أفكَار

القرضاوي.. هل شكل مرجعية دينية تجاوزت الحزبية والمذهبية؟

دعاة وباحثون عرب يقيمون الإرث الفكري والفقهي للشيخ يوسف القرضاوي
دعاة وباحثون عرب يقيمون الإرث الفكري والفقهي للشيخ يوسف القرضاوي

مسيرة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي ـ رحمه الله ـ حافلة بالعطاء، تنظيرا وعلما وممارسة وعملا، فهو عالم مجتهد متعدد المواهب، غزير الإنتاج، عميق التفكير، مشتبك مع قضايا عصره، ومعايش لهموم زمانه ومتفاعل ومشارك في قضايا الأمة الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

كان الشيخ القرضاوي في إنتاجه الفقهي والديني باحثا ومدققا في الأدلة، ومالكا لأدوات النظر والاجتهاد، وقادرا على الترجيح بين أقوال الأئمة واجتهاداتهم، فقد تجاوز في ذلك كله المذهبية (بصورتها الضيقة المتعصبة)، كما أنه في ميادين العمل الإسلامي تحرر من قيود الحزبية وأغلالها، وكذلك في سائر مواقفه وممارساته الحركية والدعوية والسياسية.

ووفقا لباحثين فإن أبرز ما يميز الشيخ القرضاوي إمامته وريادته لمنهجية الاعتدال والوسطية، بعيدا عن الإفراط والتفريط، وهو ما سخر علمه وقلمه وجهوده لإشاعته وتكريسه في أوساط أبناء الدعوة الإسلامية، فشكل بذلك مرجعية دينية محترمة ومقدرة في تلك الأوساط، على انتقادات وُجهت له من شرائح واتجاهات دينية مختلفة في حياته، وازدادت حدتها بعد وفاته، على خلفية فتاويه واجتهاداته الفقهية، وآرائه ومواقفه السياسية. 

وفي هذا الإطار وصف الأكاديمي والداعية السعودي، الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي، الشيخ القرضاوي بأنه "عالم أمة، وهو فقيه غزير الفقه، لديه وعي بمشكلات العصر، واهتمام بقضايا المسلمين، وعنده حلول تمتاز في معظمها بكونها تأصيلية كلية" مضيفا أنه "بالرغم من أنني خالفته في بعض القضايا ورددت عليه إعلاميا إلا أن ذلك لا ينقص من قدره". 

 

                           سعيد الغامدي.. داعية سعودي

وأضاف: "من المؤكد أنه ما من عالم ولا شريف، ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ونقص، ولكن لا ينبغي أن تصادر جهود الواحد منهم، وتهدر إيجابياته لخطأ وقع فيه، أو لزلة زلها، لا سيما إذا كانت من عالم مجتهد كالشيخ يوسف رحمه الله.. ومما يزيد في حب المرء له، هجوم الفاسدين والمتصهينين، والقمعيين عليه، وهو هجوم وإن كان موجها ضد الشيخ إلا أن المقصود به الإسلام الشمولي المتحرك الداعي للحريات، والمطالب بالحقوق".

وتابع الغامدي حديثه لـ"عربي21" بالقول: "وأيم الله لقد مثل الشيخ يوسف القرضاوي هذا الجانب أكرم تمثيل، وحرص عليه أشد الحرص، ولذلك صار حسكة في حلوق أهل الفساد والإفساد، وقطعان التبعية، وأسراب الكارهين لدين الله ولأمة الإسلام، فرحمه الله رحمة الأبرار، فآثاره ماثلة، وتراثه قائم، وعلمه مستمر". 

من جهته رأى الباحث في الفكر الإسلامي، صهيب بوزيدي أن "مما تميز به الشيخ القرضاوي سده للثغرات العلمية، واهتمامه بنقاط الضعف المعرفية، إذ لم يقتصر علمه على مجال واحد في الشريعة، وإنما كان متقنا لعلوم القرآن والسنة، وسائر علوم الآلة كأصول الفقه والتفسير والحديث إضافة لعلوم يغفل عنها كثير من الشيوخ رغم أهميتها في ترسيخ اليقين، والقواعد العلمية كأركان الفلسفة الأربعة: الإبستمولوجيا والأنطولوجيا والمنطق والأخلاقيات". 

