كتاب عربي 21

"كلاب" في سدّة الرئاسة!!

1300x600
عاتبني صديقي نوري على ضعف الاندماج في المجتمع الألماني، فلم أتعلم من اللغة الألمانية شيئا مذكورا، فهي لغة الكشكشة التي يكثر فيها حرف الشين. والخنخنة، التي تلفظ حروفها من سقف الحلق، فدافعت عن نفسي، دفاع الأبطال، غير مذمم، وقلت: عندي علامة اندماج جيدة بها لا يستهان، وفيها البرهان.

فنفخ نوري في وجه خاله غمامة من دخان النرجيلة المعطرة بأنفاس التفاح المختمر، ضاع الخال فيها حينا من الدهر وسأل: وما هي؟

قلت بعد أن انجلت الغمة وانقشعت الظلمة: حبُّ الكلاب يا سبعي المصفّد بالسلاسل.

فقد كلفت بحبِّ أفلام الحيوان القصيرة، التي تشيع في وسائل التواصل الاجتماعي. سكان الكوكب الأزرق المسمى بفيسبوك؛ يكثرون من أفلام إنقاذ الحيوانات. وأمس رأيت فيلما لشباب ينقذون كلبا مصابا بدمّل كبير، تقيح على ظهره. كان يحاول لحس ألمه، فلا يطول لسانه ظهره، وهذا من حسن حظه. وكلما مشى خطوتين وقف، وتألم، ونبح، وبكى. اصطاد الشباب المتطوع الكلب المسكين بحيلة، ثم عالجوه بالمراهم والضمادات والعقاقير. ورأينا في الفيلم مراحل تحسّن صحة الكلب، فرأينا الدواء يسلخ جلده المهترئ، ويذيب وَرَمه، ثم دهنوا جلده كله بالأدوية، فشفي من الجرب، ورأيناه في نهاية الفلم القصير، وقد أبلَّ وعوفي، وصار أجمل من الحمامة الورقاء.

وذكرت له فيلما آخر، بطله حصان عجوز، حفرت سلسلة معدنية أخدودا من الدم والصديد في عظام جمجمته، حتى كادت أن تستأصل عينه. قذفه متطوعون بإبرة مخدر، عن بعد، من بندقية، فسقط، فجاؤوا، وانتزعوا السلسلة من لحمه، ودهنوه بالمراهم والضمادات، ورأيناه ينهض من أثر البنج حرا طليقا من القيود الجارحة.

وأفلاما أخرى.. عن غزال، عجز عن متابعة المشي على بحيرات الجليد، وقد اخترع الغربيون الأفاضل دراجات على الجليد، مثل الدراجات العادية، تزحف وتحبو على الجليد، فأنقذوه، ودفعوه إلى بر الأمان. وغزال آخر عَلِق في الطين.. والأفلام كثيرة.

نفخ عليّ نفخة أخرى من آهات التفاح المعتق المعذب بخمائر الزمن، ضعت في غمامتها مرة ثانية، وقال متهما: ولكني أتابعك يا خال، ولم أجدك تتعاطف مع الطفل كريم من الغوطة.

سبعي اليوم يكيل لي التهم!

قلت: لست مؤسسة رسمية يا سبعي المقيّد بالسلاسل، وأنا أتغافل عن كثير من الأحداث المؤلمة، فتسعة أعشار العقل في التغافل، وفيسبوك عندي للهوامش، واللغو، ولم يحدث أن أعلنت عن عزاء على صفحتي، ولو فعلت، لتحولت صفحتي إلى صفحة وفيات، وكل يوم نخسر مئات الضحايا والشهداء.. أما الطفل كريم، فأنا أقرّ بتقصيري عن إغاثته بصورة. وسبب ذلك يا سبعي، أني أشعر بالعطالة التامة، وأنا أرى ساسة كبارا مثل الحريري، يتعاطفون مع كريم، والحريري رئيس وزراء يستطيع أن يغيث إخوة كريم اللاجئين السوريين في لبنان، بقرار أو زيارة. أحيانا أشعر بالعبث والقنوط، والإحباط واليأس.

وعدت إلى حديث الكلب فقلت: أمس وجدت خبرا من أسيوط على صفحتي، كانت شرطة السيسي تدسّ السم للكلاب الضالة والشاردة، ورأينا كلابا كثيرة وهي تنازع الموت، وترغو وتزبد من الألم. لم يكن مشهدا يسرّ الخاطر.. الشرطة التي قتلت الناس المسالمين في رابعة، لن تتورع عن قتل الكلاب.

