ملفات وتقارير

"جيوبوليتكال": كيف أصبحت مصر كيانا إقليميا بلا قوة؟

تدهورت الأوضاع الاقتصادية في مصر بعد الانقلاب الذي قاده السيسي - أرشيفية
قال تقرير صادر عن موقع "جيوبوليتكال فيوتشرز"، إن نفوذ وقوة مصر تراجعت كثيرا حلال العقود الأخيرة، بعدما كانت لزمن طويل مركزا ثقافيا وسياسيا للعالم العربي.

وقال التقرير الذي رصد أسباب تراجع مكانة مصر عربيا وعالميا وترجمته "عربي21"، إنه ومنذ ثورة يناير 2011، فقد تلقت مكانة مصر في المنطقة ضربة قوية وباتت القضايا السياسية والاقتصادية المحلية تفرض قيودا على مكانة مصر التي كانت سابقا في مستوى الريادة، واستبعد معدو التقرير أن تتعافي مصر في المستقبل المنظور.

وعن الوضع الداخلي، قال التقرير إن الحكومة لا تواجه أي تحديات من المعارضة المصرية، إلا أن النظام يشكل تهديدا ذاتيه لنفسه، فبرغم أن النظام السلطوي السابق في عهد محمد حسني مبارك قادرة على الحد من المشاكل الاقتصادية، فإن النظام الحالي لم يعد باستطاعته السيطرة على مشاكل البلاد.

ورغم أن مصر قد لا تنهار اقتصاديا، فإنه من غير المحتمل أيضا أن تتمكن من تحسين اقتصادها المحلي ناهيك عن أن تتمكن من مد نفوذها إلى خارج حدودها.

وغادرت مصر مربع الأقوياء الذي يضم المملكة العربية السعودية وإيران وتركيا وإسرائيل، رغم أنها كانت القلب الفكري والثقافي للعالم العربي، وصاحبة أكبر جيش عربي، والقطر الأكبر سكانيا.

 وبدأ الانهيار في مصر بحسب التقرير، في ثمانينيات القرن العشرين، حيث بدأت تفقد قدرتها على تشكيل الشرق الأوسط، وذلك بسبب عدد من القضايا الأمنية والاقتصادية المحلية.

وتفاقمت مشاكل مصر بعد إسقاط النظام في 2011، إلا أن النظام العسكري الذي يهيمن على البلاد لم يسقط، لكنه تضرر بحيث أن انعدام الاستقرار دفع مصر للاعتماد على المساعدة المالية الخارجية هائلة حتى تتمكن من إدارة اقتصادها السياسي، وغدت القاهرة تعتمد على المملكة العربية السعودية وعلى الحلفاء الآخرين من أثرياء الطاقة داخل دول مجلس التعاون الخليجي في تسديد ما عليها من فواتير. 

وتردى الاقتصاد بشكل أكبر بعد الانقلاب الذي قاده وزير الدفاع آنذاك عبد الفتاح السيسي، على أول رئيس مدني منتخب، هو محمد مرسي، ثم ما لبث أجريت انتخابات رئاسية صعدت بالسيسي إلى سدة الحكم في 2014.

وآخر مظاهر التردي الاقتصادي هي موافقة المصرف المركزي المصري على تخفيض قيمة الجنيه المصري من 8.8 إلى 13 جنيه للدولار الواحد في سبيل استيفاء الشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي لتزويد مصر بقرض يبلغ 16 مليار دولار، بينما السعر في السوق الحرة وصل إلى 18 جنيها للدولار الواحد.

وأشار التقرير إلى أنه ونتيجة لذلك، فـ"سوف ترتفع أسعار السلع المستوردة إلى مصر بما نسبته 45 بالمائة. وفي الوقت نفسه، سوف ترتفع أسعار الغاز بما يتراوح من 30 إلى 47 بالمائة وفقا لنوع الغاز. إضافة إلى ذلك، فقد بدأ تفعيل قرار رفع الدعم الحكومي عن الوقود في مصر الأسبوع الماضي كجزء من خطة تستهدف تخفيض فاتورة دعم السلع بما نسبته 14 بالمائة". 

وبعدما قاومت القاهرة تخفيض الدعم لسنوات، فإنها رضخت أخيرا بسبب ما طرأ على عملتها من تخفيض قيمة ثم تعويم، وهو الأمر الذي أقر به رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل، عندما قال للصحفيين في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر: "اليوم، لم تعد لدينا رفاهية تأجيل هذه القرارات. اليوم لم يعد بإمكاننا أخذ قرارات مسكنة للآلام". جاءت هذه التغييرات في وقت كان المصريون فيه يسعون للتكيف مع تخفيض الدعم الحكومي الذي نجم عنه زيادة أسعار الكهرباء بما يقرب من 40 بالمائة ابتداء من شهر آب/ أغسطس. ناهيك عن أنه بدأ الآن العمل بفرض ضريبة القيمة المضافة التي أقرها البرلمان في آب/ أغسطس بمعدل 13 بالمائة. 

