قضايا وآراء

رسالة لولدي بعد عشر سنوات من الآن

عدنان حميدان
1300x600
1300x600
كان فيمن قبلكم يا ولدي إذا تزوج أحدهم شارك في حضور حفل زفافه أكثر من 15 شخصا، يأتون جميعا في مكان واحد يحتشدون ويرقصون ويغنون ويسلمون عليه ثم بالأحضان يأخذونه، ويقدمون له هداياهم النقدية، ويتناولون الطعام معا بشكل جماعي، حتى إن بعضهم يتسابقون على حمل العريس على أكتافهم دون ارتداء كمامات.

بل وصل الأمر فيمن قبلكم يا ولدي أنه إذا مات أحدهم أن يسير في جنازته أكثر من ثلاثين شخصا يتنافسون في القيام بواجب دفنه، وإن كان الجو ماطرا تغوص أقدامهم في الطين أو يتصببون عرقا في الحر الشديد، ثم يعانقون أهل الفقيد بشدة للتخفيف عنهم. وفي المساء يجتمعون لتبادل شيء يسمونه العزاء في مكان كبير أو سرادق شبه مغلق، تكون الكراسي فيه متراصة لتتسع لأكبر عدد ممكن دون ارتداء كمامات أو مسافات تباعد اجتماعي. وإن حضر الطعام تناولوه بأيديهم، وبعضهم يمد يده لمنتصف الطعام ويأخذ قطع اللحم ويحيلها لقما صغيرة بيديه ثم ينشرها أمام الجميع ليأكلوا منها وهم يضحكون.

تخيل يا ولدي أننا كنا ندخل أماكن مغلقة كثيرة وتجمعات كبيرة دون كمامات فضلا عن تعقيم أيدينا، بل إن مواد التعقيم لم تكن معروفة إلا للأثرياء جدا في مجتمعاتنا أو من لديهم هوس بموضوع الصحة.

لا أبالغ إن قلت إن هناك غالبا شيء من السواد على مقدمات أنوف معظم أولاد الحارة الصغار بسبب مسحهم لأنوفهم بأيديهم بين حين وآخر! وعليه كان فيمن قبلكم لمس الأنف باليد عادة شائعة لدى معظم الناس.

وعندما عم الوباء الكبير البلاد والعباد وأصاب وقتل أعدادا كبيرة من الناس، رفض كثيرون الإيمان به واعتبروه كاذبا مثل المسيح الدجال، وأقام بعضهم حفلات يتعمدون بها أخذ عدواه، وآخرون اجتمعوا بالعشرات لوداع قريبهم الذي ثبتت إصابته به قبل أن تأخذه السلطات. وسرت بين الناس شائعات ما أنزل الله بها من سلطان، فهذا يتهم دولة بتصنيعه ونشره، وآخر عنده يقين لا مجال للشك به بأن تلك المنظمة التي كان اسمها منظمة الصحة العالمية تدفع أموالا للدول بناء على عدد المصابين فيها (مع أن تلك المنظمة كانت تواجه أزمة في التمويل).

أذكر يا ولدي في ذلك الزمن أن الحكومات القمعية استثمرت ظروف الوباء لفرض أحكامها العرفية وتمرير قراراتها الكيدية، فاعتقل من اعتقل وحوصر من حوصر، وثبت فقط من أيده الله بالثبات.

في ذلك الزمن يا ولدي أغلقت المساجد في البداية ثم عادت دول غربية لفتحها أمام الناس، بينما بقيت مغلقة في عدد من الدول العربية والإسلامية، وغدا الحليم حيرانا وهو يرى تشدد الأنظمة في ملاحقة من يحاول إقامة الصلاة جماعة أو الصلاة ولو لوحده قرب المسجد.

تخيل يا ولدي أننا كنّا نحذر الناس من الوباء، وكان بعضهم يضحك علينا ويعتبر أننا أغبياء، ويعتقد أن الوباء مؤامرة وهمية لحكومة العالم الخفية بعد تصنيعه في مختبرات سرية لتمرير صفقة القرن، ولَم نكن ندري ولا زلنا ما علاقة صفقة القرن بالأعداد الكبيرة للضحايا في البرازيل والهند فضلا عن الولايات المتحدة.

أكتب لك يا ولدي ولا أدري كيف سيكون حالنا عندما تفتحها، وهل سيكون العالم قد اكتشف لقاحا له أم لا؟ والأهم هل أصبح ترامب جزءا من الماضي أم أن ترامب والوباء قد اجتمعا معا على البشرية؟!
التعليقات (0)