 

                       صهيب بوزيدي.. باحث في الفكر الإسلامي

وأردف: "إضافة إلى الفكر والتاريخ والسياسة، وفقه الواقع، وقد تميز بإتقانه للمذاهب الأربعة، واستحضار أقوالهم في كل مسألة سواء كانت أصولية أم فرعية، وكانت فتاويه قريبة من الصواب والتيسير يحسبها غير المتخصص شنيعة، فيبادر لاتهامه بغير حق، ثم إذا أمعن فيها لم يجد إلا الاعتراف للشيخ بالقوة والمتانة العلمية، فبعض ما اعتبره الناس من أخطاء القرضاوي وشذوذاته، هي برأيي الدليل على قوته الفقهية" على حد قوله.

وردا على سؤال "عربي21" حول مكانة القرضاوي في أوساط الأمة، قال بوزيدي: "الشيخ القرضاوي كان عالم أمّة لا عالم فرقة أو مذهب أو جماعة معينة، وهو بنظري يستحق مرتبة المجتهد المطلق لا كما يصف نفسه متواضعا وهو يقول: ’لست مجتهدا ولكني أقدر على الترجيح‘.. ذلك لأنه استطاع تقرير أصوله الفقهية الخاصة مع الاستدلال عليها فضلا عن فروع الفقه، كذلك أحاط بكل المسائل الشرعية فلا تمر عليه مسألة إلا وذكر فيها أقوال كل من تكلم فيها من المذاهب وأدلتهم" متسائلا: "فإن لم يكن هذا عالما مجتهدا فمن يكون كذلك إذن؟".

وواصل: "وكان عالما متفقا عليه بين المسلمين إلا بعض من شذ منهم من الطائفيين والمتزمتين، وقليلي العلم والإدراك ممن زهّدوا الناس حتى في التطور والعلوم العصرية، وجاءوا بكوارث تسببت في ترك الكثير من المسلمين للإسلام إذ صوروا لهم الدين أنه متخلف ورجعي، ومخالف للعقل والفطرة، فشوهوه من حيث أرادوا نصرته". 

وأضاف الباحث الجزائري، بوزيدي: "وبقي القرضاوي عالما متفقا عليه إلى أن قامت ثورات الربيع العربي ما تسبب في شن بعض الحكام هجمات عليه فجندوا ذبابهم الإلكتروني لمحاربته، فقدروا على تشويه صورته عند كثير من العوام الذين لا يدركون حقيقة الأمور وعمل على ذلك التشويه بعض المنتسبين إلى مدارس التزمت". 

وتابع: "ومع ذلك فما زال الشيخ القرضاوي مرجعية عند كثير من المسلمين، ولكنه لم يعد في نظرهم بمثل مرتبة الشيخ الشعراوي الذي لم يصطدم مع الحكومات، ما جعله محل اتفاق بدرجة أكبر رغم أن القرضاوي من أقران الشعراوي عليهما رحمة الله". 

وفي الإطار ذاته قال الأكاديمي المصري، الأمين العام لرابطة علماء أهل السنة، الدكتور جمال عبد الستار: "ما ميز الشيخ الدكتور القرضاوي في كتاباته العلمية والفقهية والفكرية إضافة لقيمتها العلمية، أنه كان يشتبك فيها مع قضايا الأمة، ويقدم حلولا ومعالجات لأمراضها وآفاتها الفكرية، فلذلك تلقف العلماء والدعاة كتبه ومقالاته بلهفة نظرا لقيمتها العالية من جهة، ولملامستها لهموم الأمة ومعالجتها لكثير من مشاكلها وأدوائها من جهة أخرى". 

 

                        جمال عبد الستار.. باحث مصري

وواصل: "كذلك فإن مما ميز إنتاج الشيخ القرضاوي أنه لم يكن مهتما بعلم واحد أو بعلمين، بل كانت اهتماماته وكتاباته وبحوثه تشمل غالب العلوم الدينية، والقضايا الفكرية، فهو عالم موسوعي بحق، يكتب في العقيدة، وفي الأديان، وفي التفسير وفي الفقه، وفي الدعوة والتربية والرقائق، وهو في كل ما كتب كان مجيدا وعميقا، تماما كما يكتب أهل الاختصاص في تلك العلوم والمجالات". 

ولفت عبد الستار في حواره مع "عربي21" إلى أن "الشيخ القرضاوي تمتع في إنتاجه الفقهي والفكري والدعوي باستقلالية تامة، فهو يقرر ما ترجح لديه بالدليل الشرعي المعتبر، ولا يخضع في ذلك كله لأية إملاءات سياسية معينة، أو ضغوط شعبوية، ونظرا لما كان يتحلى به من الاستقلالية العلمية، وإعلائه من شأن البحث العلمي، فقد نال محبة الجميع، وحظي باحترامهم وتقديرهم". 