وكجزء من الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، فقد احتاجت مصر إلى ضمان ما يقرب من ستة مليارات دولار كدعم مالي إضافي تحصل عليه من بلدان أخرى. وتلقت مصر ملياري دولار من المملكة العربية السعودية ومليار دولار من دولة الإمارات العربية المتحدة، وبناء على تصريح لمسؤول في المصرف المركزي في الثلاثين من تشرين الأول/ أكتوبر فقد توصلت البلاد إلى إبرام صفقة تبادل عملات مع الصين بقيمة 2.7 مليار دولار. ولكن حتى الآن لم يتم ضمان سوى 60 بالمائة من التمويل الثنائي ولا تزال القاهرة تسعى جاهدة لتوفير الـ40 بالمائة المتبقية. ولقد حذر طارق عامر، رئيس المصرف المركزي المصري، من أنه لن يتسنى رؤية الفوائد الاقتصادية المرجوة من التغييرات الأخيرة حتى عام 2018. 
 
وتنفق مصر ما يصل إلى 10 بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي على دعم السلع، ويشكل دعم أسعار المحروقات ما يقرب من ثلثي هذا الإنفاق. ونظراً لأن الحكومة قررت تعويم عملتها فسوف تواجه مصر – التي تعتمد على الاستيراد لتوفير احتياجاتها من الطاقة – تكاليف أعلى للحصول على البنزين وغيره من المنتجات النفطية، وسيشهد المصريون ارتفاعا في التكاليف أيضا بسبب خفض الحكومة للدعم الذي كانت توفره لهذه السلع. 

 وفي هذه الأثناء بادر السعوديون في الشهر الماضي إلى إعلام المصريين بأنهم سيتوقفون عن تزويدهم بالمنتجات النفطية المكررة، رغم أن الرياض كانت قد وافقت في وقت مبكر من هذا العام على تزويد القاهرة بـ700 ألف طن من المنتجات النفطية المكررة شهريا ولمدة خمسة أعوام. وقد قدرت قيمة ذلك بما يقرب من 20 مليار دولار. وكان المتحدث باسم وزارة النفط المصرية حمدي عبد العزيز قد صرح بأن المملكة لم تفصح عن أسباب التوقيف ولم تتقدم ببرنامج زمني حول موعد تنفيذ ذلك. وما من شك في أن القرار السعودي يزيد من العبء الذي يحمله المصريون على كواهلهم، وسيضطرون بسببه إلى البحث عن مصادر بديلة (والأغلب أنها ستكون أكثر كلفة) للمنتجات النفطية المكررة، بما يعني أنهم في الأغلب سيتكبدون المزيد من الإنفاق. 

وتابع التقرير بأنه "إضافة إلى الضغط الاقتصادي الناجم عن تكاليف المنتجات النفطية تراجع الدخل من السياحة، والتي تعتبر مصدرا أساسيا من مصادر الدخل في مصر، بما نسبته 15 بالمائة في عام 2015. لم يزر مصر في عام 2015 سوى مليون سائح مقارنة بما يقرب من 1.7 مليون سائح زاروها في عام 2014 وما يقرب من 1.4 مليون سائح زاروها في عام 2013". 

 وما يزيد المشهد المصري قتامة هو معدل البطالة في البلاد إذ إنه "يبلغ تعداد سكان مصر ما يقرب من 90 مليونا تتراوح أعمار 40 بالمائة منهم ما بين 10 أعوام و20 عاما. تقدر نسبة البطالة الإجمالية بين الشباب في مصر بما يقرب من 30 بالمائة، أي ما يزيد عن ضعف معدل البطالة الكلي البالغ 12.8 بالمائة. أما معدل البطالة بين خريجي الجامعات فيقدر بما يقرب من 34 بالمائة مقارنة بما لا يزيد على 2.4 بالمائة بين الفتيان الذين لم يحصلوا سوى على التعليم الابتدائي. تعتبر هذه الإحصائيات مقلقة بشكل خاص لأن الشباب يمكن أن ينفجروا ويشكلوا حالة من الاضطراب والقلقلة عندما تصعب الحياة وتزداد الأوضاع الاقتصادية تأزما. يضاف إلى ذلك أن معدل التضخم الوطني في مصر تخطى العشرة بالمائة في نيسان/ إبريل الماضي ويقدر حاليا بما يقرب من 15.5% بالمائة. وتواجه الحكومة عجوزات ضخمة في الميزانية وفي الحساب الجاري – ما يقرب من 12 بالمائة وما يقرب من 7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي على الترتيب. ويذكر أن احتياطي العملات الأجنبية كان 36 مليار دولار في زمن الثورة التي اندلعت عام 2011 وظل يتراجع إلى أن وصل في تموز/ يوليو الماضي إلى 5ر15 مليار دولار، ثم ما لبث أن ارتفع حتى وصل حالياً إلى 19.6 مليار دولار، ولكن فقط بعد أن ضخت دول مجلس التعاون الخليجي دفعة جديدة من المال. تشير هذه الأرقام إلى أنه سيكون صعباً جداً على القاهرة إصلاح الاقتصاد القومي". 

