سياسة عربية

كيف أطاحت "المصالح العليا" بوزير العدل المغربي؟

سجلت المصادر أن مصطفى الرميد اعتبر تخليه عن المنصب يأتي "انسجاما مع دواعي المصلحة العليا للبلاد"- جيتي
مع اقتراب نهاية مسلسل تشكيل الحكومة المغربية الجديدة، في نسخة الرئيس المكلف سعد الدين العثماني، الذي خلف رئيسه في حزب العدالة والتنمية عبد الإله بن كيران، يستعد المغرب لطي صفحة أطول أزمة سياسية عرفتها مملكة محمد السادس.

مسلسل تشكيل حكومة العثماني بدا سريعا للغاية، تخفف منه الرئيس المكلف من كل "لاءات" حزب العدالة والتنمية، وانتهى أيضا إلى التخلص من أنجح وزراء الحزب في الحكومة السابقة ويتعلق الأمر بوزير العدل والحريات مصطفى الرميد.

الوزير والمصالح العليا

"ما لم تعلن التشكيلة الحكومية بشكل رسمي فلا شيء مؤكد، رغم أن كل المؤشرات تقول بتخلي الحزب عن وزارة العدل والحريات"، هكذا تحدث قيادي في حزب العدالة والتنمية، عن قضية تخلي الحزب عن وزارة العدل والحريات، واكتفائه بمنصب كاتب دولة لدى وزير العدل في حقوق الإنسان.

وتابع القيادي الذي طلب عدم الكشف عن هويته، في تصريح مقتضب لـ"عربي21"، إن "وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، مصطفى الرميد، قبل قرار استبعاده من الوزارة، وسيستمر كاتبا للدولة في قطاع حقوق الإنسان".

وسجلت المصادر أن مصطفى الرميد اعتبر تخليه عن المنصب يأتي "انسجاما مع دواعي المصلحة العليا للبلاد".

قرار التخلي عن وزارة العدل، وقبول الرميد بمنصب كاتب دولة في حقوق الإنسان فجر غضبا في صفوف حزب العدالة والتنمية، وقياداته، حيث خرجت دعوات إلى الابتعاد عن الحكومة.

وفي أحد أحدث موقف من قيادي في الحزب، قال رئيس قسم شؤون التنظيم في الحزب، ورئيس جهة الرباط، عبد الصمد سكال، "بغض النظر عن التفاصيل النهائية للحكومة المنتظرة، فالأكيد أنه يتوجب العمل على وضع مسافة معها من طرف الحزب والاشتغال على الحد من الخسائر والتحضير الجيد للمرحلة المقبلة".

الفيتو

ونشرت يومية "أخبار اليوم" في عدد الإثنين أن "فيتو" تسبب في منع وزير العدل في الحكومة الحالية من الاستمرار في منصبه، بعدما كان مرشحا وحيدا لمنصب وزارة العدل والحريات في حكومة سعد الدين العثماني.

وتابعت الجريدة، أن "القصر وضع فيتو ضد استوزار الرميد"، في حكومة سعد الدين العثماني الجديدة. 

واعتبرت الجريدة أن "تخلي العدالة والتنمية عن وزارة العدل، يعد ضربة موجعة للحزب بعد أن قاد الحزب في شخص وزيره ورش إصلاح العدالة وحاز وساما ملكيا اعترافا بالإصلاحات التي تحققت على يد مصطفى الرميد".
 
وسبق لمصطفى الرميد، عضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، أن تعرض لنفس الموقف، أثناء تشكيل حكومة عبد الإله بن كيران في 2011 إلا أن ابن كيران تشبث به، ونجح في فرضه وزيرا للعدل.

الإهانة

وقال الباحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية عبد الرحيم العلام، إن قبول الرميد بهذا المنصب، "يعني أنه قبل على نفسه وحزبه الإهانة، رغم وقوعه في مخالفة دستورية صريحة".

