كتب

جدل الواقعي والشرعي في الفقه السياسي في العصر الوسيط.. قراءة في كتاب

لا ينفي الباحث أن فكرة الحكم بإرادة إلهية كانت قائمة في الحقل السياسي للإسلام في القرون الوسطى..
لا ينفي الباحث أن فكرة الحكم بإرادة إلهية كانت قائمة في الحقل السياسي للإسلام في القرون الوسطى..
الكتاب: "الإسلام والسياسة في العصر الوسيط"
الكاتب: مكرم عباس
ترجمة: محمد الحاج سالم
الناشر: مركز نهوض للدراسات والنشر، ط1 2020، بيروت- لبنان
عدد الصفحات: 208

1


تجد أطروحات غربية معاصرة كثيرة نفسها تسقط خلفياتها التراثية الفكرية آليا على موضوعها وهي قضايا المجتمعات الإسلاميةِ الكلاسيكيةَ كالخلافة، والتنظيم الإداري للدولة في العصور الوسطى أو هي تدرس قضاياها الحديثة كاستبداد الأنظمة الحالية في العالم العربي، والأزمات السياسية، والأصولية الدينية. وتكاد تشترك في المصادرة على أنّ السمة الكبرى المميزة لتنظيم هذه المجتمعات هي الأصل الإلهي للسلطة في الإسلام. من بين هؤلاء يذكر الباحث مكرم عباس على سبيل المثال غوستاف فون غرونباو. فهذا الكاتب يقول "الله وحده هو الحاكم، حتى لو اختار أن يحكم من خلال زعيم من البشر. وسواء تم تعيين هذا الزعيم أو انتخابه، أو فرض نفسه بالقوة، فإن سلطته ناتجة عن توليته مباشرة من الله؛ ذلك أن سلطة الله هي السلطة الوحيدة بحق".

وبناء عليه تقدّر هذه الأطروحات أن الخلط بين السياسة والدين في الإسلام يحول دون كل محاولة لبناء سياسي حر يستند إلى سلطة بشرية. وتخلص إلى أنّ المسيحية في الغرب قد توفّقت في التمييز بين الروحي والزمني. وسلّمت بوجود فضاء سياسي مستقل يتحرّك فيه الأفراد من أجل الصالح العام ترى. وبالمقابل  أنّ المدينة الحقيقية في الإسلام "هي مدينة الله وليس للعقل أي وضع مستقل".

وعلى منوال غوستاف فون غرونباو، تنتهي باتريشيا كراونه  في خاتمة دراسة حديثة بعنوان "الفكر السياسي الإسلامي في العصور الوسطى" إلى أن المجتمع المسلم كان  في العصور الوسطى الكنيسة على نحو ما، ولفشلها تكون جماعةً تقوية حقيقيَّة من المؤمنين ظلّت تعوّل على حماية الدولة، وظلّت السياسة قائمة في الإسلام، لحماية الدين لا باعتبارها وجودا مستقلا خاصا. و"باختصار، إن المجتمع المسلم ظلَّ مَجْمَعًا مكرسًا للصلاة؛ وذلك على عكس الدولة التي كانت دوما منظمةً على أسس دينيَّة".

2

ولا تذهب الدراسات المشار إليها هذا المذهب، في تقدير الباحث، إلا وهي متأثرة بمنجز ماكس فيبر  الذي تناول الفكر السياسي للإسلام باعتباره بنية جامدة تعيد السياسي إلى الإلهي، بحيث لا مطمح للبشر  في تنظيم الفضاء المدني أو أي إمكانية للتأثير في الواقع. وفي تصوره ذاك لامتداد لمبدإ أشمل يحكم فكره مداره على أنّ السلطة السياسية نوعان  أولهما عقلاني نابع من الثّقافة الغربية، وهو يتسم بتمايز الأنشطة القانونية والإدارية وتخصّص السياسيين واحترافهم مهنة السياسة وثانيهما تقليدي أساسه الهيمنة ومن بين من يمثله الإسلام: ذلك أن "الإسلام كنيسة غير مرئية" عنده فهو "لا يسمح بقيام أي فصل بين السلطة الدينية وبين السلطة السياسية".

