قضايا وآراء

عام حقوق الإنسان.. هذا أثر فأسك

قطب العربي
1300x600
1300x600
في 11 أيلول/ سبتمبر الماضي أعلن المشير عبد الفتاح السيسي اعتبار عام 2022 عاما لحقوق الإنسان والمجتمع المدني في مصر، وذلك خلال تدشينه لما سمي بالاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.. لم تكد تمر أسابيع قليلة على ذلك الإعلان حتى توالت الأحكام الفظة والنهائية بحبس أربعة صحفيين بين أربع وخمس سنوات؛ في قضايا نشر يمنع الدستور المصري الحالي الحبس فيها بالأساس.

وفي العاشر من كانون الثاني يناير الماضي أعلنت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، وهي إحدى أهم المؤسسات الحقوقية المصرية، إغلاق أبوابها ووقف نشاطها بعد 18 عاما من العمل الحقوقي في مصر، بسبب تزايد الضغوط عليها وعلى رئيسها الذي تعرض للعدوان البدني من رجال النظام، وكاد يفقد حياته بسبب نشاطه الحقوقي.

كانت حفلة صاخبة تلك التي أعلن فيها السيسي عن استراتيجيته الوطنية لحقوق الإنسان، لم تكن الرسالة موجهة للمصريين، بل كانت موجهة لعواصم أخرى على رأسها واشنطن التي اقتطعت 130 مليون دولار من قيمة المساعدات السنوية لمصر حتى تحقق تحسنا في ملفها الحقوقي، وظن السيسي أن إعلان تلك الاستراتيجية سيلغي هذا الاقتطاع!! لم تتضمن تلك الاستراتيجية جديدا يذكر، فالدستور المصري الحالي والذي يحمل بقايا أنفاس ثورة يناير وخاصة في باب الحقوق والحريات، يتضمن الكثير من النصوص الضامنة للحريات في مصر، والملزمة للسلطات باحترامها، والمتضمنة عقوبات على انتهاكها، ولم نكن بحاجة لاستراتيجية جديدة بل فقط تطبيق تلك النصوص الدستورية التي تُخترق جهارا نهارا في كل المحافل والمحاكم الآن.
كان يريد من خلال المؤتمر المزيد من تسويق استراتيجيته، ورؤيته الخاصة لحقوق الإنسان، وهي الرؤية التي تختلف عما هو مستقر في العلوم السياسية والمحافل الدولية، إذ هي تفرق بين جيلين من حقوق الإنسان؛ الجيل الأول يعنى بالحقوق السياسية والثاني بالحقوق الاقتصادية

ظن رأس النظام أن تلك الاستراتيجية منحت نظامه القبول الدولي، فغامر بفتح النقاش عن الوضع الحقوقي المصري في المؤتمر الدولي للشباب الأخير. كان يريد من خلال المؤتمر المزيد من تسويق استراتيجيته، ورؤيته الخاصة لحقوق الإنسان، وهي الرؤية التي تختلف عما هو مستقر في العلوم السياسية والمحافل الدولية، إذ هي تفرق بين جيلين من حقوق الإنسان؛ الجيل الأول يعنى بالحقوق السياسية والثاني بالحقوق الاقتصادية، وهو قفز مباشرة من الأول للثاني، مدعيا أنه يوفر الحقوق الاقتصادية مثل حق المأكل والملبس والمسكن، جاهلا أن هذه أبسط واجبات الدولة في شكلها القديم أو الحديث، ولأنه لا يؤمن بحقوق الإنسان كما تعرفها النظم الديمقراطية فقد اعتبر في ذلك المؤتمر الشبابي أن "الحديث عن انتهاك حقوق الإنسان يعد إساءة لمصر، سواء كانت مقصودة أو غير مقصودة".

في جلسة لمحاكاة مجلس حقوق الإنسان على هامش المؤتمر، واجه النظام المصري نقدا حادا "مرتبا" لانتهاكاته الجسيمة، وخاصة في قضايا الاعتقال والاختفاء القسري. وكما يحدث في الواقع، فقد نفى ممثل النظام المصري تلك "الادعاءات" ثم عقب السيسي بأن ذلك الحديث هو إساءة لمصر دون أن يفند شيئا بشكل مقنع، واكتفى بإمكانية قيام لجنة بمراجعة الحالات بشكل دقيق لاتخاذ اللازم.
لا يتمتع النظام المصري بأي مصداقية في أحاديثه المتكررة عن احترامه لحقوق الإنسان، وكما يقول المثل "كيف أنساك وهذا أثر فأسك"

