صحافة دولية

صندي تايمز: لماذا احتفى العالم بـ"الأعظم" محمد علي كلاي؟

محمد علي كلاي كان رياضيا وناشطا سياسيا عظيما- أرشيفية
احتفت صحيفة "الصندي تايمز" البريطانية، بالرياضي الأمريكي المسلم محمد علي كلاي، الذي رحل السبت، عن عمر ناهز الـ74 عاما، بعد معاناة دامت لعقود مع مرض "باركنسون".

وقالت الصحيفة البريطانية، في افتتاحيتها الأحد: "ببساطة، لم يكن مثله أحد، لم يكن هناك مقاتل بإذهاله، أو نبرة صوت بتحدي نبرة صوته، مسليا أو غاضبا، ولم يتلق أمريكي في العالم احتفاء مثله".

وأشارت الصحيفة إلى أن موت محمد علي في مشفى "فيونكس" الجمعة سبّب "موجة عالمية من الصدمة والحسرة على رحيل البطل الذي لا يقارن"، بعمر 74 عاما، بعد معاناة لعقود من مرض "باركنسون".

"رحيل عملاق"

وأضافت الصحيفة أن أحد المؤشرات على الاحتفاء الكبير بكلاي أن الرؤساء ورؤساء الوزراء والأمراء والمغنين وعددا لا يحصى من المعجبين، عزّوا بمحمد علي كلاي، ونقلوا مواقف من حياته.

وأشارت الصحيفة إلى قول رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، بأنه "قدوة للكثيرين"، وتصريح المغنية مادونا التي وصفته بـ"الرجل، الملك، البطل"، موضحة أن هذا "يدل بدون شك على أن عملاقا هو الذي رحل، وكان تأثيره عالميا ومتجاوزا للكثيرين".

وفي لويسفيل، حيث يتوقع أن يُدفن، وضع المعجبون لوحات مكتوبا عليها: "الرحمة على روحك يا بطل"، واصفين إياه بـ"الأعظم على الإطلاق"، كما أنه تم تنكيس الأعلام في المدينة بسبب رحيله.

"الأعظم"

وأشارت الصحيفة إلى تسمية كلاي لنفسه بـ"الأعظم"، وتوقعه نتائج مبارياته وتحقيقها على يديه، أشهرها، ما حصل مع البطل البريطاني هنري كوبر عام 1963 في لندن، عندما توقع أن يسقط كوبر في خمس جولات، وهو ما حصل بالفعل.

وكان أفضل وصف رياضي له، بحسب "الصندي تايمز"، ما وصفه به أحد مدربيه: "يحلق كالفراشة، ويلسع كالنحلة".

إلا أن احتفاء العالم بكلاي كان أكثر من مجرد احتفاء ببطل رياضي، وقال أحد الكاتبين الأمريكيين عن حياته إنها "لامعة وجريئة، ومليئة بالأسئلة والمغامرات، والتي تكبر مع سحر شخصيته ولعبه في الذهن".

فقد أدار علي، سليل العبيد في أمريكا، ظهره لتربيته الدينية المؤدبة، وأعلن الإسلام، وغير اسمه من كاسيوس إلى محمد علي، ثم أصبح مكروها لمدة طويلة من البيض عبر أمريكا، لإعلانه آراءه حول الأعراق وحرب فيتنام.

ورفض محمد علي كلاي الانضمام للجيش الأمريكي، ما تسبب له بحكم بالسجن لمدة خمس سنوات، وخسارة لقبه في بطولة الملاكمة في الوزن الثقيل عالميا، وشهادته بالملاكمة.

وتسبب محمد علي بمزيد من الغضب في تصريح له بمجلة "سبورتس إليستريتد"، حين قال: "لماذا يطلبون مني أن أرتدي زيا عسكريا وأذهب لبلد يبعد عني 10 آلاف ميل لألقي القنابل والرصاص على الشعوب السمراء في فيتنام، في حين يعامل من يسمون بالسود في لويسفيل مثل الكلاب؟".

وتسببت هذه الآراء لعلي بالهجوم الواسع في أمريكا، لكنها أكسبته احتراما لشجاعته بالوقوف في وجه حكومته، إلا أنها خلفت له ندبات طويلة، جعلته يظهر بحسب ما وصفه أحد الكتاب بـ"مظهر الأمير المكسور".

كلاي: "مرضي منحة"

وتسبب مرض "باركنسون"، الذي أدى لوفاة محمد علي، في اعتزاله للرياضة في عام 1981، في حين يقول المقربون إنه كان يعاني منه قبل ذلك بسنوات.