وعن الأوضاع السياسية الداخلية للبلاد، قال التقرير إن النظام لا يواجه تحديات من أي حركة منظمة أو معارضة، إلا أن التحدي ينبع من داخل النظام نفسه، بما في ذلك التهديد الأكبر الذي يتربص بها وهو الاقتصاد المضطرب جدا. يواجه النظام في هذه الجبهة قيودا هائلة – جزئيا لأنه ورث الكثير من المشاكل التي برزت بعد الربيع العربي. ويواجه العديد من المشاكل الهيكلية المستمرة والتي لا يمكن أن تحل على المدى القصير، وهو وضع يزيد من تعقيده النقص الحاد في موارد الدولة. 

ولخص التقرير بأن "مناخ ما بعد الربيع العربي أكثر تقلبا وقابلية للانفجار مما كان عليه المناخ أثناء ثورة الخبز. إلا أن النظام الذي وجد نفسه في وضع في غاية الصعوبة لم يجد مفرا من السعي لضمان تمويل من صندوق النقد الدولي حتى يحول دون مزيد من التردي في الوضع الاقتصادي، وخاصة بعد أن تبين أن المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج غير قادرة على مساعدة مصر بسبب تهاوي أسعار النفط من جهة وارتفاع نفقاتها المحلية والخارجية بسبب الفوضى العارمة التي تضرب المنطقة من جهة أخرى. فيما لو ساءت الأوضاع الاقتصادية وبلغت حدا لا يحتمل من التردي وخرج الناس إلى الشوارع فسوف يصبح السيسي هو كبش الفداء للنظام، وسيضطر الجنرالات تارة أخرى إلى فتح النظام السياسي، وخلع الرئيس، والسماح بجولة أخرى من الانتخابات الديمقراطية حتى يتسنى تجاوز العاصفة الاقتصادية بسلام".
 
وتاليا ترجمة خاصة لـ"عربي21" للتقرير:

لاحظ الكثيرون من قرائنا أننا لا نشمل مصر ضمن القوى الأربع في الشرق الأوسط (تركيا، إسرائيل، إيران، المملكة العربية السعودية). كتب إلينا البعض مستفسراً عن المنطق الذي ننطلق منه في هذا التقييم. وهو استفسار معقول إذا ما أخذنا بالاعتبار أن البلد طالما شكل القلب الفكري والثقافي للعالم العربي، وما يزال القطر الأكبر من حيث تعداد السكان. كما تحتفظ مصر بأكبر جيش عربي (والذي يحتل المرتبة الثانية عشرة من حيث الحجم على مستوى العالم). 
 
بالرغم من هذه العوامل، فإن مصر ما فتئت منذ ثمانينيات القرن العشرين تفقد قدرتها على تشكيل الشرق الأوسط، وذلك بسبب عدد من القضايا الأمنية والاقتصادية المحلية. ومع ذلك فقد تمكنت من التقدم ببطء. وذلك أن الضعف المتزايد للدولة السلطوية حجبه عن العيان قدرتها على قمع كل من يخالفها أو يعارضها محليا.. إلا أن هذا القشرة ما لبثت أن تكسرت في مطلع عام 2011 باندلاع انتفاضة الربيع العربي والتي نجم عنها خلع الرئيس السابق حسني مبارك. 
 
