قضايا وآراء

هل تغير أردوغان أم تغيرت الموازين الدولية؟!

أميرة أبو الفتوح
1300x600
1300x600
"المبادئ والمصالح"، كلمتان تتصارعان في عالم السياسة أمام صانع القرار السياسي في الدول، وغالباً ما تسبق إحداهما الأخرى إذا اقتضى الأمر؛ تمشياً مع نوعية الأزمات والظروف التي تمر بها البلاد، وتأثراً بالمحيط الخارجي وبالظروف الإقليمية والدولية في ذلك الوقت. ومن هنا جاءت المقولة الشهيرة لرئيس وزراء بريطانيا الراحل تشرشل: "لا عداء دائم ولا صداقة دائمة، بل مصالح دائمة".

هذه هي القاعدة البراجماتية أو أصول اللعبة السياسية، كما يذهب المحللون السياسيون. فالسياسة في الأساس صراع من أجل المصالح وحسب، فالمصالح هي التي تتصالح وليست الدول. ربما استخلصوا هذا من الواقع ومن تحليل صفحات التاريخ السياسي للدول والمجتمعات، فهناك العديد من النظريات والاستراتيجيات حول تعامل الدول فيما بينها، سُطرت في كتب كثيرة عن العلاقات الدولية، وخلصت إلى أن الاستراتيجية الناعمة، أي الدبلوماسية، هي الأكثر فاعلية في تعزيز المصالح السياسية.

ومن الضروري الاعتماد على مبدأ الواقعية السياسية والتعاون لتعزيز مصالح كل دولة باستخدام القوة الاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية، من أجل تحقيق الأهداف الوطنية الكبرى للبلاد، وإن المصلحة الأساسية للدول تكمن في الحفاظ على كيانها، ولهذا ينبغي على الدول السعي دوماً لاكتساب مزيد من القوة كضرورة سياسية واقتصادية واجتماعية، إذ إن جميع الدول تعمل على زيادة قوتها من أجل زيادة نموها وازدهارها وتجاوزها للدول الأخرى. فالدولة في سباق دائم أو لنقل مارثون مستمر بينها وبين الدول الأخرى المنافسة لها، والتي ربما تضمر شراً مستتراً تجاهها وتحسبها باطنياً "عدوا مخفيا" يهدد كيانها وتقدمها..
جاء الانفجار الأكبر في العلاقات السعودية التركية والذي وصل بها إلى الحضيض، وكان على خلفية مقتل الكاتب الصحفي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية بإسطنبول في تركيا عام 2018، وتحميل ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" مسؤولية مقتله

لهذا فإن الدول لا تستطيع المضي وراء قاعدة المبادئ والأخلاق، بل يسبقها دائما رفع مستوى الدفاع عن الوطن. ويحضرني هنا قول السياسي المخضرم وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق "هنرى كسينجر"؛ إنه "ليس من مصلحة أمريكا أن تحل أي مشكلة في العالم، لكن من مصلحتها أن تمسك بخيوط المشكلة وتحركها حسب المصلحة القومية الأمريكية"..

أقول هذا بمناسبة زيارة الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" للمملكة العربية السعودية، بعد قطيعة دامت أكثر من خمس سنوات، كانت في بدايتها لدور السعودية الخفي مع حليفتها الإمارات في محاولة الانقلاب الفاشلة ضد حكومة أروغان ومحاولة اغتياله شخصياً في الخامس عشر من تموز/ يوليو 2016، ثم تفاقم الأمر بعد ذلك عام 2017، عندما قررت السعودية ومعها الإمارات والبحرين ومصر فرض حصار على دولة قطر بزعم دعمها للإرهاب، فتدخلت تركيا على الفور وأقامت قاعدة عسكرية لها في قطر حماية لها من غزو بدت ملامحه تلوح في الأفق ضد قطر..

ثم جاء الانفجار الأكبر في العلاقات السعودية التركية والذي وصل بها إلى الحضيض، وكان على خلفية مقتل الكاتب الصحفي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية بإسطنبول في تركيا عام 2018، وتحميل ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" مسؤولية مقتله بالصورة الوحشية التي عُرضت أمام العالم كله، وسُجلت فضيحة دولية كبري للسعودية أدانتها منظمة الأمم المتحدة وكل منظمات حقوق الإنسان العالمية فضلاً عن قادة وشعوب العالم، ما جعل السعودية دولة منبوذة على الصعيد الدولى وفي موقف حرج وشائك لا تستطيع الخروج منه..
تنازل كبير من أردوغان الذي كان يصر على إجراء محاكمة القتلة في تركيا. ولا ننسي أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية سبق أن اتهمت محمد بن سلمان شخصياً بالضلوع في عملية القتل؛ من خلال إعطاء أوامره للقتلة لارتكاب هذه الجريمة الشنعاء، وبذلك يكون أردوغان قد أنقذ ابن سلمان ووضع العصا المجازية التي استخدمها العديد من القادة الغربيين لضرب ابن سلمان، ولا عزاء لخاشقجي!!