يقدّر مكرم عباس الذي ينسب مقاربته إلى مجال الفلسفة السياسية أنّ أعمالا معاصرة من مجالي التاريخ وعلم الاجتماع،  قد حاولت أن تفكر في العلاقة بين السياسة والدين في الإسلام بشكل مختلف وأنها عملت على النظر في شروط ظهور العلمانية في المجتمعات العربية الإسلامية المعاصرة مؤكدة أنه لا وجود لمفهوم سياسي مخصوص بالإسلام من جهة وأنّ التماس بين السّياسي والدّيني وجد في الغرب المسيحي بقدر ما وجدت محاولات للفصل بينهما. ومن هذا المنطلق يجعل أثره يحاول أن يعيد التفكير في العلاقة بين الديني والسياسي في التراث الفكري الإسلامي.

وتتمثل خطة الباحث في مساءلة المفاهيم وتقصّي الاستخدامات اللغوية، وتتبع ظهور الأفكار  لدراسة الطريقة التي تم التفكير بها في السياسة في الإسلام. وينتهي إلى أن المسالة طرحت من ثلاث زوايا: من زاوية تاريخية ضمن ما عرف بكتابات الآداب السلطانية ومن زاوية وقانونية ضمن تقليد السياسة الشرعية ومن زاوية علمية تولاها الفلاسفة. ويقدّر أنّ السبيل الأفضل لإعادة النظر في هذه المسألة تكون إيبستيمية بالأساس وأن غايتها تكون التوصل إلى المعيار الذي يحرك كل مقاربة.

3

يجعل مكرم عبّاس من كتابات الآداب السلطانية مدخله للبحث في المسألة. والآداب السلطانية كتابات تتعلّق بقواعد سلوك السلطة السياسية شبيهة بما يطلق عليه "مرايا الأمراء" في الغرب. فقد نشأت هذه الآداب نتيجة لظهور جهاز ثقافي متزامن مع شغف الخلفاء والأمراء بالمعارف وعملهم على استقطاب الفلاسفة والعلماء إلى دوائر حكمهم. ويقدّر أنّ للأعمال المترجمة دور في نشأتها كذلك. من ذلك وصية أردشير الملك الساساني في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي لابنه سابور المعروفة ب"عهد أردشير" أو كليلة ودمنة لابن المقفع أو المصنفات المترجمة من الإغريق لاحقا.

الفقهاء السنة كانوا يجدون في حكم الخلفاء الأوائل في الإسلام، تاريخا مثاليا وسلسا خاليا من الصدامات والنزاعات. وعليه فخلفاء النبي، بمن فيهم معاوية، محترمون ومبجلون. ولأنهم كانوا يمثلون الحقّ لا يجوز لأحد انتقادهم أو لعنهم أو الحكم عليهم.
ليفهم التصوّر العربي الإسلامي للسلطة يعود الباحث مكرم عباس إلى المعاجم ليبحث في الدلالات الأصلية لجذع م-ل-ك. فمن دلالاتها الاستعارة ذات الأصل الرعوي التي تحصر الملك في مجرد حيازة بئر وإمكانية الاستيلاء على نقاط مياه في الصحراء. ومنها ما تعلّق بالقهر فلفظ الملك يعني وفقا لقاموس لسان العرب السيد والرب والملك احتواء الشيء والقدرة على الاستبداد به. منه مثلت السلطة على نحو ما رأسمال قد يزيد وقد ينقص وعلاقةً طرفاها مهيمنٌ وخاضعون.

ولا يجد في ذلك تشريعا للاستبداد أو تبريرا للظلم والقهر كما تذهب بعض الدراسات المعاصرة وإنما قناعةً بأن من شأن تسلط الفرد أن يمنع الفوضى ويحقق الاستقرار عبر كبح جماح المجموعة التي تنزع الغصب وبأنّ العقل السياسي ظل محكوما بهاجس الأمن حذرا من الفتن. ويستدل على ذلك بما ورد في "سراج الملك" للطرطوشي الكاتب الأندلسي الذي عاش في القرنين الحادي عشر والثاني عشر من وصف للحالة التي يمكن أن يتردّى إليها الاجتماع في  غياب سلطان قاهر. فبغيابه لا ينتظم للناس أمر ولا يستقر لهم معاش.

4

ولا ينفي الباحث أن فكرة الحكم بإرادة إلهية كانت قائمة في الحقل السياسي للإسلام في القرون الوسطى، وخاصة عند الفقهاء الذين نظروا إليها من زاويتين مختلفتين، تقديس شخص ولي الأمر وردّ سلطته إلى الله. ولكن تأصيلها الشرعي كان ضعيفا. فالثعالبي مثلا ينتقد قوما من الراوندية أضفوا على الخليفة الثاني العباسي أبي جعفر المنصور صفات إلهية، فيذكر أن الخليفة خرج يوما من سرادقه، فرأى قوما منهم يسجدون له، ويدعونه كما يُدعى الله تعالى فأنكر عليهم واستنابهم، ثم أمر بقتلهم لعدم توبتهم.

