أفكَار

هل ظهور المهدي من عقائد الدين القطعية؟

تحفظ محدثون عن اعتبار فكرة المهدي من المبشرات التي تبث الأمل في المسلمين- أرشيفية
دافع المصري محمد عبد الله نصر، المعروف بـ"الشيخ ميزو" عن ادّعائه "المهدوية"، أنه أراد بذلك إحراج العلماء والمشايخ المؤمنين بفكرة ظهور المهدي، لأنهم لا يمتلكون معايير محددة يعرفونه بها حين ظهوره.

وقال نصر، في برنامج حواري على فضائية مصرية موجها كلامه للشيوخ والعلماء: "ماذا أنتم فاعلون إذا خرج شخص ما، وقال (أنا المهدي)، هل عندكم إمارات تعرفون بها من تسمونه المهدي"؟.

جاء ذلك بعد كتابة "الشيخ ميزو" الأحد الماضي منشورا على صفحته في "فيسبوك" قال فيه: "أعلن أنني الإمام المهدي المنتظر محمد بن عبد الله، الذي جاءت به النبوءات، وجئت لأملأ الأرض عدلا، وأدعو السنة والشيعة وشعوب الأرض قاطبة لمبايعتي..".

إعلان "الشيخ محمد عبد الله" أنه المهدي المنتظر، الذي قاله على سبيل التهكم والاستفزاز، جدد الجدل حول فكرة المهدي المنتظر، فأين تقع تلك الفكرة في سلم العقائد الدينية الإسلامية؟ وهل هي من أصول العقائد اليقينية؟ وما هو حال منكري الفكرة من أصلها؟ وهل للفكرة جوانب إيجابية تبشر المسلمين بظهور رجل يملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا؟

عقيدة المهدي عند أهل السنة

يعتقد أهل السنة أن من أشراط الساعة ظهور رجل صالح في آخر الزمان، يظهر في زمن نزول عيسى بن مريم عليه السلام، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما حسب الباحث الشرعي الأردني، صالح اللحام.

وأوضح اللحام في حديثه لـ"عربي21" أن تلك العقيدة ثابتة بالأحاديث الصحيحة، التي رواها أئمة الحديث في سننهم ومسانيدهم كالترمذي وأبي داود والإمام أحمد في مسنده، وتناقلها علماء السنة على أنها صحيحة ثابتة.

وذكر اللحام بعض تلك الروايات، كقوله عليه الصلاة والسلام "لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي" وفي رواية لأبي دواد "يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي" رواه أحمد والترمذي وأبو دواد، قال عنه الترمذي: حسن صحيح، وصححه أحمد شاكر والألباني. 

وأورد اللحام رواية أخرى جاء فيها: "المهدي مني أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلما وجورا، يملك سبع سنين". رواه أبو دواد والحاكم، وحسنه الألباني.

ويُذكر في هذا السياق أن بعض أهل العلم رأى أن أحاديث "المهدي" بلغت حد التواتر المعنوي، "وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عُد من معتقداتهم.. فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة"، طبقا لما قاله شمس الدين السفاريني في كتابه (لوامع الأنوار البهية). 

وتتابع علماء السنة على اعتبار أحاديث المهدي متواترة، فقد ذكر الشوكاني أن "الذي أمكن الوقوف عليه من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر خمسون حديثا، وثمانية وعشرون أثرا، ثم سردها مع الكلام عليها، ثم قال: وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع".

روايات ضعيفة فكيف تصح دعوى التواتر؟

من جانبه رأى الأكاديمي الشرعي السوري، المتخصص في الحديث النبوي وعلومه، الدكتور عداب الحمش أن أحاديث المهدي ضعيفة، ولم يصح أو يحسن عنده أي حديث منها يمكن الاحتجاج به. 

وذكر الحمش لـ"عربي21" أنه أخضع تلك الروايات للدراسة النقدية الحديثية في كتابه "المهدي المنتظر في روايات أهل السنة والشيعة الإمامية دراسة حديثية نقدية"، والذي خلص فيه إلى تضعيف كل الروايات الواردة في المهدي.

