قضايا وآراء

ماذا يريد "المسؤول الكبير" لتونس؟

1300x600
تصدير:
ويأبى الذي في القلبِ إلا تبيُّنا    وكل إِناءٍ بالذي فيه يَنضَحُ

من الطرائف السياسية التي يتندر بها التونسيون- وهي كثيرة- ما جرى على لسان الرئيس الباجي قائد السبسي في أحد اجتماعاته. كان رئيس الجمهورية يتحدث عن الأزمة الداخلية التي عصفت بحزب نداء تونس، عندما "أسرّ" للحاضرين بأن "المسؤول الكبير" اتصل به، وأبدى انزعاجه مما يحصل في عهده وأمام ناظرَيه من انقسامات وصراعات بين شق ابنه حافظ قائد السبسي والشق المنافس له بزعامة محسن مرزوق. بعد الاجتماع تساءل التونسيون عن هوية "المسؤول الكبير" الذي هو أكبر من رئيس الجمهورية نفسه. وكانت لهم في تأويل ذلك شطحات ليس هذا موضع سردها، ولكنّ ذهابهم في تأويل تلك الإشارة كلَّ مذهب لا ينفي شرعية السؤال وضرورة الإجابة عنه: من هو المسؤول الكبير وما الذي يريده لتونس؟

في ثقافة سياسية لا تنفصل تاريخيا وواقعيا عن الشخصنة وعن تهميش المؤسسات، فإن أغلب التأويلات كانت تذهب بالضرورة إلى تعيين بعض الأسماء التي ترى لها من القوة والسطوة ما يفوت سلطات مؤسسة الرئاسة كلها. إنها صفات تجد جذرها اللاواعي في الصفات الإلهية، ولكن بعد أن تتم "دنيوتها" أو علمنتها. فهذا "المسؤول الكبير" "كائن" هُلامي (أي قد يكون كيانا شخصيا أو مؤسساتيا)، نحن نؤمن به لأننا لا نراه ولكن نعرفه من خلال آثاره في الواقع ومساراته غير المتوقعة. إنه "المسؤول الكبير" الذي أوصل السيد باجي قائد السبسي إلى كرسي الرئاسة، وهو الذي سيحدد - من باب مديونية المعنى أو من باب موازين القوى - ما يجب على الرئيس أن يفعل في مستوى الخيارات الكبرى سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

يمكن لأي شخص يراقب أداء رئيس الجمهورية التونسية - أي رئيس دولة فاقدة لمقوّمات السيادة الوطنية - أن يعتبر تصريح السيد قائد السبسي مجرد اعتراف بحقيقة سياسية يعلمها الجميع: إنّ حكّام الدول المتخلفة والتابعة ليسوا إلا مجرد ناطقين رسميين أو مكلفين بمهمة عند "المسؤول الكبير" - ذلك المسؤول الذي لا يكون بالضرورة هو نفسه في كل دولة قُطرية - وبصرف النظر عن هوية هذا "المسؤول الكبير" التي تتصاغر أمام إرادة رئيس الدولة نفسه، فإن الخيارات السياسية الكبرى لرئيس الدولة تجعلنا نفهم "إرادته العلّية" على النحو التالي:

- هو "مسؤول" لا يريد تَونسة السيناريو المصري، ولم يطمع إلى ذلك يوما رغم كل التلبيسات النهضوية المبررة للتوافق وما حكمه من تنازلات غير مبرّرة في أغلبها. فلو أراد "المسؤول الكبير" الانقلاب على المسار الديمقراطي لكانت الموجات الارتدادية لانقلاب السيسي قد بلغت تونس، ونجحت في تغيير المشهد السياسي بالقوّة، وذلك مهما كانت الكلفة البشرية لهذا الانقلاب. وهو مسؤول يقبل بمكان صغير للإسلام السياسي، ولكن بعد أن يفرض على هذا الإسلام الاندراج ضمن مشاريع "وطنية" مختلفة عن السردية السياسية الأصلية للحركات الإسلامية الإخوانية والسلفية على حد سواء (الخلافة، أسلمة المجتمع، معاداة "الجاهلية" الغربية... الخ). وهو يقبل بهذا الإسلام السياسي"المعتدل" قصد تحقيق غايات استراتيجية ليس أقلها بيان أنه لا يعادي الإسلام في ذاته، بل لا يعادي حتى حركاته السياسية التي تقبل بقوانين اللعبة على الساحة الدولية.

