قضايا وآراء

هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم: وجهة نظر جغرافية

1300x600

في كل عام ومع بداية العام الهجري، نعيد قصص هجرة المصطفى إلى المدينة، لكن في هذه المحاورة أريد أن أخضع الهجرة لوجهة نظر جغرافية، وتفسير لماذا كانت المدينة هي ملجأ وملاذ النبي في هجرته، مع التأكيد على أن كل ما تم ويتم هو بإرادة الله ومشيئته سبحانه وتعالى.

فهل يمكن طرح ذلك التفسير الجغرافي والتاريخي للهجرة إلى المدينة، والإجابة على لماذا كانت المدينة وليست غيرها هي مقصد النبي في هجرته، والتي أضحت مركز دولته الناشئة في غرب الجزيرة العربية؟

يمكن أن نحاول تفسير ذلك ومرده إلى الآتي:

(1) كان من الضروري والمهم أن تكون البيئة التي ينشأ بها الإسلام بيئة جديدة وبِكرا، وكان هذا متحققاً في بيئة المدينة، فالمدينة كانت أرضاً بكراً لم يسبق لها أن كانت جزءا من دولة في القديم، حتى وإن ذكر بعض المؤرخين أن يثرب كانت خاضعة لدولة معين في اليمن، فإن هذا الخضوع لم يكن يتعدى دفع الضرائب، وتأمين طرق التجارة والقوافل إلى الشام، كذلك يمكن القول إن المدينة لم يكن بها نظام سياسي قبل النظام الإسلامي، وبذلك فإن النظام الذي أقامه الرسول عليه السلام وبنائه لدولته الجديدة دولة الإسلام والمسلمين في المدينة هي نقطة إنطلاق جديدة وحديثة لسكان تلك البلد والمنطقة بأجمعها. ومن ثم فإن المدينة كانت مهيئة بطبيعتها بأن تستقبل النبي ودولته ويؤسس فيها ولها نظامها الجديد ويعيد تشكيل وبناء ما فيها لصالح الدعوة والدين.

(2) أن البناء الحضاري والاستقرار البشري يقوم دائماً حول أهم نشاط مارسه الإنسان وأقصد به النشط الزراعي، والمدينة كانت تمتاز بذلك، فمنذ أن عرفت المدينة باسم يثرب نسبة إلى يثرب بن قاينة بن مهلائيل أحد أحفاد سام بن نوح، وهي مدينة غنية بالأراضي الزراعية والمياه إلى جانب مرور طرق التجارة بها، فكانت (المدينة) بذلك تحقق ركناً من أركان الاستقرار البشري حول مزارعها وآطامها ونخيلها ومصادر مياها، الأمر الذي جعل سكانها في استقرار دائم حول أراضيهم الزراعية ومزارعهم الغنية، فكانت أرض استقرار للرسول والإسلام، مقارنة بما كان عليه الحال في مدينة مكة حيث النشاط التجاري المؤدي إلى الرحلة والترحال.

(3) القيم الأخلاقية التي كانت المدينة وسكانها يحملونها قيم وسمات العرب من الفداء والتضحية والكرم، ولم تلوث تلك القيم والشخصية العربية بمثل ما تلوثت به سلوكيات بعض العرب في أطراف الجزيرة حينما جاوروا بعض الحضارات والثقافات المشينة لقيم وتقاليد الإنسان السليمة، كما حدث لدولة الحيرة من انتشار ديانة المزدكية بها نتيجة قربهم من الفرس، وانتشار الديانة النصرانية في الغساسنة "روم العرب" وما دخل عليها من تبديل وتحريف، فكانت المدينة رغم ما بها من يهود أقرب إلى الفطرة مقارنة بما كان عليه هؤلاء، أو ما كان من صراعات دينية في اليمن بين اليهودية والنصرانية، ناهيك عن الصراعات السياسية في بلاد الشام والفرس حيث بيتا قيصر وكسرى.

(4) أن اختيار المدينة وإن بعدت نوعاً ما عن مكة نحو 500 كيلو متر عبر الدروب والطرق (نحو 340 على الخريطة) فإن هذا البعد لا يقارن ببعد الشام وبعد اليمن، فمثلاً المسافة بين مكة ودمشق نحو 1400كم، ومن مكة لليمن نحو 1000كم، أي أن المدينة كانت مجرد مرحلة على طريق الشام، حيث رحلة الصيف، فالمدينة بعيدة عن مكة ولكن ليست نائية عنها، وهذا البعد هو أكبر دليل على أن الرسول عليه السلام ودعوته لن تبعد عن بيت الله الحرام، البيت المعمور، وأن هذه الهجرة هجرة للتأسيس والبناء وهجرة للإنطلاق والعودة مرة أخرى إلى مكة فاتحين لها ومخلصينها من براثن الإفك الذي يحيط بها والأصنام التي تملأ بيت الله الحرام.