أكثر من ذلك، يجد الباحث في الحديث عن أصل إلهي للسلطة في الإسلام شيئا من الإسقاط. فأصل  الفكرة مسيحية. وإرنست كانتوروفيتش يذهب  في كتابه "جَسَدا الملك" إلى أنّ العقل المسيحي وجد في الملك صورة للمسيح في طبيعتين، إلهية بالنعمة، وإنسانية بالطبيعة. ومن هنا مأتى فهم سلطته باعتبارها ذات أصل إلهي. وبالمقابل يعرض مكرم عباس نماذج من الفكر العربي التراثي تمثّل تأملات حول وجود الشر أو الخير في ذاتهما عند الإنسان وتؤكّد استحالة وجود إنسان خال من العيوب وتصل الطبيعة الإنسانية بالأهواء وتجعل من هذا الفهم أسا في تصورها  للمُلك. فتفهم الحكمَ باعتباره سياسة للنفس وسياسة للآخرين. وتقدّر أنّ إدارة الدولة تخضع لتصور كامل بداية من ضبط النفس والتحكم في الأهواء، وصولاً إلى الأنشطة التي تتعلق بها حياة الرعية. ومنها اشترطت الآداب السلطانية تسيير الدولة والشؤون العامة فضائل سياسية يجب أن تتوفّر في الأمير. وعامّة كانت تحدد الدولة باعتبارها مسؤولة عن حكم الأجساد والضرورات الدنيوية. أما الدين فهو لازم للنجاة في الآخرة ومسؤول عن حكم الأرواح. وكانت تحدّد  الروابط بين المؤسستين من جهة كون الدين يمثل نموذجا أخلاقيا يجسده مفهوم العدل الذي هو أساس العمران.

5

تمثل العلاقة بين السياسة والشريعة زاوية ثانية يمكن أن نختبر من خلالها تفكير العقل الإسلامي في السلطة. وهنا يلاحظ الباحث أنّ الفقهاء حاولوا أن يقننوا الاشتغال السياسي للمجتمع عبر ربط السياسة بالشريعة. ولكن ذلك لم يحدث إلا في زمن متأخر نسبيا مقارنة بعمل المؤسسة الفقهية على ضبط معظم الممارسات الاقتصادية والمالية كالتجارة والميراث والملكية  أو العبادية كالصلاة والصوم والحج، أو الاجتماعية كالزواج والطلاق وبناء الأسرة. ثم يرصد نزعتين متباينتين يجد أولها عند السنة وثانيها عند الشيعة.

فالفقهاء السنة كانوا يجدون في حكم الخلفاء الأوائل في الإسلام، تاريخا مثاليا وسلسا خاليا من الصدامات والنزاعات. وعليه فخلفاء النبي، بمن فيهم معاوية، محترمون ومبجلون. ولأنهم كانوا يمثلون الحقّ لا يجوز لأحد انتقادهم أو لعنهم أو الحكم عليهم.  وعلى النقيض من ذلك لم يكن التاريخ السياسي للإسلام ـ في نظر الشيعة ـ سوى اغتصاب للسلطة ووجه من وجوه الظلم السياسي والديني. وإلى هذا الشعور بالمظلومية يردّ نشأة الفقه الإمامي الذي يعتقد في مجيء "الإمام الذي سيملأ الدنيا عدلا بعد أن ملئت جورا" في  القرن العاشر الميلادي.

6

انطلاقا من هذا التباين بين التصورين يجد أنّ التصوّر السّني ظلّ يعمل على إظهار أن مسار التاريخ السياسي كان منسجما مع المبادئ الأساسية للإسلام وأنّ الحكومات المتعاقبة كانت شرعية. وهذا ما عدّه تبريرا لاحقا يحاول إضفاء الشرعية الفقهية عليه. ويتناول الفقه السياسي عند الماوردي من خلال "الأحكام السلطانية" فيصله بالمؤثرات السياسية. وينزله في سياق تآكل سلطة الخلفاء العباسيين. فلم يعد الخليفة يملك صفات الملك السيد بعد أن نزع منه الوزراء البويهيون، وهم شيعة، الكفاءةَ العسكرية والأبهة والتشريفات المرتبطة بالملك. وفقد صلاحيات الإشراف على تنظيم مختلف دواوين الخلافة وتدبيرها . وباتت مؤسسة الخلافة السنّية مهددة بسبب هذه الوصاية أو بسبب ظهور الخلافة الفاطمية الشيعية المنافسة في المهدية أولا ثم في القاهرة.