- هو"مسؤول" يحرص على أن اختيار أدوات التنفيذ الأساسية من الحاضنة التقليدية للمنظومة الدستورية - التجمعية، أي إنه يفضّل التعامل مع وكلائه الموثوقين الذين انبنت عليهم سردية "الاستقلال" والتحديث وأسطورة "النمط المجتمعي التونسي". ولذلك فإنّ اختيار رؤساء الحكومات منذ الحوار الوطني الذي أنهى حكم الترويكا لم يخرج عن الحاضنة الجهوية للمنظومة القديمة، وانحصر في جهتي الساحل و"البلدية". فالكفاءة والولاء والشباب هي خصال لا تكفي بمفردها لاعتلاء كرسي القصبة، حيث يجلس رئيس الحكومة. إذ ينبغي أن يضاف إليها شرط ضروري؛ هو الانتماء إلى منطقتين معلومتين تداولتا على حكم تونس منذ عهد البدايات. وليس هذا الحديث من باب "الجهوية المضادة"، كما أنه لا يعني شيطنة منطقتي الساحل والمتحدرين من العائلات البلدية الكبرى - فأغلب مناطق الساحل هي أيضا متضررة من هذه العصابة الحاكمة مثل غيرها من الجهات - بل منتهى ما يعنيه العامل الجهوي هو أنه قد كان - ومازال - محددا أساسيا من محددات الحكم في تونس، وعاملا تفسيريا قد يساعد على فهم منطق السلطة الحاكمة دون أن يعني ذلك اختزال منطقها فيه.

- هو "مسؤول" لا ينشغل كثيرا بالمسألة الثقافية الهووية، أي إنه أقرب إلى العقل السياسي الأنغلوساكسوني منه إلى العقل السياسي الفرنكفوني. وهو يظهر تفهّما كبيرا لاستدماج الإسلاميين "المعتدلين" في المنظومة الحاكمة، باعتبار أن ذلك يحقق جملة من الأهداف التي تخدم المنظومة وتساعدها على تجاوز أزماتها الدورية: توسيع القاعدة الجهوية والزبونية للنظام مع الإبقاء على نواته الجهوية ذاتها، وتعديل جزئي لنمط الشرعية والحرص على بيان الالتزام بضوابط العمل السياسي ولإرادة الناخبين على الأقل "صوريا"، والتحكم في الشارع من خلال استدماج الإسلاميين "المعتدلين"، والحرص على أن تظهر الدولة وأجهزتها بمثابة الجسم الجاذب لا الجسم النابذ لذوي الخلفية الإسلامية.

