قضايا وآراء

تقرير صندوق النقد الدولي.. خيال وأعباء

1300x600
في تقرير لصندوق النقد الدولي في 23 كانون الثاني/ يناير 2018 بعنوان: "مصر: حان الوقت لترسيخ النمو وتوزيع ثماره على الجميع"، تناول المتابعة الدورية للاقتصاد المصري في ظل ما يسمى سياسة الإصلاح الاقتصادي التي تنتهجها مصر، في إطار قرض الصتدوق لمصر والذي يقدر بـ12مليار دولار. وقد أظهر التقرير كعادته في الديباجة المعروفة أن الاقتصاد المصري يواصل مسيرة التعافي، تدعمه السياسات الاقتصادية الكلية الرشيدة، وحزمة الإجراءات الجريئة التي بدأت بها جهود الإصلاح لمعالجة التحديات الكبرى التي واجهها الاقتصاد في السنوات الأخيرة. ثم ذكر التقرير أن المهمة الحالية تتمثل في تعميق الإصلاحات لزيادة النمو الاقتصادي، وضمان استمراريته، وتوزيع ثماره على السكان الذين تتزايد أعدادهم بسرعة وعلى الشباب والنساء.

وقد أشاد الصندوق بما تم بعد أكثر من عام على إطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي، من ازدياد نمو إجمالي الناتج المحلي قوة، ومواصلة التضخم الانخفاض، وخفض عجز الموازنة، والزيادة في عائدات السياحة وتحويلات العاملين في الخارج، وإعادة بناء احتياطيات النقد الأجنبي. ثم نسب التقرير دفع عجلة النمو إلى تعويم سعر صرف الجنيه.

وبعد كل هذا، يناقض الصندوق نفسه، ويعترف اعترافا ضمنيا بأن هذا الإصلاح شكلي، وفقا لما ذكره السيد سوبير لال، رئيس فريق الصندوق المعني بمصر، من أنه "ينبغي إجراء إصلاحات هيكلية عميقة ودائمة من أجل خلق فرص العمل بالسرعة المطلوبة؛ لمواكبة تزايد السكان". فالواقع يكشف أنه منذ الموافقة على قرض الصندوق؛ ظهر جليا أن هذا القرض يهدف إلى خفض عجز الموازنة، وتوريط مصر في مصيدة الديون. فقد اعتمدت الحكومة على السياسة النقدية بتعويم الجنيه المصري ورفع سعر الفائدة، والسياسة المالية بالضرائب؛ التي قوامها في مصر الجباية دون العدالة. أما السياسة الهيكلية المرتبطة بتغيير هيكل النشاط الاقتصادي، وهي أساس بنيان أي اقتصاد، ما زالت غائبة، ولا مكان لها، لا سيما في ظل عسكرة الاقتصاد. ولذلك حينما نجد الصندوق يتباهى بانخفاض التضخم نجد أن هذا تحريفا للواقع فهو انخفاض خاص بتغيير سنة الأساس، كما أن المباهاة بتزايد عائدات السياحة وتحويلات العاملين بالخارج، هي زيادة ريعية لا صلة لها بهيكلة الاقتصاد، وتعكس كم هشاشة الاقتصاد المصري، أما ما يتعلق بإعادة بناء احتياطيات النقد الأجنبي، فهو احتياطي من الثلج، حيث أنه ليس سوى نتاج قروض وودائع دولية، ومنها قرض الصندوق نفسه. ثم بعد ذلك ينسب الصندوق ما سماه دفع عجلة النمو إلى تعويم سعر صرف الجنيه، هذا التعويم الذي كان وما زال وبالا على الاقتصاد المصري والمجتمع المصري، وزاد من عمق كون معدل النمو معدلا وهميا لا يندرج عليه توزيع عادل للدخل، بل عمل على تعميق الطبقية، وجعل المحظوظين من أهل السلطة والمال أكثر ثراء، والمطحونين - وفي جلهم عموم الشعب - أكثر فقرا، فضلا عن أعباء الدين العام التي ضاعف منها قرار التعويم، سواء أكان الدين العام خارجيا أم داخليا.

