مقالات مختارة

بريتي باتيل وتداول الأيام

1300x600

أجبرت الوزيرة في حزب المحافظين بريتي باتيل على الاستقالة مساء يوم الأربعاء؛ بسبب إخفاقها في الكشف عن كل تفاصيل الاجتماعات التي عقدتها أثناء ما قيل إنه إجازة خاصة كانت تقضيها في إسرائيل. 

من المتعارف عليه أن اللقاءات الوزارية التي تجري مع مسؤولين أجانب ينبغي أن تنسق مع وزارة الخارجية للحفاظ على مستوى من المهنية والنزاهة في السياسة الخارجية. 

حينما يعمد الوزير إلى إخفاء هذه اللقاءات عن زملائه فإنه يفتح الباب على مصراعيه أمام الصحفيين وعملاء أجهزة المخابرات المختلفة لتقصي التفاصيل. والذي أطاح بالوزيرة بريتي باتيل في نهاية المطاف كانت محاولاتها المتكررة فيما يبدو للتضليل وإخفاء التفاصيل المتعلقة بهذه الاتصالات، حتى بعد أن كشف محرر البي بي سي جيمز لانسديل النقاب عنها. 

إلا أن ما هو مهم أيضاً في الموضوع هو أن هذه الاتصالات كانت مع مسؤولين إسرائيليين. تشكل الحدث نقطة تحول إزاء الانطباع الذي تشكله صورة إسرائيل في أذهان الدوائر المثقفة في الغرب من ثروة استراتيجية إلى عبء ذي مفاعيل سمية. 

ولكي نضع استقالة الوزيرة باتيل في سياقها، يجدر بنا العودة إلى رد الحكومة غير المبالي بما كشفته الأجزاء الأربعة من الفيلم الوثائقي "اللوبي" الذي أنتجته وبثته قناة الجزيرة في يناير كانون الثاني/ يناير من هذا العام. 

اللوبي

في هذا المشروع تمكن مراسل الجزيرة "روبين" من التخفي والتطوع للعمل في الوسط المناصر لإسرائيل داخل بريطانيا. بعدها بقليل قام شاي ماسوت، المسؤول السياسي في السفارة الإسرائيلية في لندن، بتجنيد روبين لمساعدته في أعماله دون أن يعلم بأن كل ما كان يفعله كان يسجل صوتاً وصورة لفترة امتدت عدة شهور. 

أثارت الجزيرة عاصفة عندما بثت لقطات من عشاء انهمك خلاله "الدبلوماسي" الإسرائيلي في عصف ذهني مع موظفة في الحكومة البريطانية حول كيفية إعاقة نشاط أعضاء معينين في البرلمان البريطاني. 

أحبط تحقيق الجزيرة المخطط، جزئياً لأن أحد الأشخاص المستهدفين كان السير ألان دنكن، عضو البرلمان عن حزب المحافظين، والذي يحظى باحترام فائق. رغم ما كان يعرف عنه من انتقاد مستمر للمستوطنات اليهودية غير الشرعية في المناطق الفلسطينية المحتلة، أصبح هذا البرلماني وزير دولة في حكومة تيريزا ماي. 

لم يستخف أصدقاء دنكن في أرجاء الطيف السياسي بالتهديدات التي وجهت ضده، ولم تمر دقائق معدودة منذ أن بث أول إعلان للجزيرة عن فلمها الوثائقي، حتى بدأت الاعتذارات الرسمية تنهال من كل مكان. 

عبر السفير الإسرائيلي مارك ريغيف عن أسفه الشديد وعن شعوره بالحرج التام، وأعيد العميل، أو الدبلوماسي، الإسرائيلي على وجه السرعة إلى بلاده، وعاجل وزير الخارجية بوريس جونسون النواب الغاضبين بتطميناته التي أكد لهم فيها بأنه أياً كان النشاط الذي مارسه شاي ماسوت فإنه قد انكشف تماماً، ولذلك تعتبر المسألة منتهية وأن الموضوع قد أغلق. 

رغم أن النقاش الذي جرى بحق دنكن تناولته وسائل الإعلام المختلفة بتغطية مكثفة إلا أن الهدف من الفيلم الوثائقي كان بالدرجة الأولى فضح النشاطات السرية التي تقوم بها السفارة الإسرائيلية في لندن. 

نجم عن ذلك حملة كبيرة وممولة جيداً نظمتها وزارة الشؤون الاستراتيجية في إسرائيل لتشويه سمعة النشطاء البريطانيين المنتقدين لإسرائيل بما في ذلك أعضاء في حركة مقاطعة إسرائيل المعروفة عالمياً باسم BDS (بي دي إس). 

طالما اعتبرت إسرائيل بريطانيا مركزاً للنشاطات الغربية المناهضة للتمييز العنصري الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين. 

كانت نشاطات الوزارة الإسرائيلية تثير حفيظة المسؤولين داخل السفارة في لندن. وقبل شهور من بث الجزيرة لفيلمها الوثائقي نشرت صحيفة هآريتز في أيلول/ سبتمبر 2016 خبراً مفاده أن السفارة الإسرائيلية في لندن أرسلت برقية أعربت فيها عن قلقها لتل أبيب لأن وزارة الشؤون الاستراتيجية كانت تشكل تهديداً للسفارة يعرضها للخطر بسبب تشغيلها للمنظمات اليهودية البريطانية في انتهاك صارخ للقانون البريطاني. 