وكانت العوامل المشكلة لأزمة مصر الحالية، وبطرق شتي، موجودة حتى قبل خلع مبارك، إلا أنها تفاقمت بسبب الربيع العربي. وهنا، لابد من ملاحظة أنه بالرغم من أن النظام الذي يهيمن عليه العسكر لم يتم إسقاطه في عام 2011 إلا أن المنظومة السياسية تعرضت للهز بما يكفي أن تضطر الدولة للمكابدة من أجل الحفاظ على الاستقرار. وعلى مدى الأعوام الخمسة الماضية، وتحديداً منذ انفجار الاضطرابات الجماهيرية في الخامس والعشرين من يناير 2011، أضعف انعدام الاستقرار مصر لدرجة أنها باتت بحاجة إلى مساعدة مالية خارجية هائلة حتى تتمكن من إدارة اقتصادها السياسي. وحتى بالرغم من أن المنطقة تمكنت حتى الآن من إطفاء جذوة الانتفاضة إلا أن القاهرة غدت وبشكل متزايد تعتمد على المملكة العربية السعودية وعلى الحلفاء الآخرين من أثرياء الطاقة داخل دول مجلس التعاون الخليجي في تسديد ما عليها من فواتير. 
 
المشهد الاقتصادي القاتم
 
من الضروري حتى نفهم لماذا وقع التراجع في قوة ونفوذ مصر أن ندقق في اقتصادها الذي تردى بشكل كبير منذ انقلاب يوليو 2013 والذي قام من خلاله قائد العسكر عبد الفتاح السيسي بانتزاع السلطة من الرئيس محمد مرسي، الذي كان أول رئيس منتخب ديمقراطيا وعضوا في جماعة الإخوان المسلمين (أكبر تنظيم في الجانب الإسلامي من الطيف السياسي المصري). ثم ما لبث السيسي أن انتخب رئيساً في عام 2014. 
 
في خطوة غير مسبوقة الأسبوع الماضي، وفي سبيل استيفاء الشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي لتزويد مصر بقرض يبلغ 16 مليار دولار، قرر المصرف المركزي في مصر تخفيض قيمة الجنيه المصري من 8.8 إلى 13 جنيه للدولار الواحد، ثم عومه. ومنذ ذلك الحين وصلت سعر الدولار في السوق الحرة إلى 18 جنيهاً. ونتيجة لذلك، سوف ترتفع أسعار السلع المستوردة إلى مصر بما نسبته 45 بالمائة، وفي الوقت نفسه سوف ترتفع أسعار الغاز بما يتراوح من 30 إلى 47 بالمائة طبقاً لنوع الغاز. إضافة إلى ذلك، بدأ تفعيل قرار رفع الدعم الحكومي عن الوقود في مصر الأسبوع الماضي كجزء من خطة تستهدف تخفيض فاتورة دعم السلع بما نسبته 14 بالمائة. 
 
وكانت القاهرة قد قاومت تخفيض الدعم لسنوات، إلا أنها رضخت أخيراً بسبب ما طرأ على عملتها من تخفيض قيمة ثم تعويم – وهو الأمر الذي أقر به رئيس الوزراء المصري شريف إسماعيل عندما قال للصحفيين في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر: "اليوم، لم تعد لدينا رفاهية تأجيل هذه القرارات. اليوم لم يعد بإمكاننا أخذ قرارات مسكنة للآلام." جاءت هذه التغييرات في وقت كان المصريون فيه يسعون للتكيف مع تخفيض الدعم الحكومي الذي نجم عنه زيادة أسعار الكهرباء بما يقرب من 40 بالمائة ابتداء من شهر آب/ أغسطس. ناهيك عن أنه بدأ الآن العمل بفرض ضريبة القيمة المضافة التي أقرها البرلمان في آب/ أغسطس بمعدل 13 بالمائة. 
 
كجزء من الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، احتاجت مصر لضمان ما يقرب من ستة مليارات دولار كدعم مالي إضافي تحصل عليه من بلدان أخرى. تلقت مصر ملياري دولار من المملكة العربية السعودية ومليار دولار من دولة الإمارات العربية المتحدة، وبناء على تصريح لمسؤول في المصرف المركزي في الثلاثين من أكتوبر فقد توصلت البلاد إلى إبرام صفقة تبادل عملات مع الصين بقيمة 2.7 مليار دولار. ولكن حتى الآن لم يتم ضمان سوى ستين بالمائة من التمويل الثنائي وما تزال القاهرة تسعى جاهدة لتوفير الأربعين بالمائة المتبقية. ولقد حذر طارق عامر، رئيس المصرف المركزي المصري، من أنه لن يتسنى رؤية الفوائد الاقتصادية المرجوة من التغييرات الأخيرة حتى عام 2018. 
 
تنفق مصر ما يصل إلى عشرة بالمائة من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي على دعم السلع، ويشكل دعم أسعار المحروقات ما يقرب من ثلثي هذا الإنفاق. ونظرًا لأن الحكومة قررت تعويم عملتها فسوف تواجه مصر – التي تعتمد على الاستيراد لتوفير احتياجاتها من الطاقة – تكاليف أعلى للحصول على البنزين وغيره من المنتجات النفطية، كما سيشهد المصريون ارتفاعاً في التكاليف أيضاً بسبب خفض الحكومة للدعم الذي كانت توفره لهذه السلع. 
 