وتابع عبد الرحيم العلام في تصريح لـ"عربي21"، "إذا صح أنه سيعين في منصب وزير الدولة، سيجد نفسه في وضع لا يحسد عليه، ولا أعرف كيف سيقبل الرميد بهذا الوضع، ويقبل لنفسه أن يتجرع هذه الإهانة، بتحويله من وزير للعدل والحريات إلى وزير دولة وكاتب دولة مكلف بحقوق الإنسان".

وأضاف العلام أن "مصطفى الرميد يقبل على نفسه الانتقال من الوزارة الكبرى التي هي وزارة العدل والحريات، إلى وزارة صغرى هي كتابة الدولة في ملف حقوق الإنسان".

وتساءل العلام "ما فائدة وجود وزارة اسمها وزارة حقوق الإنسان وهناك المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وأيضا، ويا للغرابة، أن وزارة الداخلية في هذا البلد هي صاحبة أكبر وأهم خروقات حقوق الإنسان".

وتابع العلام: "ينص الفصل الـ87 من الدستور المغربي على أن الحكومة تتألف من رئيس الحكومة ومن الوزراء، ويمكن أن تضم كتابا للدولة، ولا يشير هذا الفصل إلى منصب (وزير الدولة)، وبالتالي فهو منصب غير دستوري وغير ديمقراطي".

واستغرب العلام قبول الرميد هذا الموقف، مسجلا أن حزب العدالة والتنمية كان من أكثر الأحزاب المعارِضة، في الماضي، لمنصب وزير الدولة، ويرى فيه تبذيرا للمال العام.

الأسباب

اعتبر موقع "اليوم24" أن هناك ثلاثة عوامل على الأقل وراء "الفيتو" الذي أطاح بالرميد من وزارة العدل والحريات؛ "العامل الأول هو تصريحه قبيل أسابيع من إقالة ابن كيران من رئاسة الحكومة بالقول: (لن أرضى أن أكون بنعرفة العدالة والتنمية)، في إشارة إلى دور الخيانة الذي لعبه بنعرفة ضد الملك محمد الخامس في خمسينيات القرن الماضي مما يعني أنه كان يعارض عملية تغيير الأمين العام للحزب في موقع الأمانة العامة".

وتابع: "العامل الثاني هو إضعاف أحد رموز العدالة والتنمية كما جرى قبل أسابيع عندما أزيح ابن كيران من رئاسة الحكومة. إن إبعاد الرميد عن وزارة طالما كان يتشبث ببعض استقلاليتها عن وزارة الداخلية وعن جهات أخرى يعد بمثابة إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء".

وزاد: "أما ثالث عامل وراء إبعاد الرميد عن الداخلية هو معاقبته على قلب الطاولة على وزير الداخلية محمد حصاد ليلة الإعلان عن نتائج الاقتراع في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2016، والجري للالتحاق بمقر حزب المصباح والوقوف خلف ابن كيران وهو يعلن عن فوز حزبه بالانتخابات قبل إعلان وزارة الداخلية عن النتائج الرسمية".

هذا، وقاد الرميد مشروعا لإصلاح العدالة حظي بموافقة القصر، وطلب ابن كيران من الملك في وقت سابق أن يستمر الرميد على رأس وزارة العدل، وهو الوزير الوحيد في حزب العدالة والتنمية الذي حصل على وسام ملكي.

وساد في المغرب في الفترة الأخيرة، الحديث عن "المصلحة العليا للبلاد"، والتي تعني في جميع تطبيقاتها، لحد الآن، إجبار الأحزاب على التراجع عن حقوقها لصالح القصر، بحسب مراقبين.

هذا، ويتوقع أن يعين الملك الحكومة الجديدة الأربعاء أو الخميس المقبلين على أبعد تقدير، بحسب ما تقول الصحافة المغربية، خاصة بعد أن أجل الملك زيارته إلى مدينة العيون (جنوب) التي كانت مقررة الثلاثاء.