حاول ولى العهد السعودي أن يجمل صورته أمام العالم فأنفق مليارات الدولارات، مستعيناً بشركات الدعاية الأمريكية، ولكنها لم تستطع أن تمحو الصورة الذهنية التي انطبعت له وللسعودية في أذهان العالم، وأصبح جمال خاشقجي كابوسا يطارده آناء الليل وأطراف النهار، وأحس أن عرش المملكة يبتعد عنه خاصة بعد مغادرة الرئيس السابق "دونالد ترامب" البيت الأبيض والذي كان يدعمه بشدة، وقدوم "جو بايدن"، الذي توعده خلال حملاته الانتخابية وتعهد بفتح ملف خاشقجي وضرورة القصاص من قاتله، مشيراً لولي العهد..

كل هذا زاد من كراهية وبغض ابن سلمان لأردوغان الذي فضحه في العالم كله، وساءت العلاقات بين الدولتين تماماً ووصلت لأدنى مستوى، أضف إلى ذلك الإرث التاريخي المرير بين الإمبراطورية العثمانية والسعودية، واختلاف العقيدة الأيديولوجية بين الدولتين، فكلتاهما تتنافسان منذ أكثر من عقدين من الزمان على زعامة العالم الإسلامي. ولكن كل هذا انطوى تحت واقع جديد يشهده العالم اليوم وخاصة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، وتغير الحلفاء والأصدقاء وخلق تحالفات جديدة وربما غريبة على الساحة الدولية. فهناك توازنات جديدة بدت تطفو على الساحة الدولية مع تغير الموازين الدولية، وخاصة أن كلاً من الدولتين المتصارعتين تعاني من مشكلات داخلية وخارجية تجعلهما أقرب للتعاون فيما بينهما تحقيقاً للمصلحة العليا لهما، وهنا تتصالح المصالح وتدفن كل ملفات الخلاف في ملف المصلحة، وتُطوى الصراعات إلى حين ويبقى ما في النفوس مستتراً!
كل من الدولتين المتصارعتين تعاني من مشكلات داخلية وخارجية تجعلهما أقرب للتعاون فيما بينهما تحقيقاً للمصلحة العليا لهما، وهنا تتصالح المصالح وتدفن كل ملفات الخلاف في ملف المصلحة، وتُطوى الصراعات إلى حين ويبقى ما في النفوس مستتراً!

لقد حرص الرئيس أردوغان قبل سفره للمملكة أن يصفي ملف الكاتب المغدور "جمال خاشقجي"، وأن يلبي طلب السعودية بإحالة القضية من القضاء التركي إلى القضاء السعودي، وهكذا كان دم "خاشقجي" هو الذي عبّد الطريق بين السعودية وتركيا، وفى هذا تنازل كبير من أردوغان الذي كان يصر على إجراء محاكمة القتلة في تركيا. ولا ننسي أن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية سبق أن اتهمت محمد بن سلمان شخصياً بالضلوع في عملية القتل؛ من خلال إعطاء أوامره للقتلة لارتكاب هذه الجريمة الشنعاء، وبذلك يكون أردوغان قد أنقذ ابن سلمان ووضع العصا المجازية التي استخدمها العديد من القادة الغربيين لضرب ابن سلمان، ولا عزاء لخاشقجي!!

لقد صرح الرئيس أردوغان قبل مغادرته تركيا، أن زيارته ستفتح صفحة جديدة في العلاقات مع المملكة العربية السعودية، وأنها تعبر عن إرادة مشتركة لبدء فترة جديدة من التعاون كدولتين شقيقتين تربطهما روابط تاريخية وثقافية وإنسانية، وأن من مصلحتهما المشتركة زيادة تعاون تركيا مع السعودية في مجالات عديدة مثل الصحة والطاقة والأمن الغذائي وصناعة الدفاع والتمويل..

