كتاب عربي 21

إعلام اسطنبول.. والحاجة إلى الأجهزة!

1300x600

كان اللورد كرومر، المعتمد البريطاني، يخص جريدة المقطم بأخبار الحكومة دون غيرها من الجرائد المصرية، وكذلك كانت وزارتا الداخلية والحربية تمدان الجريدة بكل ما يلزمها من أخبار تجعلها الأكثر فائدة من الناحية الخدمية للقارئ المصري، كي يضطر لمتابعتها ويتأثر بخطابها ورسائلها. كانت أجهزة دولة الاحتلال وقتها تدعم المقطم التي أسسها يعقوب صروف وآخرون، في 1888م، لتكون صوت الاحتلال البريطاني في مصر، فيما كانت تمارس التضييق في إصدار تراخيص الصحف ومدها بأي أخبار تخص مصر "البريطانية"، إلى الدرجة التي جعلت من العمل الصحفي "الوطني" عَلى أجندة مقاومة المحتل؛ عملا نضاليا يعرّض صاحبه لمثل ما يتعرض له الفدائيون!

التجربة استمرت بعد الرحيل "العسكري" للاحتلال، وبقاء وكلائه من المصريين يحكموننا بالنيابة، حيث حلت جرائد ونوافذ أخرى مع المقطم التي توقفت عن الصدور في 1952؛ دون أن تتوقف مدرستها الصحفية عن التغلغل داخل أنسجة الصحافة المصرية، إلى أن غاب التنافس القديم بين "المقطم"، جريدة الاحتلال، و"المؤيد"، جريدة كل المصريين، لصاحبها علي يوسف. واتخذت المقطم أسماء وأشكالا جديدة، مثلما اتخذ البوليس السياسي اسما آخر هو أمن الدولة، ثم الأمن الوطني بعد ثورة يناير.. تتغير الأسماء ولا تتغير الصفات!

وعليه، ظلت الجرائد الأكثر تأثيرا والأوسع انتشارا هي جرائد النظام، سواء بتأميم ما سواها، أو حتى بعد إطلاق ما سمي بحرية الصحافة، حيث تأسست جرائد حزبية وأخرى مستقلة، يسمح لها النظام بهامش تتحرك فيه ولا تتجاوزه وأحيانا - لمزيد من التدجين - يضع على رأسها يعقوب صروف آخر، مثل رفعت السعيد أو مصطفى بكري أو خالد صلاح، وهلم جرا...

جرائد النظام - وقنواته في عصر السماوات المفتوحة - لا تعمل على طريقة علي يوسف ورفاقه.. لا تناضل لتأتي بالخبر والمعلومة، إنما تتلقى معلوماتها - بالأحرى المعلومات المطلوب منها ترويجها - من أجهزة الدولة، وهذه الأخيرة لا تعمل بدورها بشكل عشوائي خاصة في أوقات الأزمات، فلديها أجهزة متخصصة في قياس الرأي العام في الشارع، ولديها الهيئة العامة للاستعلامات، ووحدات تحليل الخطاب، ومجموعات العمل التابعة لأمن الدولة والمخابرات التي لا تترك شاردة أو واردة تُكتب في مصر أو عنها؛ إلا وتحيط بها قراءة وتحليلا وتأثيرا.. وحديثا، لديهم اللجان الالكترونية التي تباشر إدارة آلاف الصفحات على فيسبوك وتويتر، وتتولى إشاعة خطاب الرضا الوطني الكاذب؛ الذي يوحي للمتابع بأن الشعب الافتراضي هو الآخر مع السيسي، حاشا بعض الخونة والمتآمرين.. هنا، يبدو إعلام مقاومة وكلاء الاستعمار القديم/الحديث، بجرائده وشاشاته وحساباته الالكترونية، كقطار يمشي بالفحم في القرن الحادي والعشرين!

 

إعلام اسطنبول، وغيره من النوافذ المقروءة والمرئية التي تكافح من أجل قيم الربيع العربي، يلزمه التحرك وفق منهج أكثر علمية.. يلزمه "تخليق" أجهزة موازية


يتحايل الزملاء في الجرائد والمواقع الالكترونية، على قلة تمويلهم، ورعب مصادرهم وهوانهم على أجهزة الأمن، بالمزيد من البذل والجهد والبحث ومتابعة الجرائد العالمية، فيما يقف الإعلام المرئي - المحسوب على 25 يناير - عند عتبات الارتجال؛ لا يتجاوزها إلى منهج وخطة واستراتيجية مبنية على حضور وتواجد ومعلومات موثقة، حتى أننا نضطر - في كل تغطياتنا للاعتماد بشكل أساسي على إعلام النظام ونوافذه، وتصيد سقطاتهم، فنتحول، دون أن ندري، إلى إعلام رد الفعل الذي لا يصنع؛ إنما يشنِّع على ما صنعه الآخرون، سواء بجهدهم - وهو نادر كما أسلفنا - أو بجهد الأجهزة التي تقف خلفهم وتدفعهم...

إن إعلام اسطنبول، وغيره من النوافذ المقروءة والمرئية التي تكافح من أجل قيم الربيع العربي - كما هو مفترض - يلزمه التحرك وفق منهج أكثر علمية.. يلزمه "تخليق" أجهزة موازية، ليست أمنية بالطبع، فلا نحن نقدر ولا نحن نريد، إنما أجهزة ومؤسسات بحثية يتقاطع عملها مع ما نقدمه، أو بالأحرى ما ينبغي أن نقدمه، على هذه الشاشات البائسة...

إن إعلاما يستهدف "تنوير" مشاهديه - كما هو مفترض - يحتاج إلى وحدة تحليل خطاب متخصصة، ترسم له الخطوط العريضة، وتوجهه إلى مساحات التأثير والفاعلية، بدلا من أن يتحول إلى صدى لهلوسات أحمد موسى وإفيهات عمرو أديب.. يحتاج إلى وحدة متابعة لـ"كل" ما ينشره إعلام النظام، و"كل" ما يكتب عنه في العالم بأسره، وهو ما لا يستطيع أن يقوم به معد أو فريق إعداد يعمل على السطح الساخن ويطارد الخبر اليومي على الشبكة العنكبوتية.

 

إن إعلاما يستهدف الوصول إلى المواطن، دون إمكانات مادية، دون التواجد على أرض التغطية.. يحتاج على الأقل إلى خطط واستراتيجيات عامة توفرها مراكز بحثية متخصصة


إن  إعلاما يستهدف الوصول إلى المواطن، دون إمكانات مادية، دون التواجد على أرض التغطية، دون دراما ممتعة، دون برامج ترفيهية، دون نجوم شباك.. يحتاج على الأقل إلى خطط واستراتيجيات عامة توفرها مراكز بحثية متخصصة يعمل بها باحثون يجمعون بين الكفاءة المهنية والإخلاص لقضية بلادهم، وهم موجودون بالفعل، سواء في إسطنبول أو في غيرها من دول المهجر، لكن أحدا لا يلتفت ولا يريد، فالمشاهدات كثيرة، و"الهوا مليان"، و"الجيب عمران"، والدعم مستمر، والكلام جاهز ومعلب، ولا يتطلب يوميا سوى "الشحن" و"التفريغ": "الشرعية آه".. "السيسي لا".. "يناير آه"... "30 سونيا لا"... "اللي يحبنا آه".. "اللي يحب السيسي لا"... واللي يحب النبي يزق!