كتاب عربي 21

علامات استفهام حول الهجوم على كنيسة في إسطنبول

إسماعيل ياشا
الأناضول
الأناضول
شهدت مدينة إسطنبول، الأحد الماضي، هجوما مسلحا استهدف كنيسة سانتا ماريا الكاثوليكية الإيطالية أثناء قداس، وأسفر عن مقتل مواطن تركي. وأعلن وزير الداخلية التركي علي يرلي كايا، في اليوم التالي، عن اعتقال شخصين يشتبه في أنهما منفذا الهجوم الإرهابي، مضيفا أن أحدهما من روسيا والآخر من طاجكستان. كما أن تنظيم داعش الإرهابي تبنى الهجوم عبر وكالة "أعماق" التابعة له، قائلا إن العملية نفذت استجابة لنداء قادته "باستهداف اليهود والنصارى في كل مكان".

وسائل الإعلام التركية ذكرت أن الضحية هو مواطن تركي يعاني من الإعاقة الذهنية بنسبة 80 في المائة، وكان يرتاد الكنيسة منذ أشهر، كما أنه ينتمي إلى الطائفة العلوية، وأقيمت له مراسم الجنازة في أحد "بيوت الجمع" التي يعتبرها العلويون دور عبادة لهم، وليس في كنيسة.

مقتل شخص واحد فقط في الهجوم أثار تساؤلات حول دوافعه، فيما ذهب بعض المحللين، في الوهلة الأولى، إلى أن العملية قد تكون بسبب خصومة شخصية، إلا أن كافة المؤشرات تشير إلى أن المستهدف ليس ذات القتيل، بل الكنيسة والمشاركين في قداس الأحد
مقتل شخص واحد فقط في الهجوم أثار تساؤلات حول دوافعه، فيما ذهب بعض المحللين، في الوهلة الأولى، إلى أن العملية قد تكون بسبب خصومة شخصية، إلا أن كافة المؤشرات تشير إلى أن المستهدف ليس ذات القتيل، بل الكنيسة والمشاركين في قداس الأحد، بدليل أنه كان بإمكان المنفذين أن يقتلاه في الشارع أو في أي مكان آخر خارج الكنيسة. إضافة إلى ذلك، فإن ارتباط منفذي الهجوم بخلايا داعش وتبني التنظيم الإرهابي للعملية يشيران إلى أن الهجوم عملية إرهابية بامتياز.

السيارة التي استخدمها المنفذان للهجوم جاءت من بولندا قبل حوالي سنة، ولم يتم استخدامها إلا يوم الأحد. كما أن القنصل العام البولندي في إسطنبول، فيتولد ليسنياك، كان في ذات الكنيسة مع عائلته أثناء الهجوم. وبالتالي، فإن هذا يطرح السؤال نفسه: "هل كان الهدف هو اغتيال القنصل العام البولندي؟".

وزير الداخلية التركي، في حديثه للإعلامية التركية هانده فرات، استبعد أن يكون الهدف من الهجوم هو اغتيال القنصل العام البولندي، مضيفا أن الرجل دأب على أن يشارك في القداس كل يوم أحد في كنيسة مختلفة، وبالتالي فإن تواجده في الكنيسة المستهدفة، وكذلك استخدام تلك السيارة في العملية الإرهابية، كانا مجرد صدفة.

هجوم الأحد الإرهابي من ناحية جنسيات منفذيه يشبه العمليات السابقة التي قام بها تنظيم داعش في تركيا. ويستخدم التنظيم غالبا في مثل هذه الهجمات عناصر من دول آسيا الوسطى، علما أن منفذ العملية الإرهابية التي استهدفت ملهى ليلي في الأول من كانون الثاني/ يناير 2017 والتي راح ضحيتها 39 قتيلا و70 جريحا، جاء من أوزبكستان. كما أن منفذي الهجوم الدموي الذي استهدف مطار أتاتورك في إسطنبول في حزيران/ يونيو 2016 وأسفر عن مقتل 45 شخصا وإصابة العشرات الآخرين، أحدهم أوزبكي والثاني قرغيزي. ويقول يرلي كايا إن عدد ضحايا الهجوم الإرهابي كان يمكن أن يكون أكبر بكثير، كما كان في هجمات داعش السابقة، لو لم يتعطل المسدسان اللذان استخدمهما منفذا العملية الإرهابية بعد عدة طلقات.

الهجوم جاء قبل حوالي شهرين من الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في 31 آذار/ مارس القادم، وفي الوقت الذي تشهد فيه العلاقات التركية الإسرائيلية توترا بسبب موقف أنقرة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. ولذلك، ربط بعض المحللين بين الهجوم الإرهابي والأجواء الانتخابية ومحاولات تحريض الشارع ضد الحكومة بدعوى أنها المسؤولة 
الهجوم جاء قبل حوالي شهرين من الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في 31 آذار/ مارس القادم، وفي الوقت الذي تشهد فيه العلاقات التركية الإسرائيلية توترا بسبب موقف أنقرة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة
عن فقدان الأمن والأمان، لأنها فتحت حدود البلاد أمام "كل من هب ودب"، في إشارة إلى اللاجئين السوريين والأفغان. وذهب آخرون إلى أن الموساد الإسرائيلي قام بتحريك تنظيم داعش الإرهابي بعد أن ألقت قوات الأمن والاستخبارات التركية القبض على عملائها في تركيا.

تركيا تشهد قبل كل انتخابات محاولات لتصعيد التوتر داخل البلاد، كما أن تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية قد يكون وراء استهداف أمن تركيا واستقرارها، إلا أن هناك تطورات أخرى يجب أن لا يتم إغفالها في تحليل الأوضاع والأحداث، كالحديث الدائر حول انسحاب الولايات المتحدة من العراق وسوريا، والعمليات التي تقوم بها قوات الجيش والإستخبارات التركية خارج الحدود ضد حزب العمال الكردستاني، وموافقة تركيا على ملف انضمام السويد إلى حلف شمالي الأطلسي "الناتو"، وطلب الرئيس الأمريكي جو بايدن من الكونغرس الموافقة على بيع طائرات أف-16 ومعدات التحديث إلى تركيا.

قيام تنظيم داعش الإرهابي بالهجوم على كنيسة في إسطنبول لا يعني بالضرورة أنه يتصرف من تلقاء نفسه، بل يكاد يتفق الجميع أن هناك من يحركه. ومن المؤكد أن التحقيقات التي تجريها قوات الأمن والاستخبارات التركية ستكشف من يقف وراء الهجوم الإرهابي وما هي أهدافه والرسائل التي يريد توجيهها، إلا أن السلطات التركية قد لا تكشف عنها لأسباب سياسية وأمنية واستخباراتية.

twitter.com/ismail_yasa
التعليقات (0)