لا يتمتع النظام المصري بأي مصداقية في أحاديثه المتكررة عن احترامه لحقوق الإنسان، وكما يقول المثل "كيف أنساك وهذا أثر فأسك"، فهذا النظام ينكر بكل بساطة وجود 60 ألف معتقل في السجون، ويطالب من يذكرون الرقم بذكر الأسماء على سبيل التعجيز! وهو ينكر أن المعتقلين سياسيون بل يعتبرهم جنائيين، وهو ينكر وجود قمع لحرية الصحافة بينما لا تزال مصر تحتل المركز الثالث عالميا في حبس الصحفيين (هناك 66 إعلاميا خلف القضبان)، ناهيك عن حجب وإغلاق مئات المواقع الالكترونية، والصحف والقنوات، والبرامج والمقالات، أيضا صدور المزيد من التشريعات المقيدة لحرية الصحافة، وهو ما رصده التقرير السنوي الأخير للمرصد العربي لحرية الإعلام. كما أن مصر تتصدر العالم في أحكام الإعدام بعد محاكمات لا تتوفر لها أدنى معايير العدالة، ناهيك عن مئات الأحكام بالمؤبد ضد المعارضين السياسيين!!

والمتابع للعام الجديد والذي هو عام حقوق الإنسان لن يجد صعوبة في رصد المزيد من الانتهاكات بشكل يومي، وقد دعوت من قبل من يستطيع من المنظمات الحقوقية لتدشين مقياس يومي لمدى التزام النظام أو انتهاكاته خلال هذا العام الذي حدده بنفسه، ليعرف الجميع مدى صدقه في وعوده.
يخشى أن تنفيذ تلك الحقوق سيفتح عليه باب ثورة جديدة كثيرا ما حذر منها، وكثيرا ما تعهد بعدم السماح بتكرارها، ومنها تصريحه الذي دعا المصريين أن لا ينسوا ما حدث منذ 11 عاما ويقصد ثورة يناير، وما تسببت فيه من فوضى وخراب من وجهة نظره

الجديد في الأمر أن السيسي في حديثه أمام بعض الإعلاميين المشاركين في مؤتمر الشباب الأخير بدا متاجرا بحقوق الإنسان، حيث قال إنه لا يمانع في منح هذه الحقوق بما فيها التظاهر المستمر مقابل أن يدفع العالم 50 مليار دولار لمصر لينفق منها على جيوش البطالة المتوقعة!! وأنه مستعد لإجراء انتخابات كل عام مقابل أن يدفع العالم له تكاليف تلك الانتخابات،. لقد حاول التسويق أن تنفيذ مطالب حقوق الإنسان، ومنها حق التعبير عن الرأي والانتخابات أمور مكلفة للاقتصاد المصري، وأراد ابتزاز الحكومات أو المنظمات المطالبة بتلك الحقوق أن تدفع تكلفتها. والحقيقة أنه يخشى أن تنفيذ تلك الحقوق سيفتح عليه باب ثورة جديدة كثيرا ما حذر منها، وكثيرا ما تعهد بعدم السماح بتكرارها، ومنها تصريحه الذي دعا المصريين أن لا ينسوا ما حدث منذ 11 عاما ويقصد ثورة يناير، وما تسببت فيه من فوضى وخراب من وجهة نظره!!

في تقديري سيجد النظام نفسه مضطرا لحلحلة الملف الحقوقي وإن ببطء شديد، ومن مؤشرات ذلك بعض قرارات إخلاء السبيل التي تصدر من النيابات والمحاكم مؤخرا، مع تنفيذها فعليا. وقد يشهد عام 2022 المزيد منها مع انتهاء محكوميات العديد من السجناء السياسيين من ناحية، أو مع انتهاء فترات الحبس الاحتياطي القصوى لأعداد كبيرة أيضا من ناحية أخرى، مع عدم إقدام الأجهزة الأمنية بعدم تدوير المخلى سبيلهم على قضايا أخرى.. وعلى كل حال، فإن وعود النظام بتخصيص عام 2022 كعام لحقوق الإنسان هي مسألة محل اختبار.

twitter.com/kotbelaraby
التعليقات (1)
عماد
الإثنين، 17-01-2022 03:49 م
تقول :"الجديد في الأمر أن السيسي في حديثه أمام بعض الإعلاميين المشاركين في مؤتمر الشباب الأخير بدا متاجرا بحقوق الإنسان، حيث قال إنه لا يمانع في منح هذه الحقوق بما فيها التظاهر المستمر مقابل أن يدفع العالم 50 مليار دولار لمصر لينفق منها على جيوش البطالة المتوقعة!! وأنه مستعد لإجراء انتخابات كل عام مقابل أن يدفع العالم له تكاليف تلك الانتخابات،" أرى أنك لم تنصف الرجل. لانه دائم التسول بعد الإجهاض على حقوق الإنسان على مرأى ومسمع دول تتشدق باحترامها لحقوق الإنسان بل وتضعه قاعدة أساسية في تعاملاتها مع الدول الصديقة كمصر