كتاب عربي 21

المقاطعة السعودية لـ"كل ما هو تركي"

إسماعيل ياشا
1300x600
1300x600

مضت سنتان منذ اغتيال الكاتب السعودي الشهير جمال خاشقجي في قنصلية بلاده بإسطنبول. وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قال آنذاك إن "هناك أطرافا تسعى إلى إحداث شرخ بين السعودية وتركيا، إلا أنها لن تستطيع عمل ذلك طالما هناك ملك اسمه سلمان بن عبد العزيز وولي عهد اسمه محمد بن سلمان في السعودية، ورئيس اسمه أردوغان في تركيا".

هذه التصريحات التي أطلقها ولي العهد السعودي حينها أملا في استمالة رئيس الجمهورية التركي رجب طيب أردوغان ودفعه إلى إغلاق ملف الاغتيال، لم يصدقها أحد، لأن موقف النظام السعودي من تركيا كان هو السبب الأكبر لتدهور العلاقات بين البلدين. وهذا الموقف السلبي ازداد عداوة منذ ذلك اليوم ليصل إلى مستوى الجنون.

وسائل الإعلام التركية نشرت قبل أيام تقارير حول الضغوط التي تمارسها وزارة التجارة السعودية على التجار ورجال الأعمال السعوديين لإنهاء عقودهم مع الشركات التركية، كما أن رئيس مجلس الغرف السعودية ورئيس غرفة الرياض، عجلان العجلان، دعا في تغريدة إلى "مقاطعة كل ما هو تركي، سواء على مستوى الاستيراد أو الاستثمار أو السياحة"، مدعيا بأنها "مسؤولية كل سعودي"، ما يدل على أن عداء النظام السعودي لم يعد مقتصرا على أردوغان وحكومته، بل تجاوز ذلك ليصل إلى "كل ما هو تركي".

تصريحات العجلان تمثل توجه الرياض حتى وإن لم يشغل الرجل أي منصب في الحكومة، لأن مثل هذه التصريحات في السعودية لا تصدر دون موافقة القيادة. وكانت وسائل الإعلام السعودية وجيوش ما يعرف بــ"الذباب الالكتروني" قد أطلقت قبل ذلك دعوات لمقاطعة المنتجات والسياحة التركية، إلا أنها لم تحظ بقبول شعبي، لأن الأغلبية الساحقة من السعوديين غير مقتنعين بضرورة مقاطعة تركيا، ولا يتفقون مع توجه الحكومة حتى وإن لم يعبروا عن ذلك خوفا من الاعتقال، الأمر الذي دفع النظام السعودي إلى تهديد التجار ورجال الأعمال.

 

تصريحات العجلان تمثل توجه الرياض حتى وإن لم يشغل الرجل أي منصب في الحكومة، لأن مثل هذه التصريحات في السعودية لا تصدر دون موافقة القيادة

المقاطعة السعودية الشاملة للمنتجات التركية قد تضر الشركات التركية على المدى القريب، إلا أن الاقتصاد التركي متين وقادر على تحمل الصدمة، وتجاوزها من خلال الأسواق البديلة، لأنه غير مبني على منتج واحد، مثل النفط أو الغاز الطبيعي، ولا على التصدير إلى سوق واحد لينهار بانهياره. فهناك دعوات لمقاطعة المنتجات التركية في السعودية، وأخرى لشرائها في أذربيجان وباكستان وغيرهما. ومن المؤكد أن "اليد الخفية" سرعان ما ستقوم بتنظيم العرض والطلب في اقتصاد السوق الحر، كما يشير إليه آدم سميث.

الاقتصاد التركي بدأ في السنوات الأخيرة يتجه من المنتجات الزراعية إلى المنتجات التكنولوجية والعسكرية. وهناك مؤشرات تشير إلى أن الإقبال على شراء تلك المنتجات سيزداد في المستقبل القريب، بعد أن أثبتت تلك المنتجات جودتها ونجاحها في الساحة. ومن المؤكد أن التوسع في المنتجات التكنولوجية والعسكرية وتصديرها، سيؤدي إلى تراجع أهمية تصدير المنتجات الزراعية والغذائية.

هذه المقاطعة لن تضر تركيا وحدها، لأن معظم التجار ورجال الأعمال وحتى المستهلكين السعوديين لم يكونوا يفضلون المنتجات التركية دعما للاقتصاد التركي، بل لكونها بأسعار معقولة مقارنة بجودتها. ومن المحتمل أن يكون البديل لتلك المنتجات إما رديئا أو غاليا، ما يعني أن المستهلك السعودي هو الذي سيدفع الثمن، في ظل ازدياد الشكاوى من المنتجات الزراعية المصرية الملوثة التي يتم استخدام مياه الصرف الصحي في ريها، والمنتجات المغشوشة المسرطنة التي تأتي من منطقة جبل علي الإماراتية.

السعودية لا تتصدر قائمة الدول المستثمرة في تركيا. صرحت وزيرة التجارة التركية، روهصار بكجان، قبل أسبوع، أن هولندا على رأس الدول التي تقوم بالاستثمار المباشر في البلاد. وأعلن يورغن ريجترينك، القائم بأعمال رئيس البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، أن حجم استثماراتهم في تركيا هذا العام تجاوز مليار يورو، وأنه يتوقع أن يصل إلى 1.3-1.5 مليار يورو في نهاية العام في مجالات مختلفة، كالإنتاج والمصرفية والطاقة المتجددة وغيرها، مثنيا على متانة الاقتصاد التركي. ومن المتوقع أن تبقى تركيا محط أنظار المستثمرين من كافة أنحاء العالم بسبب الفرص الثمينة التي تقدمها، واحترامها لقواعد السوق الحر وحقوق المستثمرين.

 

 

الأخطر في التوجه السعودي الجديد، هو أن الحجاج والمعتمرين الأتراك لن يكونوا في مأمن، وقد يتعرضون لهجمات ومضايقات وتصرفات مسيئة، في ظل الكراهية الكبيرة التي تضخها وسائل الإعلام السعودية والشخصيات المقربة من النظام السعودي كل يوم ضد "كل ما هو تركي"

الأخطر في التوجه السعودي الجديد، هو أن الحجاج والمعتمرين الأتراك لن يكونوا في مأمن، وقد يتعرضون لهجمات ومضايقات وتصرفات مسيئة، في ظل الكراهية الكبيرة التي تضخها وسائل الإعلام السعودية والشخصيات المقربة من النظام السعودي كل يوم ضد "كل ما هو تركي". ومن الضروري أن تدرس الحكومة التركية أمن الحجاج والمعتمرين الأتراك في هذه الأجواء المشحونة.

تركيا لا تعادي المملكة، كما يروِّج "الذباب الإلكتروني"، ويعرف الجميع أن الخلاف بين البلدين بدأ بتبني الرياض ودعمها انقلاب مصر، وازداد شراسة بعد اغتيال خاشقجي. وعلى الرغم من الموقف السعودي العدائي، لم ترد تركيا حتى الآن بالمثل. ومن المؤكد أن العلاقات التجارية بين البلدين والرغبة في تجاوز الخلافات، كانت من أهم أسباب ذلك. وبعد المقاطعة الشاملة وفك الارتباط، ستتحرر تركيا من قيود العلاقات التجارية، لتتحرك في عدد من الملفات، كاليمن، أكثر حرية من ذي قبل.

twitter.com/ismail_yasa

 

التعليقات (0)