في هذه الأثناء، بادر السعوديون في الشهر الماضي إلى إعلام المصريين بأنهم سيتوقفون عن تزويدهم بالمنتجات النفطية المكررة رغم أن الرياض كانت قد وافقت في وقت مبكر من هذا العام على تزويد القاهرة بسبعمائة ألف طن من المنتجات النفطية المكررة شهرياً ولمدة خمسة أعوام. وقد قدرت قيمة ذلك بما يقرب من عشرين مليار دولار. وكان المتحدث باسم وزارة النفط المصرية حمدي عبد العزيز قد صرح بأن المملكة لم تفصح عن أسباب التوقيف ولم تتقدم ببرنامج زمني حول موعد تنفيذ ذلك. ما من شك في أن القرار السعودي يزيد من العبء الذي يحمله المصريون على كواهلهم، وسيضطرون بسببه إلى البحث عن مصادر بديلة (والأغلب أنها ستكون أكثر كلفة) للمنتجات النفطية المكررة، بما يعني أنهم في الأغلب سيتكبدون المزيد من الإنفاق. 
 
إضافة إلى الضغط الاقتصادي الناجم عن تكاليف المنتجات النفطية تراجع الدخل من السياحة، والتي تعتبر مصدرا أساسيا من مصادر الدخل في مصر، بما نسبته 15 بالمائة في عام 2015. لم يزر مصر في عام 2015 سوى مليون سائح مقارنة بما يقرب من 1.7 مليون سائح زاروها في عام 2014 وما يقرب من 1.4 مليون سائح زاروها في عام 2013. 
 
ثمة عامل آخر يساهم في رسم هذه الصورة القاتمة للاقتصاد المصري، ألا وهو معدل البطالة فيها. يبلغ تعداد سكان مصر ما يقرب من 90 مليونا تتراوح أعمار أربعين بالمائة منهم ما بين عشرة أعوام وعشرين عاماً. تقدر نسبة البطالة الإجمالية بين الشباب في مصر بما يقرب من ثلاثين بالمائة، أي ما يزيد عن ضعف معدل البطالة الكلي البالغ 12.8 بالمائة. أما معدل البطالة بين خريجي الجامعات فيقدر بما يقرب من 34 بالمائة مقارنة بما لا يزيد عن 2.4 بالمائة بين الفتيان الذين لم يحصلوا سوى على التعليم الابتدائي. تعتبر هذه الإحصائيات مقلقة بشكل خاص لأن الشباب يمكن أن ينفجروا ويشكلوا حالة من الاضطراب والقلقلة عندما تصعب الحياة وتزداد الأوضاع الاقتصادية تأزماً. يضاف إلى ذلك أن معدل التضخم الوطني في مصر تخطى العشرة بالمائة في إبريل الماضي ويقدر حالياً بما يقرب من 15.5 بالمائة. كما تواجه الحكومة عجوزات ضخمة في الميزانية وفي الحساب الجاري – ما يقرب من 12 بالمائة وما يقرب من 7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي على الترتيب. ويذكر أن احتياطي العملات الأجنبية كان 36 مليار دولار في زمن الانتفاضة التي اندلعت عام 2011 وظل يتراجع إلى أن وصل في تموز/ يوليو الماضي إلى 15.5 مليار دولار، ثم ما لبث أن ارتفع حتى وصل حاليا إلى 19.6 مليار دولار، ولكن فقط بعد أن ضخت دول مجلس التعاون الخليجي دفعة جديدة من المال. تشير هذه الأرقام إلى أنه سيكون صعبا جدا على القاهرة إصلاح الاقتصاد القومي. 
 
النظام يشكل تهديدا لذاته

 
لقد دمرت الأوضاع الاقتصادية المتردية في مصر رأس المال السياسي الضخم الذي كان يتمتع به السيسي حينما استولى على السلطة مسنوداً بمطلب شعبي، وكان حينها ينظر إليه على أنه منقذ البلاد.. (بالفعل، خرج عشرات الملايين من الناس إلى الشوارع خلال انقلاب الثالث من تموز/ يوليو 2013 لإسقاط حكومة الإخوان المسلمين غير المرغوب بها والتي لم يطل بها المقام). نجحت حكومة السيسي جزئيا لأنها كانت قادرة وبسرعة على قمع أي معارضة من أنصار الإخوان المسلمين، وقد تيسر ذلك إلى حد كبير لأن أجهزة أمن الدولة احتفظت بقوتها وبقدراتها القمعية طوال حالة الغليان التي شهدتها البلاد في عام 2011. إلا أن تحييد أو تعطيل المعارضة السياسية لا يسعف القاهرة في الجبهة الاقتصادية. 
 