وعن مدى تشكيل القرضاوي لمرجعية دينية تجاوزت الحزبية والمذهبية، رأى عبد الستار أنه "بتنوع كتاباته وبحوثه، وتعدد اهتماماته ومعالجاته، وريادته لميادين بحثية وفكرية وفقهية مختلفة، شكل بالفعل مرجعية دينية محترمة في أوساط كثير من العلماء والدعاة، فكانوا ينهلون من كتبه، ويغرفون من بحار كتاباته وأبحاثه في خطبهم ودروسهم وتوجيهاتهم".

وأردف: "ولأن الشيخ كان يدرك أهمية العمل المؤسسي المنظم، فقد سعى لتأسيس مرجعيات مؤسسية على مستوى الأمة، كتأسيسه مع مجموعة من العلماء والدعاة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، كمؤسسة علمائية مستقلة، وكمجلس الإفتاء الأوروبي، كمرجعية دينية للفتوى للمسلمين في أوروبا".  


ونبه عبد الستار إلى أن "الشيخ القرضاوي انحاز في كل محطات مسيرته الدينية والدعوية والعملية إلى الشعوب، وطالب بحقوقها، وظهر ذلك بكل وضوح في مواقفه من الربيع العربي وثوراته، حيث انحاز إليها وأيد الثورات الشعبية المطالبة بحقوقها الطبيعية، وهو ما وضعه في بؤرة الاستهداف من قبل غالب الأنظمة القمعية والاستبدادية".

بدوره وصف الباحث المغربي في الدراسات الإسلامية، الدكتور حمزة الكتاني الشيخ القرضاوي بـ"العالم الموسوعي في مختلف العلوم الشرعية، والقضايا الفكرية، ومن بين القضايا الكثيرة التي اهتم بها اهتمامه المبكر بالمالية والمصرفية الإسلامية، منذ كتابته لرسالة الدكتوراة عن "فقه الزكاة"، وهذا جانب كانت له فيه مساهمات فقهية واجتهادية فريدة ومتميزة". 

وأضاف: "كما أن للشيخ القرضاوي اجتهادات في مقاربة مفاهيم معينة بصورة عصرية، كمفهوم أهل الذمة، وما يتصل به من حكم الجزية، بأن يحافظ على الجوهر والمعنى، مع تغيير الاسم، فيسميها "ضريبة المواطنة"، فكما أن الزكاة ضريبة على المسلمين، فهذه ضريبة على غير المسلمين".

وتابع: "كذلك فإن الشيخ حاول أن يهدم الحدود بين المجتمع الإسلامي وغير الإسلامي، بأن يؤاخي بين المسلمين والمسيحيين، كما أنه يعتبر من صناع فقه الأقليات المسلمة في العالم، وله في ذلك فتاوى واجتهادات خاصة بتلك الأقليات، كذبائح أهل الكتاب وإن كانت مقتولة بالكهرباء وما شابه ذلك". 

 

                            حمزة الكتاني.. باحث مغربي

أما بخصوص منهج الشيخ القرضاوي بصورة عامة، فأبدى الكتاني في تصريحاته لـ"عربي21" تحفظاته على بعض صوره "إذ لم يكن منهجا تأصيليا، بل كان تحليليا، ينبثق من عمومات المقاصد الشرعية، والمصلحة العامة، وغير ذلك، ولكن هذه العمومات في بعض الأحيان كانت تفتقد للتأصيل، وكانت تتجاوز النصوص الشرعية بدورها الهام والحاسم في الأحكام، حيث يتم تجاوزها إلى عموم المصلحة والمفسدة، والتي لم تكن في بعض الحالات تشكل مصالح أو مفاسد شرعية" وفق عبارته. 

ومثل لذلك بفتوى القرضاوي أو مشاركته في الفتوى التي أباحت للمسلمين المشاركة في صفوف الجيش الأمريكي إبان الحرب على العراق وأفغانستان، وكان المبرر عدم التشكيك في مواطنة المسلمين المقيمين في أمريكا، وهذا ليس مبررا مقبولا، لأنه لا يمكن اعتباره مصلحة شرعية". 

وختم الكتاني حديثه بالإشارة إلى أن الشيخ القرضاوي "كان يشكل مرجعية دينية لتيار مهم من أهل السنة والجماعة، ألا وهو جماعة الإخوان المسلمين، والحركة الإسلامية عموما، ولكن نظرا لمساهمات الشيخ الفقهية والفكرية في مجالات وميادين مختلفة، فإن اجتهاداته ستكون حاضرة في أوساط إسلامية أعرض وأوسع، وهو إمام كبير، ومفخرة من مفاخر العصر، له ما له، وعليه ما عليه، شأنه في ذلك شأن علماء الأمة قديما وحديثا". 


التعليقات (0)