- هو "مسؤول" يعتبر الملفَ الفلاحي في تونس ملفا ذا أولوية استراتيجية، ومن غير المستبعد أن يكون اختيار السيد الحبيب الصيد ومن بعده السيد يوسف الشاهد راجعا في جزء من محدداته العميقة إلى تخصصهما الفلاحي. فتونس ليست وجهة للاستثمار الصناعي - خاصة في الصناعات الثقيلة أو الصناعات الدقيقة - وليست أيضا منطقة جاذبة للاستثمار السياحي بحكم التهديدات الإرهابية، ولا يبقى أمام الرأسمال المُعولم ما ينهبه من تونس إلا الأراضي الفلاحية؛ حتى لو نصّ المشرّعُ صراحة على منع الأجانبَ من تملّك تلك الأراضي. ولعل ما يسند هذه الفرضية هو السيرة الذاتية للسيد يوسف الشاهد المكلف بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية: مختص في الفلاحة، أنجز أطروحة دكتوراه باللغة الفرنسية وكان من توصياتها ضرورة التحرير الكلّي للقطاع الفلاحي في تونس، طالب بالقيام بإصلاحات عقارية تسمح للأجانب بتملك الأراضي، اعتبر حقوق المزراعين والسيادة الزراعية "مفاهيم بالية"، اشتغل خبيرا لدى الأمريكان في قسم الفلاحة، وكان مكلفا بمتابعة السياسات الفلاحية في بلدان المغرب العربي وما فيها من علاقات مشبوهة مع الشركات الفلاحية متعددة الجنسيات، خاصةً عملاق البذور المعدّلة جينيا sontano. وهي كلها معطيات قد تساعد على فهم الغايات الاستراتيجية التي يريد "المسؤول الكبير" تحقيقها في تونس من خلال تكليف السيد يوسف الشاهد بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

- هو "مسؤول" يهمّه أن يعيد النظام إنتاج نفسه جهويا وطبقيا، بعيدا عن النوايا "الثورية" أو حتى الإصلاحية للأغلبية العظمى من التونسيين. وهو يحرص على أن يكون صراع توريث قصر قرطاج منحصرا في جناحي المنظومة القديمة - من البلدية والسواحلية - أما باقي الجهات الأخرى الممثلة أساسا في الاتحاد العام التونسي للشغل وفي حركة النهضة؛ فإنها ستحافظ على أدوارها الحالية باعتبارها جزءا بنيويا من المنظومة، لكن دون أن يكون لها الحق في احتلال مركزها أو تهديد نواتها الصلبة. ولفهم الرهانات الحقيقية من وراء تغيير السيد الحبيب الصيد والصراعات الجهوية التي قد تختفي وراءه، يجب أن نستحضر الفصل 84 من الدستور التونسي الذي ينصّ على ما يلي: "عند الشغور الوقتي لمنصب رئيس الجمهورية، لأسباب تحول دون تفويضه سلطاته، تجتمع المحكمة الدستورية فورا، وتقرّ الشغور الوقتي، فيحل رئيس الحكومة محل رئيس الجمهورية. ولا يمكن أن تتجاوز مدة الشغور الوقتي 60 يوما".

عندما نستحضر الحالة الصحية الحرجة للرئيس التونسي الذي امتنع - وهو المؤتمن على صيانة الدستور - حتى عن تقديم ملفه الطبي للرأي العام، وعندما نأخذ مسافة نقدية من خطابات السلطة وأذرعها الإعلامية المبررة لاختيار السيد يوسف الشاهد، فإنّ تكليف هذه الشخصية بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية يبدو محكوما باحتياجات المنظومة الحاكمة لمن يرث ساكن قرطاج - ولن يكون الوريث بالضرورة السيد يوسف الشاهد، ولكنه سيكون بالضرورة طرفا في هذا الصراع - أي إنه قرار سلطوي تحكمه مصالح مراكز القوى في القصر وخارجه، أكثر مما هو محكوم باحتياجات تونس في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها. وهو ما يعني أن السيد يوسف الشاهد لن يكون - مهما كانت نواياه وكفاءاته - جزءا من الحل، بل سيكون لبنة أخرى من لبنات الأزمة السياسية التي يتفنن السيد رئيس الجمهورية - ومن ورائه "المسؤول الكبير" - في إغراق البلاد فيها. وفي صورة ما تواصلت هذه السياسات العبثية واللاوطنية، وفي صورة عجز المعارضة عن تقديم بدائل سياسية واقعية، فإنّ الوضع التونسي قد يتجه صوب احتمالات كارثية ليس أقلها سيناريو "الدولة الفاشلة" لا قدر الله.