فضلا عن هذه المؤثرات السياقية والحضارية يعدّ الماوردي أشعري العقيدة، من فقهاء المذهب الشافعي. وعليه يجد الباحث أن فقه السياسة الشرعية عنده كان يحمل في طياته بصمات الخلافات الكلامية التي انبعثت مجدداً بوصول سلالة شيعية إلى سدة الحكم. وهذا ما مثّل مبعث النقاشات التي دارت حول طبيعة الإمامة. فذهبت وجهة النظر الشيعية إلى أنها عقيدة دينية شبيهة بالشهادتين تستوجب الإيمان بالإمام المعصوم.

لم يكن التاريخ السياسي للإسلام ـ في نظر الشيعة ـ سوى اغتصاب للسلطة ووجه من وجوه الظلم السياسي والديني. وإلى هذا الشعور بالمظلومية يردّ نشأة الفقه الإمامي الذي يعتقد في مجيء "الإمام الذي سيملأ الدنيا عدلا بعد أن ملئت جورا" في القرن العاشر الميلادي.
أما وجهة النظر السنية فذهبت إلى أنها منصب سياسي تحدد قواعدها التاريخية والطارئة من قبل الأمة. ومن هنا مأتى الحكم الفقهي للإمامة بوصفها عقدًا تجسده البيعة وتقوم على مبدأ الاختيار. ويجد أنّ هذا التصوّر يهدف إلى نفي تنصيب النبي لعلي إماما ومن خلفه ذريته (آل البيت) ويدافع عن التاريخ السياسي للإسلام ويقدّم الأنماط التي تبناها الخلفاء الراشدون باعتبارها الوحيدة المعتبرة شرعا.

7

يدافع هذا المؤلف إذن على أطروحة مدارها أنّ الأرضي هو الذي كان يوجّه الفقه السياسي لا السماوي. ويجد أنّ الإمام الجويني الشافعي يتقدّم خطوة أوسع في ربط الفقه السياسي بسلطة الواقع لا بالسلطة الإلهية وبالمقدّس. فيتبنى فكرة عدم جواز  أكثر من دولة واحدة وإمام واحد في الإسلام. وينزّل الباحث فكره  في إطار المناكفات السياسية في عالم تشتت دوله الإسلامية وأفضت إلى ظهور ثلاث خلافات متصارعة سنية عبّاسية في بغداد وسنية أموية في الأندلس وشيعية في القاهرة.

 وضمن هذا الأفق يتنزّل قوله بإمامة الفاسق مرتكب الكبائر، طالما كان الإمام مثابرا على رعاية مصالح البلاد. ف"مقصود الإمامة القيام بالمهمات، والنهوض بحفظ الحوزة وضمّ النشر وحفظ البلاد الدانية والنائية بالعين الكالئة". وإليه يردّ منعه لخلعه من منصبه، وإن ارتكب الكبائر. ومن منطلقه  يتنازل الجويني عن القاعدة الموجبة لكمال الأخلاق التي عملت الآداب السلطانية على ترسيخها.
التعليقات (1)
أبو فهمي
الخميس، 03-08-2023 06:55 م
""""""""""""""""""""""" أن الخلط بين السياسة والدين في الإسلام يحول دون كل محاولة لبناء سياسي حر يستند إلى سلطة بشرية."""""""""""" لا يوجد شيء في الاسلام اسمه بناء سياسي يستند الى """""" سلطة """""" بفتح السين واللام والطاء """""" بشرية """"" سوى التي نأكلها!!!!!!!!!!!!!. الاسلام هو كل كامل متكامل بفرض الهي من رب العالمين على مخلوقه """"""" الضعيف والغبي """"""" ابن آدم وقد فصل له كل شيء ولكن ابن آدم """""" عبد الجبار """""" يريد التطاول على خالقة وهذه صفة """""" اليهود """""" الذين مسخهم رب العالمين الى قردة خنازير ويأتينا في هذا الزمان """"""" صعاليك مسلمون """"""" بالهوية فقط يتفلسفون """""" لمصلحة مادية """""" عسى أن يكون لهم شأن ويتقاذفهم اليهود والصليبيين بشروى نقير طالما أنهم """"""" يبذرون الفتن """"""" فهم ومن وراءهم من السافلين لاقيمة لهم لأنهم يعرفون أن الاسلام باق وهم """"""" ذاهبون """"""" الى غير رجعة.