كتاب عربي 21

قيادة السلطة الفلسطينية.. المناورة في نفس المكان!

1300x600

انتهت اجتماعات المجلس المركزي الفلسطيني بسلسلة قرارات، أبرزها اعتبار المرحلة الانتقالية التي نصّت عليها اتفاقية أوسلو، بما يترتب عليها من التزامات لم تعد قائمة، والانفكاك من اتفاقية باريس الاقتصادية، وتجديد القرار السابق بوقف التنسيق الأمني، وتخويل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بتعليق الاعتراف بـ"إسرائيل"، والتأكيد على حقّ الشعب الفلسطيني في المقاومة مع الدعوة لتعزيز وتطوير المقاومة الشعبية السلمية.

 

أبرز ما جاء في كلمة عباس هو الوضوح النسبيّ في الإشارة لدور عربيّ تآمريّ على القضية الفلسطينية

وفي كلمة الرئيس عباس في مفتتح الاجتماعات، يمكن القول إنّ أبرز ما جاء فيها هو الوضوح النسبيّ في الإشارة لدور عربيّ تآمريّ على القضية الفلسطينية، ولكنّ خطّها العامّ لم يكن يبشّر بتغيّرات جوهريّة في الموقف من التحدّيات الراهنة التي أكّدت فشل مسار التسوية فلسطينيّا. فمن جهة الوقائع على الأرض، تنتفي الإمكانية لقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية، ومن جهة السياسات الإسرائيلية والتحوّلات الأخيرة في الموقف الأمريكي بخصوص القدس والتحالفات التي تربط "إسرائيل" ببعض الدول العربية؛ ينتهي مسار التسوية رسميّا، ويفقد أغطيته السياسية التي استتر بها طوال أكثر من عقدين.


لا شكّ أن قيادة مسار التسوية من الطرف الفلسطيني تدرك اليوم أكثر من أي أحد آخر، أن هذا المسار انتهى لا إلى فشل ذريع، بل إلى دمار هائل. فقد منح "إسرائيل" الفرصة الكافية لفرض إجراءاتها التهويدية على الأرض في الضفة والقدس مستغلة ستار عملية السلام، ودمّر من الناحية الفلسطينية؛ الممكنات الكفاحية التي توفّرت للفلسطينيين قبل قيام السلطة الفلسطينية. فلم تعد هذه الأخيرة وسيلة "إسرائيل" في التخلّص من الأعباء الاقتصادية والإدارية المترتبة عليها تجاه الشعب الواقع تحت احتلالها، لكنّها - وبالإضافة إلى ذلك - صارت السلطة حاجزا أمام كفاح الجماهير، هذا فضلا عن التحوّلات الجيوسياسية التي ترتبت على قيام السلطة، وتعيق أي مقاومة شعبية فاعلة وقادرة على استنزاف الاحتلال.

 

قيادة مسار التسوية من الطرف الفلسطيني تدرك اليوم أكثر من أي أحد آخر، أن هذا المسار انتهى لا إلى فشل ذريع، بل إلى دمار هائل


إذن، فإن المجلس المركزي لم يتخذ قرارات جذرية وجوهرية، بالرغم من التصعيد الخطابي المعتاد؛ في قراراته عن انتهاء التزامات السلطة، وتعليق الاعتراف بـ"إسرائيل"، ووقف التنسيق الأمني، والتنصّل من اتفاقية باريس الاقتصادية، فإنّ أي تنفيذ جدّي لهذه القرارات، يعني مواجهة كبيرة مع الاحتلال، وهي مواجهة لا تريدها قيادة السلطة، ولم تستعد لها، الأمر الذي يرجّح أن تكون هذه القرارات كبعض سابقاتها. فقد سبق وأصدر المجلس المركزيّ نفسه قبل ثلاث سنوات قرارا بوقف التنسيق الأمنيّ، وهو ما لم يُنفّذ حتى الآن!