لا شك أننا غضبنا من أردوغان على تنازله وتفريطه في دم خاشقجي، لأننا نتعامل مع الموضوع بأخلاقنا ومشاعرنا، ولكن الساسة لا ينظرون بهذا المنظور الأخلاقي والعاطفي. وكما قلنا في بداية المقال فإن الأولوية للدول هي الأهداف الوطنية الكبرى، وإن المصلحة الأساسية للدول تكمن في الحفاظ على كيانها!
تركيا على موعد مع استحقاق رئاسي عام 2023، أي بعد عام، وأردوغان بالطبع يريد الفوز فيها ويحتاج لشعبوية تمكنه من الفوز بعد أن انخفضت شعبيته في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ إثر الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد

لا جدال أن الاقتصاد التركي يعاني منذ فترة من حالة ركود، فقد تراجع سعر الليرة التركية كثيراً لأسباب عدة لا مجال لذكرها الآن، وإن كان من المهم أن نذكر أن تركيا تعرضت لحرب اقتصادية شرسة من قوى إقليمية بدعم من الغرب، أثرت على اقتصادها بشكل عام، وهناك شبه مقاطعة للبضائع التركية في السعودية، لذلك تحتاج إلى عقد صفقات تجارية مع السعودية تتدفق معها السيولة النقدية التي تنعش الخزانة التركية.

ولقد أكد أردوغان في تصريحات صحفية عقب صلاة العيد أن العلاقات بين أنقرة والرياض سترتقي إلى مستوى متميز جداً في مختلف المجالات، وأشار إلى أن السياح السعوديين سيسهم في تعزيز الحركة السياحية في تركيا، وأن الموسم السياحي هذا العام سيكون جيد جداً..

وهنا لا ننسي أن تركيا على موعد مع استحقاق رئاسي عام 2023، أي بعد عام، وأردوغان بالطبع يريد الفوز فيها ويحتاج لشعبوية تمكنه من الفوز بعد أن انخفضت شعبيته في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ إثر الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد؛ والتي أثرت على معيشة المواطن التركي وتذمره من سياسة حزب العدالة والتنمية، الحزب الحاكم، وهو الواقع الذي تستغله المعارضة لتنفذ من خلاله لمهاجمة الحكومة وأردوغان في محاولة لإسقاطهما بدعم من قوى دولية وإقليمية. يحاول أردوغان اليوم أن يستميلها إليه ويصفر مشاكله معها كزيارته هذه للسعودية، ومن قبلها لدولة الإمارات واستقباله الحافل لرئيس الكيان الصهيوني..
أزاح أردوغان قضية خاشقجي عن كاهل ابن سلمان، وخاصة أن الأخير حاليا على خلاف مع الولايات المتحدة ويحتاج لتركيا كشريك أمني بديل موثوق به، وهما يشتركان معاً في مخاوف عديدة من النزاعات الإقليمية بما في ذلك سوريا وإيران ولبنان وحزب الله، لذلك فهناك مجال كبير لاستغلال الأرضية المشتركة لصالح كليهما

لا شك أن مثل هذه الصفقات الكبرى تُوضع على الطاولة، ويوازن ابن سلمان وأردوغان احتياجات بعضهما من البعض الآخر، وما الذي سيقدمه كل طرف للآخر وما المقابل الذي سيحصل عليه، وهكذا تدور اللعبة السياسية.

لقد أزاح أردوغان قضية خاشقجي عن كاهل ابن سلمان، وخاصة أن الأخير حاليا على خلاف مع الولايات المتحدة ويحتاج لتركيا كشريك أمني بديل موثوق به، وهما يشتركان معاً في مخاوف عديدة من النزاعات الإقليمية بما في ذلك سوريا وإيران ولبنان وحزب الله، لذلك فهناك مجال كبير لاستغلال الأرضية المشتركة لصالح كليهما. فأردوغان قادر على تقديم بعض البدائل الأمنية الإقليمية للسعودية، والتي يمكن أن تخفض التوترات بينها وبين إيران التي تربطها بتركيا علاقات ملتبسة، وفي إمكانه القيام بدور الوسيط لإنهاء حرب اليمن وخروج ابن سلمان من مستنقع اليمن بشكل لائق لا يريق ماء وجهه..

ونختم بما بدأنا به: "لا عداء دائم ولا صداقة دائمة في السياسة بل مصالح دائمة"، ولذلك يجب أن يبدأ التحليل السياسي من تحديد المصالح قبل كل شيء وفوق كل شيء في اللعبة السياسية، ولا عزاء للمبادئ والأخلاق فقد سقطت فى بحور المصالح والمصالح فحسب!!

twitter.com/amiraaboelfetou
التعليقات (0)