قال نوري: السيسي بطل مكافحة الإرهاب الأول في الشرق الأوسط، إنه مندوب شركة مكافحة الإرهاب، ولها فروع أخرى في الأزهر، والأوقاف، ونقابة الفنانين...

قلت متسائلا: كيف ستكون مصر قدّ الدنيا من غير كلاب، الدنيا الأوروبية التي يضرب بها السيسي المثل فيها كلاب مدللة!

فأجاني نوري بقوله: البركة في كلابه البشرية خال.. كل رئيس من رؤسائنا الأفاضل، عنده الكثير من هؤلاء: المفتي، رئيس الوزراء.. في التلفزيون...

قلت: صدّرَ السيسي الحمير إلى الصين، ويستطيع تسمين هذه الكلاب ورعايتها، وتصديرها إلى الفلبين أو إلى الصين.

قال: لم أسمع برئيس عربي يحبّ الكلاب، أما في الغرب، فلكل الرؤساء كلاب، حتى إن بوتين يصطحب كلبه في اللقاءات الديبلوماسية، كما يصطحب ترامب كلبين أسودين في حديقة البيت الأبيض، ولا أعرف هل هما زوج أما هما كلبان مثليان.

وأردف: رؤساؤنا مناضلون، ومقاومون، وليس لهم وقت للهو واللعب مع الكلاب.

قلت: سؤالك فيه خطأ منهجي، أظن أن أكثر رؤسائنا الأفاضل، كلاب لرؤساء الغرب.

سأل مغيرا دفة الحديث: أرجوك خال، هل الكلب مرذول في الثقافة الإسلامية؟

قلت: إذا استعرنا لغة محمد شحرور في التعبير عن الدين بلغة الرياضة، أقول: إن للكلب حدّا أعلى، وحدّا أدنى في الفقه الإسلامي، وهو بينهما ينوس، فهو مكروه للتربية في البيوت، مباح للحراسة. ولا تنس أن بغيا من بني إسرائيل دخلت الجنة بكلب، وفي كل كبد رطبة أجر، وهذا الحديث على الإطلاق، وتذكّر معي كلب أهل الكهف واسمه قطمير.

قال نوري: والله هذا يبشر بالخير، بغيّ من بني إسرائيل، يعني مؤكد أنها كانت متعودة دايما، صبحا وفي العشية، وذهبت إلى الجنة؟ ما أوسع رحمتك يا ربي! هذه بشرى سارة لصديقتي الألمانية، فلها أصدقاء غيري، لكنها تربي كلبا، وتحنو عليه أكثر منا، سأبشرها بالجنة.

قلت: اشتقّتْ العربية اسم الكلب من الكلاّب، أو اسم الكلاّب والكلبتان، وهي آلة نزع المسامير من الخشب، فالكلب يعلق بصاحبه مثل الكلاّب، وضُرب به مثلا للوفاء، لكن الذي حدث في الغرب، أن الإنسان تعلّق بالكلب أكثر من تعلّق الكلب بصاحبه.

سأل: لمَ تندر تربية الكلاب في بلاد الطغيان؟

قلت: الغالب أنّ الكلاب ستنافس حب الشعوب للرؤساء. الرئيس يغار. في رواية خريف البطريرك، يقول ماركيز: إن كل طاغية يعادي نوعا من الحيوان. رؤساؤنا يغارون من الكلاب والحمير، الأسد قتل الحمير، والسيسي أبّد الكلاب الحيوان ومكّن للكلاب البشر.

قال: أحلف بالله يا خال أني وجدت أن الطريق إلى قلب المرأة الأوروبية هو كلبها، وقد وقعت صديقتي ناتالي في حبي، بعد أن أحبني كلبها.

سأل: خال! كيف كان الاندماج أيام الفتوحات الإسلامية؟

قلت: كان سهلا، بلا شروط، سوى كلمة الشهادة، والجزية كانت دينارا واحدا في السنة، يعني أقل ضريبة في العالم، ثم صار المندمجون وأبناؤهم وأحفادهم، يحكمون الديار الإسلامية، مثل المماليك والترك والكرد.

ختمتُ، فقلت ما يشبه الحكمة: الكلب يأسٌ من البشر، ثم وجدت أن حكمتي مطلقة وعامة، فصححتها وقلت: العرش والملك كالكلب وصاحبه، وفي بلادنا الكلب وفيٌ، وغالبا مسعور، وبعد موت صاحبه يذرف الكلب حتفه على القبر.