لو أخذنا مثلا القرار الداعي للانفكاك من اتفاقية باريس الاقتصادية، فإنّه لا يلاحظ استحالة ذلك ما دامت السلطة الفلسطينية قائمة. فالاحتلال لا يتحكم بالمعابر والموانئ فحسب، إذ لا تملك السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية ميناء واحدا أو معبرا واحدا يحرّرها من قيود الاحتلال، بل إنّ الحركة بين مدن الضفة الغربية نفسها محكومة بأدوات الضبط والسيطرة التي يفرضها الاحتلال، الذي لا شيء خارج سلطته أمنيّا واقتصاديّا. فحتى الترددات اللازمة لشركات الاتصالات الفلسطينية مرهونة بموافقة الاحتلال. فالتصعيد الخطابي، والحال هذه، وفي مسألة قد تكون من أقلّها أهميّة لدى الاحتلال، لا يخفي وراءه قدرة فعليّة، أو جدّية حقيقية، في تنفيذ القرارات.

 

تنفيذ جدّي لهذه القرارات، يعني مواجهة كبيرة مع الاحتلال، وهي مواجهة لا تريدها قيادة السلطة، ولم تستعد لها، الأمر الذي يرجّح أن تكون هذه القرارات كبعض سابقاتها

والسعي الفعلي في تنفيذ قرارات من هذا النوع؛ قد تفضي إلى انهيار السلطة، أو إلى مواجهة كبيرة مع الاحتلال، أو إلى إجراءات خشنة من الاحتلال في إقصاء قيادة السلطة الحالية.. يحتاج إلى وحدة وطنية على أساس من برنامج وطني كفاحي يشكّل بديلا عن مسار التسوية، واستعدادا تقوده السلطة لتهيئة الجماهير للنتائج المترتبة على تنفيذ مثل هذه الإجراءات. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث، فالعلاقات الوطنية الداخلية متردية، والممارسات السلطوية التي تستهدف كوادر حركة حماس بالضفة الغربية لم تتوقف، والمصالحة بحسب تعبير الرئيس الفلسطيني "مش ماشية، ولكن مش واقفة"، والمجلس المركزي عُقد في رام الله حيث الاحتلال، والمقاومة الشعبية محصورة ضمن قدرة السلطة على الاحتواء. والحاصل من ذلك كلّه؛ أنّ كلّ شيء سيبقى على حاله مع تصعيد خطابيّ لا أكثر.

 

السلطة الحالية لا ترغب في الذهاب مع مشاريع التصفية الحالية المطروحة للقضية الفلسطينية، لكنّها في الوقت نفسه لا تملك لا الرغبة ولا الإرادة في اتخاذ مسار بديل مختلف عما اختطّته لنفسها


وهذا يؤشّر إلى خطّة قيادة السلطة الحالية، فهي لا ترغب في الذهاب مع مشاريع التصفية الحالية المطروحة للقضية الفلسطينية، لكنّها في الوقت نفسه لا تملك لا الرغبة ولا الإرادة في اتخاذ مسار بديل مختلف عما اختطّته لنفسها، بمعنى أنّها ستظلّ تناور من داخل السلطة، مراهنة على حاجة الاحتلال للأمن، وعلى خطواتها الحذرة التي لا تستفزّ الاحتلال، ولا تدفع نحو إجراءات إقصاء خشنة لها.

يذكّرنا ذلك بما جرى لياسر عرفات، والذي يبدو أن اغتاليه لم يكن لرفضه التوقيع في كامب ديفد، بقدر ما كان لتجاوزه كلّ الخطوط الحمر في انتفاضة الأقصى. والدرس الذي تستفيده القيادة الحالية؛ أنّها لن توقع على أي اتفاق تصفويّ، ولكنها لن تتجاوز أي خط أحمر، وهذا يضمن لها البقاء ضمن سقف السلطة التي لن تتحول إلى دولة!