لكن كيف يمكن لعالم متأخر من أهل السنة تضعيف أحاديث نبوية، تتابع علماء السنة على اعتبارها أحاديث متواترة، كابن حجر العسقلاني والسخاوي والسفاريني وابن حجر الهيتمي والشوكاني؟

أجاب الحمش أنه حينما درس دعوى تواتر أحاديث المهدي، وجد الأحاديث فيه مروية عن عدد كبير من الصحابة، لكنها ضعيفة في جملتها، فكيف قالوا بالتواتر؟ 

أرجع الحمش تلك الدعوى لسببين: الأول: "ما قاله بعض الأصوليين (إذا جاء الحديث مجيء التواتر، فلا يُسأل عن إسناده)، وهي قاعدة فاسدة، فندها المحققون من الأصوليين قديما وحديثا".

وتابع: "أما السبب الثاني فيرجع إلى أن جميع من ادّعى التواتر، تابع أبا الحسن الآبري السجزي، تلميذ الحافظ ابن حبان رحمهما الله تعال، من دون أن يبرزوا لنا دليلا على صحة تلك الدعوى".

وتساءل الحمش: "كيف نثبت تواترا من غير أن نستطيع إثبات صحة المروي أولا؟ فالتواتر مرتبته أعلى من الصحة، وجميع من يقولون بوجود التواتر، يشترطون توافره في جميع الطبقات".

العقيدة لا تقام على روايات ضعيفة

في السياق ذاته وافق أستاذ الحديث في جامعة مؤتة الأردنية محمد سعيد حوّى الحمش على خلاصة رأيه في تضعيف أحاديث المهدي، مؤكدا وجود علة قادحة في سند كل رواية من رواياته، تجعلها تتقاصر عن النهوض لإثبات ذلك الأمر العظيم في الدين.

وتساءل حوّى: "كيف يمكن الاستناد إلى روايات ضعيفة لإثبات مسألة عقدية كبرى، كظهور المهدي في آخر الزمان، واعتبارها من أشراط الساعة؟".

وجوابا عن سؤال "عربي21"، "أين تقع فكرة ظهور المهدي في سلم عقائد الدين؟"، قال حوّى: "فكرة المهدي ليست من أصول العقيدة، وقد تكون من فروع العقيدة عند من يصحح أحاديثها" من غير أن يترتب عليها شيء.

وتحفظ حوّى على اعتبار فكرة المهدي من المبشرات التي تبث الأمل في المسلمين، لأنها تُرجع الأمر إلى فعل إلهي خارق للعادة، لا علاقة للمسلمين به، فظهور المهدي الذي سيغير وجه الأرض في ظرف زمني قصير (سبع سنين)، حالة استثنائية وكأنها من خوارق العادات، ومغايرة تماما لمألوفات البشر.

بدوره، أكدّ أستاذ الحديث النبوي في جامعة الزرقاء الأهلية، الدكتور أسامة نمر أن فكرة المهدي ليست من أصول العقائد عند أهل السنة، مشيرا إلى أنه لاحظ في دراسته لكتب العقائد عند الأشاعرة أنها لا تذكر المهدي على أنه من عقائد أهل السنة.  

وأوضح نمر أن أصل فكرة المهدي، ثابتة بروايات صحيحة كأحاديث آحاد، ولا يصح ادعاء التواتر بشأنها، لافتا إلى عدم ثبوت روايات صحيحة تحدد اسمه بالمهدي، وإنما بينت أنه من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام.

وردا على سؤال "عربي21": ماذا يترتب على رفض فكرة المهدي، وعدم الإيمان بها؟"، قال نمر: "لا يترتب على ذلك شيء، فمن رد الفكرة من أصلها لعدم ثبوت أحاديث المهدي لديه، فلا شيء عليه، ويكون مأجورا باجتهاده في دراسته لتلك الأحاديث والحكم عليها". 

وخلص نمر إلى القول: "لا ينبغي لفكرة المهدي بكل ما يدور حولها من جدل الثبوت، أن تحتل مكانة مركزية في تصورات المسلمين، وتبنى عليها آمال عريضة، فهي عند من يثبت أحاديثها من جنس الإخبار بوقوع حدث ما في وقت ما، من غير أن ينشغل المسلمون بها، وتكون صارفة لهم عما يجب عليهم القيام به وإعداده، كتكليفات شرعية واجبة".