وقال الكاتب ديفيس ميلر، أحد الذين كتبوا عن محمد علي وصمموا له معرض "أو تو" عن حياته في لندن، إن "سير الملاكم المتلكئ وحديثه أصبح أبطأ منذ عام 1975"، العام الذي هزم به فريزر بعد معركة من 14 جولة في مانيلا.

ورغم أن المرض أوقف صعود علي، فإنه قال في أحد المرات لميلر إن المرض غير نظرة العالم له بعد أعوام من النقيض، إذ إنه "جعل الناس ينظرون لي بعمق وجعلني أكثر إنسانية"، واصفا ما جرى بأنه "منحة" جعلته مثل أي شخص آخر.

ميلاد الأسطورة

وبدأت قصة كلاي بسرقة دراجته، عام 1954 عندما كان عمره 12 عاما، ثم تلقيه لصفعة من شرطي أبلغه بالسرقة، ثم اقتراحه أن يتعلم الملاكمة، وهو ما قام به فعلا، ليفوز بأول مباراة كمبتدئ في العام نفسه.

في عام 1960، بعد ستة أعوام من الحادثة، تم اختياره لفريق أمريكا الوطني لأولمبيات روما، حيث فاز بميدالية ذهبية لملاكمة الوزن الخفيف.

إبان عودته إلى ولاية كنتاكي، كان التمييز العرقي متفشيا في أمريكا، فقد كان واعيا للمحاكمة الظالمة لجيم كرو ساوث، وكان عمره 13 عاما عندما تم سحل المراهق الأمريكي-الأفريقي إيميت تيل في الميسيسبي، بعد اتهامه بمغازلة امرأة بيضاء، والحكم ببراءة القاتلين الاثنين وهما من البيض، بعد محاكمة دامت 67 عاما.

وحتى بعد انتصاره في روما، وجد علي نفسه يدعى بـ"نيغرو (زنجي) الأولمبيات"، وتم منعه من الجلوس على طاولة بسبب لونه، ما دفعه إلى إلقاء ميداليته الذهبية من القرف، بحسب قوله، حيث أضاف أنه أصبح "ملاكما لأنه اعتقد أن هذه أسرع الطرق لشخص أسود كي يشتهر في بلاده".

وبعد روما، هزم علي بطل العالم في الوزن الثقيل سوني ليستون، الملقب بالدب الكبير، في شباط/ فبراير 1964، لتولد أسطورة "الأعظم" حيث صرخ من على الحلبة: "أنا ملك العالم".

من "كلاسيوس" إلى "محمد علي"

في اليوم التالي من انتصاره، أعلن علي انضمامه لـ"أمة الإسلام"، التي اعتبرت طائفة متطرفة، وغير اسمه إلى "كاسيوس إكس"، مثل الناشط الأفريقي-الأمريكي "مالكوم إكس"، ثم غيره بعد ذلك بأسبوع إلى "محمد علي".

ووصف دايفيد ريمنيك، محرر مجلة "نيويوركر"، وكاتب سيرة الذاتية لمحمد علي، بأنه "لم يكن من السهل تمييزه عن قائد سياسي أو مفكر"، مضيفا أن "أهمية علي السياسية آنذاك أنه كان رمزا للرفض والفخر الأسود مع درجة من السحر تنافس مغني الروك في ذلك الوقت".

واستذكر ريمنيك أنه كان من بين المشاهدين لمحمد علي والمعجبين به المغني فرانك سيناترا، الذي شوهد وهو يلتقط له الصور في مباراته للمرة الأولى مع فريزر عام 1971، بالإضافة إلى فرقة "البيتلز" التي زارت نادي التدريب في ميامي، والتقط أعضاؤها الصور معه.

اعتزال صعب

ولم يكن الاعتزال سهلا على محمد علي، بحسب "الصندي تايمز"، وقد حصل على الكثير من الأموال، وأنفق الكثير منها على دعم الأطفال وزوجته المطلقة، وعدد من الاستثمارات المادية.

وبعد توجيه انتباهه للتبرعات والبحث الطبي ومفاوضات إطلاق الرهائن في لبنان (1985) والعراق (1990)؛ دعي محمد علي لإشعال الشعلة الأولمبية في أطلانطا عام 1996، حيث شوهدت يداه المرتجفتان لجماهير العالم جميعا، وجعلته "محط تركيز العالم كله"، بحسب وصف ريمنك.

وأضاف ريمنك أن "الأشخاص الذين كانوا يرونه في عشاءات التبرعات أو المطارات أو الأحداث الرياضية كانوا يظنون أنهم التقوا البابا فرانسيس أو الدالاي لاما، وعندما كان يلقي نكتة أو مزحة أو يوسع عينيه كما يفعل، كان الناس يغادرون في حالة من الذهول".