آراء ثقافية

القضية الفلسطينية في عيون الدراما السورية

القضية الفلسطينية منذ النكبة وهي شغل الفنانين سواء عبر المعارض التشكيلية والرسم أو عبر الموسيقى والمسرح ونهاية مع الدراما والسينما- يوتيوب
القضية الفلسطينية منذ النكبة وهي شغل الفنانين سواء عبر المعارض التشكيلية والرسم أو عبر الموسيقى والمسرح ونهاية مع الدراما والسينما- يوتيوب
نفتقر اليوم لدور الدراما العربية كمشروع فني/ ثقافي يحاكي ويخاطب المجتمع والسياسية والاقتصاد، يخاطب الإنسان ويحاول تقديم صورة عن الواقع. فبعد أن سقطت الدراما في مستنقع شركات الإنتاج والتسويق وصارت تتجرد من مضامينها لتصبح مجرد سلعة قائمة على الربح والترند، فإنه غاب أثرها ودخلت حيزّ الترفيه فقط.

لمّ تكن الدراما دوماً هكذا وبالأخص الدراما السورية، بما أنها ازدهرت لفترة طويلة منذ التسعينيات وحتى منتصف العقد الثاني من الألفية الثانية، ولعلنا باتباع مسيرة تطورها نرى أن أثر سوق الإنتاج وشكل الدراما المعاصر كان كبيراً عليها، لدرجة فقدان جوهرها وقيمتها الأصلية، حيث إننا بتنا نلاحظ اختفاء أنواع كاملة من الدراما السورية، ومنها الدراما العائلية التي لطالما اشتهرت بها.

في مسيرة الدراما السورية وفي تنوع نتاجها قدمت لنا منذ انطلاقتها بداية الستينيات حتى يومنا أنواعا مختلفة من هذا الفن، حتى إنها حاولت بناء نماذج وتصنيفات لمفهوم الدراما، وهذا واحد من أسباب نجاحها، فهي لم تتقيد بالموضوعات المحلية فقط بل قدمت الدراما التاريخية وإلى جانبها قدمت دراما تختص بالقضية الفلسطينية وفلسطين، ولعلها كانت من أكثر الأعمال وفاء للقضية حيث عرف صناع الدراما الأدوات التي بين أيديهم واستغلوها تجاه القضية.

اظهار أخبار متعلقة


فلعل أفضل ميزات الدراما ونقطة تفوقها على السينما هي الوقت، فالدراما تمتلك الوقت حيث إن أغلب المسلسلات تمتد لمدة ثلاثين حلقة بمعدل 50 دقيقة للحلقة الواحدة، وهذا ما يتيح لها المساحة والراحة لتقديم الصورة التي تريدها. وفي موضوعة القضية الفلسطينية كان الوقت أداة لتقديم أعمال استطاعت تناول تاريخ القضية وتغطية جوانب عدّة في آن معاً لأعمال نستطيع تصنيفها كحركة مناصرة فنية وتوعوية للقضية وتاريخها. وفي ظل الوضع السياسي والإنساني اليوم وخلال حرب الإبادة على غزة، فإنه لا يمكن نسيان ما قدمته الدراما السورية للقضية الفلسطينية، دون تذكر أن فلسطين كانت ولا تزال تشكل جزءاً من الوجود السوري.

القضية ملازمة للفن منذ البدايات
منذ انطلاقة الدراما السورية فإنها تطرقت لموضوعات "عروبية" كما حال الفترة التي بدأت فيها، فالفن بشكل عام كان من أول المستجيبين دوماً للقضايا الإنسانية والسياسية، فنرى القضية الفلسطينية منذ النكبة وهي شغل الفنانين سواء عبر المعارض التشكيلية والرسم أو عبر الموسيقى والمسرح، ونهاية مع الدراما والسينما. ففي الدراما تم تناول القضية الفلسطينية لأول مرة مع مسلسل "عزّ الدين القسام" عام 1981 وهو من تأليف "أحمد دحبور" وبطولة الفنان "أسعد فضة" والممثلة القديرة "منى واصف" ومن إخراج "هيثم حقي" وإلى جانبهم عملت "فرقة العاشقين الفلسطينية" على تقديم أغانيها  في العمل، وهو عمل درامي يحكي سيرة المجاهد الشهيد المنحدر من سوريا عز الدين القسام في فلسطين المحتلة ضد الاحتلال البريطاني وبداية الاستيطان الصهيوني، في فترة مفصلية من تاريخ القضية الفلسطينية.

وتلاه في عام 1995 المسلسل التاريخي "نهارات الدفلي" إخراج "محمد زاهر سليمان" وبطولة عدد من النجوم منهم "عباس النوري" و"غسان مسعود" و"حاتم علي" و"سلوم حداد" و"خالد تاجا"، وهو يتابع تطور وتصاعد القضية الفلسطينية منذ نهاية الاحتلال البريطاني وحتى قيام الكيان الصهيوني عام 1948، عبر تصويره أهم الثورات وتدخل جيش الإنقاذ العربي.