وعندما بثت الجزيرة فيلمها، انكشف للعيان النشاط الذي كان يمارسه جلعاد إردان، أحد كبار المسؤولين في السفارة. فقد صوره مراسلنا المتخفي وهو يعرب عن آرائه الفجة في حفل في أحد فنادق لندن المتواضعة، حيث تفاخر بأنه نشأ على عقيدة مفادها أن أرض إسرائيل هي ملك لليهود دون غيرهم، وأنه لا تنازل عن ذلك إطلاقاً لا من الناحية الأخلاقية ولا الدينية. 

وأكد إردان لضيوف الحفل أنه غير منزعج لإخفاق حل الدولتين أو لوجود المستوطنات غير الشرعية، وذهب يعرب عن امتعاضه للنقد المتنامي داخل بريطانيا لإسرائيل بسبب استمرار احتلالها للأراضي الفلسطينية.

 

وقال إردان إن ذلك النقد الذي يقوده أنصار حركة بي دي إس ونشطاؤها يشكل "تهديداً استراتيجياً لمستقبل إسرائيل".

 

وناشد بريطانيا المساعدة في مواجهة تلك الحركة قائلاً: "إذا سمحنا لهم بالاستمرار في نشر كل هذه الأكاذيب ضد إسرائيل، فسوف نفقد هذا الجيل الجديد الرائع ولربما أصبحوا بعد ذلك قادة بريطانيا الجدد".

ومن يوجد أفضل من بريتي باتيل لتمثل الجيل الجديد المناصر لإسرائيل في بريطانيا. لقد كانت، بكل المعايير، وعلى الأقل حتى لحظة استقالتها مساء أمس، تتسلق سلم القيادة السياسية بسرعة فائقة، حتى أن بعضهم وصفها بأنها "زعيمة بريطانيا القادمة."

تكافؤ زائف؟

بعد أن كشفت محطة البي بي سي النقاب عن لقاءاتها غير المعلنة، اعترفت باتيل بأنها قابلت إردان وادعت أن الهدف من اللقاء كان مناقشة "العداء المتزايد للسامية" في السياسة البريطانية. 

ولعل في ذلك نوعاً من المفارقة العجيبة إذا ما أخذنا بالاعتبار جهود إردان وأعضاء وزارته وعملائه السابقين الذين استخدمهم ليثير العواطف داخل بريطانيا من خلال تشويه الواقع واعتبار كل نقد موجه لإسرائيل عملاً معاد للسامية. وكان من ضحاياه هو ووزارته حزب العمال وزعيمه جيريمي كوربين الذي وجهت إليه السهام خلال عام 2016. 

يبدو أن إردان لم يردعه لا فيلم الجزيرة ولا ما كتبه عنه عدد لا بأس به من الصحفيين الإسرائيليين، وها هو يستمر في إجراءاته التي تستهدف كتم المعارضة السياسية محلياً وخارجياً، ومنها اعتقال النشطاء في مطار بن غوريون، وإعداد بيانات بأسماء وهويات منتقدي إسرائيل، وحتى إدارة المعارك القضائية في الولايات المتحدة في محاولة لحرمان المواطنين الأمريكيين من حق الاختيار بين أن يشتروا البضائع الإسرائيلية أو أن يقاطعوها. 


لقد تحول وزير التنمية الدولية السابق ألان دنكن، الذي انتقد الاحتلال الإسرائيلي، إلى هدف سياسي لإسرائيل، ولربما ظنت باتيل أنها ستكون لها حظوة من خلال العلاقة مع إردان والقيادة الإسرائيلية وأن ذلك ربما ساعدها في تحقيق طموحها والوصول إلى المنصب الأعلى في الحكومة البريطانية. 

ثم، ما هي القضايا ذات العلاقة بالمساعدات الخارجية التي كانت تستدعي اللقاء برجل أمن مثل إردان ناهيك عن أن تصدر تغريدة عن لقائهما الذي لم يعلن عنه رسمياً، بالنسبة لإردان، الذي يصم أذنيه عن سماع الامتعاض المتنامي داخل الأوساط السياسية البريطانية بمختلف توجهاتها نحو إسرائيل، فإن نشر صورة له مع باتيل وهما يبتسمان على ضفة نهر التايمز يبعث برسالة مفادها أن الرجل الذي يشن الحرب على منتقدي إسرائيل داخل بريطانيا يحظى بأصدقاء مهمين في أعلى المناصب الحكومية. 

إلا أن المظاهر يمكن أن تخدع. ولعل باتيل حينما تتأمل في تلك الصورة غداً أو بعد غد تدرك أنها تصلح معلماً على بداية النهاية، وتذكاراً للحظة ظنت فيها بأنها يمكن أن تراهن على لعب ورقة "إسرائيل" في السياسة البريطانية الداخلية.

 

ميدل ايست آي