لقد استفاد السيسي من تقطع أوصال المشهد السياسي في مصر. مادام معارضوه السياسيون منقسمين فسيتمكن النظام من اللعب بهم وإلهاء بعضهم ببعض. وهذا ينطبق على طرفي المعارضة الأيديولوجية: الإسلامية والعلمانية. توجد في الطرف العلماني من الطيف السياسي عدة كيانات صغيرة لا تحظى بشعبية واسعة. وفي الطرف الإسلامي تواجه جماعة الإخوان المسلمين (وهي كبرى الحركات الإسلامية) تحديات من مجموعات منافسة، وبشكل خاص من قبل أكبر حزب سلفي، حزب النور، والذي يدعم السيسي. 
 
واستفاد السيسي من تهديد الجهاديين المصريين في تعزيز حكومته. وتمكنت القاهرة من استخدام تهديد تنظيم الدولة الإسلامية واستغلال ما آلت إليه الأوضاع في ليبيا وسوريا والعراق واليمن لمنع القوات الإسلامية المتمردة من تحقيق نجاحات كثيرة. تحقق ذلك للنظام من خلال اللعب على خوف الجمهور من انتشار الفوضى. وكان السيسي قد حذر بأن القلاقل ستخدم تنظيم الدولة الإسلامية ويمكن أن تؤدي في نهاية المطاف إلى أوضاع مشابهة لما هو حاصل في الخارج. ورغم أن مصر شهدت سلسلة من الهجمات التي شنها الجهاديون ممن يوالون تنظيم الدولة بعد وقت قصير من وصول السيسي إلى السلطة يبدو أن جهاز مخابرات الدولة قد تمكن إلى حد كبير من القضاء على التهديد وحصره داخل شبه جزيرة سيناء. 
 
لا يواجه النظام تحديات من قبل أي حركة منظمة، سواء كانت سلمية أو عنيفة. ولذلك من غير المستبعد أن يتم إسقاط النظام على يد جماعة معارضة. إنما ينبع التحدي الذي تواجهه حكومة السيسي من داخل النظام نفسه، بما في ذلك التهديد الأكبر الذي يتربص بها وهو الاقتصاد المضطرب جدا. يواجه النظام في هذه الجبهة قيوداً هائلة – جزئياً بسبب أنه ورث الكثير من المشاكل التي برزت بعد الربيع العربي. ويواجه العديد من المشاكل الهيكلية المستمرة والتي لا يمكن أن تحل على المدى القصير، وهو وضع يزيد من تعقيده النقص الحاد في موارد الدولة.  
 
إلى حد بعيد كثير من مشاكل البلد الاقتصادية مزمنة ولذلك فهي مرتبطة بالمجتمع ومتغلغلة فيه. على سبيل المثال، وبالرغم من التعداد السكاني الضخم إلا أن مصر تحظى بموارد قليلة جداً. ورغم أن لديها بعض احتياطيات من الغاز الطبيعي إلا أنها تحولت من مصدر للغاز إلى مستورد له، الأمر الذي كان له تأثير سلبي إضافي على الاقتصاد. بالإضافة إلى ذلك، يقيم معظم السكان على امتداد وادي النيل، الأمر الذي يخلق مشاكل مرتبطة بالكثافة السكانية وتقليص المساحة التي تجري فيها النشاطات الاقتصادية. ليس بإمكان أي حكومة تغيير هذا الواقع الموجود فعلياً على الأرض. 
 
إضافة إلى ذلك تحد طبيعة النظام من خياراته في مواجهة القضايا الاقتصادية. لقد صممت الجمهورية المصرية الحديثة، التي تأسست في عام 1952 عندما قاد جمال عبد الناصر مجموعة من ضباط الجيش أطاحت بالنظام الملكي، بحيث يكون الجيش في القلب منها. منذ ذلك الحين كل رؤساء مصر (فيما عدا مرسي الذي حكم لعام واحد بعد الربيع العربي) كانوا ضباطاً سابقين في الجيش. وتبقى القوات المسلحة هي المؤسسة الوحيدة التي تحتفظ بتماسكها في البلاد وتستمر في التحكم بقطاعات واسعة من الاقتصاد منذ أن تأسست الجمهورية تاركة مجالاً ضيقاً جداً للقطاع الخاص. 
 