(5) تشير الروايات أن الرسول خرج إلى الطائف وعومل معاملة قاسية حتى أنه سُر عنه برحلة الإسراء والمعراج، ورغم قرب الطائف إلا أنها لم تكن مقصد هجرة الرسول، نظراً لأنها تقع في نطاق سيطرة مكة فقد كانت مصيفاً لسراة مكة وعوائلها الثرية، وكان المطلوب أن تكون الهجرة خارج نطاق سيطرة مكة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وذلك كي يستطيع الرسول أن يؤسس دولته دون سيطرة وهيمنة دولة أخرى، وتأسيس دولة يمتلك فيها الإسلام والمسلمون رباعية أركان ومقومات الدولة "الأرض، الشعب، السلطة، والسيادة" فكانت الأرض المدينة ملكاً لأهلها من الأوس والخزرج ناهيك عن اليهود المجاورين لهم، وكان الشعب مكوناً من الأنصار والمهاجرين وغيرهم من القبائل، والسلطة والسيادة لأهلها، حتى أنهم كادوا أن ينصبوا عبد الله بن أبي بن سلول، قبل مجئ الرسول عليه السلام إليها فكانت السلطة والسيادة للرسول صلى الله عليه وسلم.

(6) أن المدينة أقرب إلى المراكز الحضارية للعالم وقتذاك والقوى العالمية التي كانت تسيطر على مقاديره وهما امبراطوريتي الفرس والروم، ومن ثم فإن اختيار الموقع هو أن تقع على مقربة من تلك القوى العظمى، وإرهاصة لما سيأتي بعد ذلك من استعادة العرب لجزيرتهم مرة أخرى من يد من استولوا عليها، فالعراق بحضاراتها المختلفة أرض عربية وحضارات عربية، والشام بسكانها وحضاراتها كنعانيها وفينيقيها سكان عرب وأرض عربية وقعت في قبضة الروم، فكانت المدينة هي اقتراب تجهيزاً للوثبة القادمة حيث الفتوح الإسلامية والخروج الإسلامي لتلك الأراضي.

(7) إيجاد مواطن للأقدام والتجهيز لعملية الهجرة قد بدأت إرهاصاتها منذ العام الحادي عشر من بعثة النبي، وذلك عندما أسلم نحو ستة من أهل يثرب وواعدوا النبي إبلاغ أهلهم، فما كان منهم إلا أن عادوا في العام الثاني من الحج وهم نحو اثنا عشر رجلا حيث بايعوا الرسول في بيعة العقبة الأولى (عند عقبة منى)، وما تلاها من إرسال أول سفير في الإسلام وهو سيدنا مصعب بن عمير إلى المدينة كي ينشر الإسلام بين أهلها، وذلك في العام الثاني عشر من البعثة النبوية، وعاد بعد عام يحمل بشائر الفوز، ويقص عليه خير أهل يثرب، وما فيها من مواهب الخير، ثم كانت بيعة العقبة الثانية وفيها تأكد أن ارهاصات الهجرة للمدينة أصبحت حقيقة بعد أن وفد نحو 75 من أهل المدينة لبيعة النبي، فكانت الهجرة إلى أرض تم إعداد مسرح الأحداث البشرية والحضارية بها تجهيزاً للخروج إليها.

(8) أن هجرة النبي إلى المدينة لم تكن هجرة شخص غريب إلى أرض غريبة، فعلى الرغم من أن النبي ترك أهله في مكة، فإن هؤلاء لم يكونوا يمثلون سوى نصف أسرته عليه السلام، وذلك لأن أخواله كانوا بالمدينة، ومن ذلك فإن الرسول ترك أهله ليلحق بأهله، أي أن الهجرة كانت امتدادا بشريا بين مدينتين، مثّل الرسول الجسر الواصل بينهما في تلك الفترة الزمنية.

(9) أن أدوار التاريخ والحضارات تشير إلى أن الدور كان مقرراً على أن يكون قلب الجزيرة العربية، ممثلة في أراضي الحجاز، هو مصدر الرسالة والحضارة للبشرية جمعاء، فإذا كانت أطراف الجزيرة قامت بها حضارات ومدن قديمة ذكرها التاريخ ولا زال يذكرها سواء في اليمن السعيد جنوب الجزيرة العربية، أو حضارات بلاد الرافدين وحضارات بلاد الشام والفينيقيين، وجميعها، حضارات عربية ومن أصول عربية من قلب الجزيرة العربية، وهو ما يغض المؤرخون الطرف عنه، نعود بأن الدور كان على بلاد الحجاز، التي كان الكثير يرى فيها أنها ليست إلا أراضي جدباء لا شيء فيها يستحق العناء، أن تكون مركزاً لدورة حضارية وبشرية مثلت خاتمة مطاف الرسالات السماوية، فكانت المدينة هي المركز في بادئ الأمر ثم كانت مكة بعد الفتح، لتمثلا معاً القلب الديني والثقافي لما لا يقل عن مليار ونصف مليار من المسلمين.