوم نعاني المشكل نفسه بعد 8 سنوات من تلك الأحداث. 

الحلول موجودة في انتظار القضاء على الفساد داخل الشركة 

يجمع أغلب الخبراء الاقتصاديين أن الحلول لمعضلة فوسفات قفصة موجودة، رغم تغاضي الحكومات عليها وعدم العمل بها وعدم وجود الإرادة لحل هذا المشكل، ويؤكد هؤلاء المختصون أن شركة فوسفات قفصة تعاني خصوصا من مشكل الفساد الذي ينخر جسد الشركة، والذي يجعل ملف الإصلاح عدم قابل للتطبيق، خصوصا أن هذا الفساد يرتبط بعديد الرؤوس الكبيرة في الدولة، التي طالما نهبت أموال الشركة، التي تعتبر أموال تونس، فالشركة تعاني منذ سنوات عديدة من فساد مالي وإداري ضخم أثر في مقدرة الشركة على استيعاب كل تلك الطلبات المتعلقة بالتشغيل، رغم أن مداخيل الفوسفات في العادة تكون مداخيل هائلة وبإمكانها المساعدة في التخلص من المشاكل التنموية التي تعاني منها الجهة وفي دفع عجلة الاقتصاد إلى الإمام.

ويؤكد عديد المختصين أن الحل الأمثل لشركة فوسفات قفصة يكون أولا في فتح ملفات الفساد ومحاسبة المتورطين فيها، واسترجاع الأموال التي نهبت دون وجه حق ووضع أناس أكفياء على رأس هذه الشركة من القادرين على إدارتها، وإيجاد حلول لمشاكلها ومن ثم حوكمة الشركة من خلال إدخال إصلاحات هيكلية عليها، من بينها اعتماد جزء من الأرباح السنوية في تطوير الشركة، وكذلك في المساهمة في بناء مشاريع أخرى تقوم بتشغيل أبناء الجهة، والمشاركة في التنمية بجهة من خلال بناء مستشفى جامعي بالشراكة مع الدولة وتدعيم الأنشطة الثقافية والرياضية بالجهة، ومن شأن كل ذلك أن يقلص من الإحباط الذي يعاني منه أهالي المنطقة، ويمنحهم الأمل في التمتع بثروات الجهة التي طالما كانت نقمة لهم ونعمة على الآخرين.

*صحفي تونسي