وهوى ما كان يوما عظيما
 
كان انقلاب عام 1952 ثورة محلية بقدر ما كان ثورة إقليمية، حيث تمخض عنه قيادة مصر للقومية العربية أثناء حكم جمال عبد الناصر. وخلال الخمسينيات ثم الستينيات من القرن العشرين قاد المصريون الحراك الذي كان يدفع باتجاه إقامة منظومة جمهورية علمانية مناهضة للأنظمة الملكية التقليدية بقيادة السعوديين. ما لبث نفوذ المصريين أن امتد إلى شمال أفريقيا وبلاد الشام والجزيرة العربية وبلاد الرافدين. ومن خلال مبادرات لم تعمر طويلاً قامت مصر بتشكيل وحدة سياسية مع سوريا في عام 1958 لإنشاء الجمهورية العربية المتحدة، والتي شكلت فيما بعد نوعاً من الكونفدرالية الفضفاضة مع المملكة المتوكلية في اليمن (والتي تعرف أيضاً باسم اليمن الشمالي). أطلق على هذه الكونفدرالية اسم الولايات العربية المتحدة. إلا أن القومية القائمة على أساس الدولة القطرية (القومية) تفوقت على نموذج القومية العربية مما أدى في نهاية المطاف إلى ذوبان هذين الكيانين في عام 1961. ومع ذلك استمرت مصر في قيادة العالم العربي حتى بعد الهزيمة الصادمة التي منيت بها في عام 1967 في الحرب ضد إسرائيل. ثم شنت حرباً أخرى في عام 1973، ورغم أن مصر أخفقت في كسب الحرب إلا أنها تفاوضت مع إسرائيل على إبرام معاهدة سلام في عام 1978 وظلت تمثل قلب العالم العربي حتى مطلع ثمانينيات القرن العشرين. إلا أن فشلها في إقامة منظومة اقتصادية سياسية ناجعة حد من نجاحاتها فيما بعد. 
 
وبينما مُنع العسكر من التدخل في السياسة بشكل مباشر خلال فترة حكم جمال عبد الناصر إلا أن جهود تمدين الحياة السياسة لم تفلح لأن العسكر استمروا في الهيمنة على المنظومة وأوجدوا نظام حكم استبدادي يقوم على الحزب الواحد. أسس عبد الناصر الاتحاد الاشتراكي العربي كأداة مدنية للإشراف على الحكم بينما كان الجيش هو الذي يدير الأمور من وراء الكواليس. ثم بادر خليفة عبد الناصر، أنور السادات، إلى استبدال الاتحاد الاشتراكي العربي بالحزب الوطني الديمقراطي. وبعد اغتيال السادات في عام 1981 تزعم مبارك الحزب الوطني الديمقراطي لثلاثة عقود. خلق حكمه الدكتاتوري الذي استمر ثلاثين عاما حالة من الاستياء والغضب لدى الجماهير فانفجرت في وجهه في عام 2011 وخلعته من الحكم في أجواء الربيع العربي. 

ومما أضعف نفوذ مصر أكثر فأكثر إقدام العسكر على حل الحزب الوطني الديمقراطي بعد أن استلم زمام الأمور وسيطر على الحكومة إثر إجبار مبارك على التنحي عن السلطة. خلقت هذه الخطوة مشكلة لم يتمكن العسكر حتى الآن من حلها: عدم وجود وسيلة سياسية يمكن من خلالها السيطرة على العملية السياسية والتحكم بها في البلاد. عندما فازت جماعة الإخوان المسلمين بالانتخابات البرلمانية والرئاسية في عام 2012، تحرك العسكر، ولو إلى حين، لإقامة تسوية مؤقتة مع الحركة الإسلامية، ولا أدل على ذلك من أن الدستور الذي تمت صياغته خلال فترة حكم الإخوان القصيرة منح سلطة هائلة للقوات المسلحة. بدا الإخوان قادرين على إقامة علاقة عمل مع النظام العسكري، تماماً كما فعل أقرانهم في الحركات الإسلامية في كل من تونس والمغرب. 
 
إلا أن إستراتيجية الإخوان المتمثلة في محاولة إرضاء القوات المسلحة وفي نفس الوقت إقصاء الجماعات السياسية المنافسة (سواء كانت علمانية أم إسلامية) ارتد وبالاً عليها. فحتى حينما كانت جماعة الإخوان تسعى إلى التوصل إلى ترتيب ما مع العسكر في مصر وجدت نفسها في مواجهة مع أجزاء أخرى من الدولة وكذلك من قبل مؤسسات المجتمع المدني. وهذا ما أدى إلى الانتفاضة التي قادتها حركة تمرد في الثلاثين من يونيو 2013. وصلت الأمور إلى طريق مسدود، وخاصة حين رفض مرسي التنحي، الأمر الذي أوجد حالة لم يجد العسكر فيها بداً من التدخل تارة أخرى والضغط على مفتاح إعادة ترتيب الأوضاع من جديد. 
 