وتلاهما كل من مسلسل "التغريبة الفلسطينية" 2004 و"مسلسل عائد إلى حيفا" عام 2004 المستند على رواية الأديب والمناضل الفلسطيني "غسان كنفاني" الذي شارك في بطولته كلٌّ من "نورمان أسعد" بدور الأم صفية و"سلوم حداد" بدور الأب سعيد، وقام بإخراجه "باسل الخطيب". ولم يلتزم كاتب السيناريو "غسان نزال" بنقل الرواية للشاشة بل إنه توسع في استعراض جوانب نكبة نيسان 1948 شهر سقوط مدينة حيفا وقتل أكبر عدد من أهلها لإجبار من تبقى على الهرب بالسفن الإنجليزية التي كانت تنتظرهم في الميناء، ليبين السيناريو المحكم الذي رسمه كلّ من الاستعمار البريطاني والاحتلال الصهيوني لتهجير أهالي فلسطين والاستيطان.

وقدم عدد كبير من المسلسلات الأخرى التي حاكت القضية من جوانب مختلفة منها أعمال السيرة الذاتية كمسلسل "في حضرة الغياب" 2011 الذي يروي سيرة الشاعر "محمود درويش" ومسلسل "حارس القدس" 2020 الذي يحكي سيرة المطران السوري إيلاريون كبوجي.

اظهار أخبار متعلقة


التغريبة التي حفرت في كل مشاهد
قدم كل من المخرج "حاتم علي" والكاتب "وليد سيف" واحداً من أهم الأعمال التي تناولت القضية وهو "التغريبة الفلسطينية" عام 2004، العمل الذي يظل حتى يومنا هذا مرجعاً لصناع الدراما ووثيقة أيقونية تؤرخ القضية الفلسطينية درامياً، يقول حاتم علي في عدّة حوارات حول دافعه وراء إنجاز العمل "لقد تحولنا إلى أسوأ محامين يدافعون عن أكثر قضية عادلة في التاريخ، هذا كان هاجسي عندما نويت إنجاز مسلسل التغريبة".

التغريبة المسلسل الذي شارك به كبار نجوم الدراما السورية والأردنية والفلسطينية أمثال "خالد تاجا" و"جمال سليمان" و"باسل خياط" و"جولييت عواد" و"تيم حسن" و"يارا صبري" وغيرهم، قدم المسلسل ما لا نعرفه عن البلاد، فهو حفر في ذاكرة كلّ من تابعه مشاهد وعلاقة مع البلاد عبر سيناريو محبوك بدقة، وحقائق تاريخية وأداء درامي واخراجي عالي المستوى، حتى أصبحت العديد من أحداث المسلسل وجمله كليشيهات معروفة بين جيل كامل من الناس.

كان العمل أيقونياً على كافة المستويات حيث استطاعت أسرة "الشيخ صالح" التعبير عن جيل الثورة والنكبة والشتات في آن معاً، بداية من شارته التي غناها عاصم خياط وهي كلمات قصيدة "الفدائي" للشاعر الفلسطيني "إبراهيم طوقان"، وانطلاقاً من هذه القصيدة التي تحكي قصة فدائي فلسطيني حاول اغتيال موظف إنجليزي وقت الثورة الفلسطينية الكبرى في الثلاثينيات في قرية فلسطينية لا يحدد المسلسل أو النص اسمها، قرية تعكس كلّ فلسطين في لحظة، ينطلق المسلسل ليصور الأمل بالثورة، والخيبة في النكبة والانكسار في اللجوء والشتات. إلى جانب هذا البناء المتين يتعمق كلّ من كاتب النص ومخرجه في تفاصيل التهجير والنكبة وهما يقدمان عملاً من الممكن اعتباره وثيقة تاريخية عن ممارسات الصهاينة في القرى الفلسطينية أثناء النكبة.

وقدم العمل ثلاثة أجيال متلاحقة من أسرة "الشيخ صالح" بين عامي 1933 و1967، أجيالا مرّت على المفاصل الرئيسية التي تشكل التاريخ الفلسطيني اليوم "جيل الثورة، جيل النكبة، جيل الأحفاد والهزيمة".

في ظل حرب الإبادة الممارسة اليوم في غزة، نعود لتأمل ما قدمته الدراما، ونتساءل عن سبب غرقها في مستنقع الترفيه وعن ما خسرته إذ تحولت إلى سلعة، سلعة آنية لا تملك أثرا، حيث لا يملك مسلسل من المسلسلات المعاصرة أثراً يمتد لأكثر من مدة عرضه بسبب تفريغه من محتواه الاجتماعي الإنساني، فهو يتشابه مع واقع العالم المعاصر اليوم، واقع يعتمد على السرعة وخواء المحتوى.

التعليقات (0)