وعند تشكيله للحكومة الجديدة، خلع رئيس الجيش السيسي بزته العسكرية وعلقها حتى يتسنى له أن يصبح رئيساً مدنياً منتخباً. كان السيسي حينها يتمتع بشعبيه لدى الجماهير لأنه اعتقدت أن بإمكانه إعادة الاستقرار إلى البلاد، وكان النظام يأمل في أن توفر هذه الشعبية له وقتا يتمكن من خلاله بتحسين الأوضاع الاقتصادية حتى لا يعود الناس من جديد إلى ميدان التحرير، موقع انتفاضة 2011 وانقلاب 2013. إلا أن هذه الآمال لم تتحقق في أرض الواقع، كما هو واضح من الانزلاق المستمر للاقتصاد نحو الأسفل بالرغم من ضخ مليارات الدولارات. 
 
إن النظام غير قادر على القيام بذلك النوع من الإصلاحات المطلوبة من أجل وقف التدهور وتحسين الوضع الاقتصادي. فعلى سبيل المثال تعود المواطنون المصريون على الدعم الحكومي للسلع، فإذا ما رفع هذا الدعم من الممكن أن يؤدي ذلك إلى احتجاجات أكبر بكثير من تلك التي ارتبطت بالربيع العربي. بالإضافة إلى ذلك، نُقل عن مسؤولين في صندوق النقد الدولي أنهم وصفوا التغييرات التي أحدثتها القاهرة لضمان قرض صندوق النقد الدولي بأنها مجرد إجراءات تجميلية. من المحتمل أن هذه التغييرات كانت مجرد إجراءات تجميلية لأن النظام يخشى من أن أي إجراءات إصلاحية كبيرة وحقيقية يمكن أن تشعل فتيل نفس الاحتجاجات التي طالما حرص على تجنبها. على سبيل المثال، أقر رئيس الوزراء بخطر المجازفة في مؤتمره الصحفي الذي عقده في الثالث من نوفمبر / تشرين الثاني، حيث استذكر ثورة الخبز التي اندلعت في عام 1977 للاحتجاج على إجراءات التقشف (بما في ذلك رفع الدعم على السلع)، مما أجبر السادات على التراجع عن الإجراءات وإلغائها. 
 
الخلاصة
 
مناخ ما بعد الربيع العربي أكثر تقلبا وقابلية للانفجار مما كان عليه المناخ أثناء ثورة الخبز. إلا أن النظام الذي وجد نفسه في وضع في غاية الصعوبة لم يجد مفرا من السعي لضمان تمويل من صندوق النقد الدولي حتى يحول دون مزيد من التردي في الوضع الاقتصادي، وخاصة بعد أن تبين أن المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج غير قادرة على مساعدة مصر بسبب تهاوي أسعار النفط من جهة وارتفاع نفقاتها المحلية والخارجية بسبب الفوضى العارمة التي تضرب المنطقة من جهة أخرى. فيما لو ساءت الأوضاع الاقتصادية وبلغت حداً لا يحتمل من التردي وخرج الناس إلى الشوارع فسوف يصبح السيسي هو كبش الفداء للنظام، وسيضطر الجنرالات تارة أخرى إلى فتح النظام السياسي، وخلع الرئيس، والسماح بجولة أخرى من الانتخابات الديمقراطية حتى يتسنى تجاوز العاصفة الاقتصادية بسلام. 
 
بالإضافة إلى ذلك، لا تملك مصر الموارد التي تمكنها من التعامل مع الصراعات الإقليمية خارج حدودها، وذلك على الرغم من امتلاكها لقوة عسكرية ضخمة وعدم وجود تحديات من قبل قوى خارجية. فعلى سبيل المثال، امتنعت عن لعب دور ذي شأن في جارتها ليبيا، حيث تدور رحى حرب أهلية بالغة التعقيد. وحتى فيما يتعلق بالصراع الفلسطيني، والذي طالما كانت مصر في الماضي ذات صلة كبيرة به، لم تتمكن القاهرة من فعل شيء كثير. ولذلك، يحتم المنطق أن مصر لن تكون قادرة على لعب دور في سوريا ولا في الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية. وبغض النظر عن الكيفية التي تحاول من خلالها مصر شق طريقها عبر الضائقة الاقتصادية العميقة، من الواضح أن البلاد سوف تستمر في المكابدة على الجبهة المحلية إلى حين. وفوق ذلك كله، لن تستعيد قدرتها على أن تكون دولة متنفذة داخل العالم العربي. "جيوبوليتكال": كيف أصبحت مصر كيانا إقليميا بلا قوة؟