وقد ذيل التقرير أهم توصيات الصندوق لمصر بالحفاظ على مرونة سعر الصرف، وتحقيق مزيد من التقدم في خفض التضخم، ومواصلة تخفيض عجز الموازنة لاحتواء الدين العام. واقترح الصندوق لتحقيق ذلك تحصيل إيرادات أكبر للإنفاق على الخدمات الاجتماعية الضرورية، والاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية. وهذا كلام جيد، ولكن أنى للحكومة تحقيق ذلك. لقد طالب تقرير الصندوق معالجة ذلك من خلال السياسة المالية بتخفيض الإعفاءات الضريبية، وزيادة تصاعدية النظام الضريبي (بحيث يدفع الأغنياء ضرائب أكبر على أساس تصاعدي)، وتعزيز كفاءة الإدارة الضريبية. ولكن أنى يتحقق ذلك والضريبة في مصر يعفى منها الكبار ويخضع لها الصغار، وما تأجيل تطبيق الضريبة على الأرباح الأسمالية بالبورصة عنا ببعيد!! كما أنه كيف يتم تحقيق ذلك والعسكر استولى على اقتصاد البلاد؛ ولا مكان في سجلاته لأي ضريبة، فلا تعرف سجلاته سوى الإعفاءات.

كما أوصى تقرير الصندوق كذلك بإلغاء معظم دعم الوقود، والسماح بتحرك أسعار الوقود تمشيا مع التكاليف، باعتبار أن هذه الإجراءات ستؤدي إلى حماية الميزانية من تحركات أسعار النفط العالمية، وتغيرات سعر الصرف والحفاظ على أولويات الإنفاق اللازم للبرامج الاجتماعية والبنية التحتية الضرورية. وهذا كلام على المستوى النظري، فسعر الوقود في مصر بات أقرب للأسعار العالمية في ظل رفع الدعم المتوالي عنه، وإلغاء ما تبقى من دعم الوقود في ظل تلك الظروف، يعني مزيدا من ارتفاع الأسعار واكتواء جموع الشعب بمزيد من التضخم، باعتبار أن الوقود يرتبط ارتباطا وثيقا بجموع السلع والخدمات. وإذا كان التقرير يوصي بالحماية الاجتماعية للأسر الأقل دخلا، فهو حبر على ورق في ظل اليد الباطشة التي تضرب تلك الفئات، بل وتمنعهم من الكلام، فضلا عن دعوة التقرير لتخفيض دعم الأسعار والتوسع في الدعم النقدي هو أمر يزيد الأمور تعقيدا في تلك الظروف الحالية.

وقد جاءت توصية الصندوق الأخيرة لتكشف عن استحالة التحقيق في ظل نظام العسكر فقذ ذكر التقرير أن معدلات الزيادة السكانية في مصر تتطلب توفير حوالي 700 ألف وظيفة جديدة سنويا، وهو الأمر الذي لا يمكن إنجازه - حسب التقرير- إلا إذا أصبح القطاع الخاص القاطرة الأساسية للنمو. وأضاف التقرير: وحتى يتحقق ذلك، ينبغي للدولة (التي تقوم بدور بارز في الاقتصاد المصري) أن تنسحب من بعض القطاعات وتتيح المجال للقطاع الخاص كي يستثمر وينمو. ومن الأولويات لتحقيق هذا الهدف ضمان المنافسة العادلة للشركات الخاصة في أسواق المُدخلات والمنتجات، وتحسين الحوكمة والشفافية في المؤسسات المملوكة للدولة، والحد من تصورات الفساد، وتحسين فرص الحصول على التمويل والأراضي، وإدخال عدد أكبر من النساء والشباب إلى سوق العمل.

إن تلك التوصية التي ختمت تقرير الصندوق تعد خيالا محضا، في ظل انحسار قطاع الأعمال الأعمال، وسيطرة العسكر على أكثر من 70 في المئة من مناشط الاقتصاد. وتطبيق تلك التوصية تتطلب غل يد العسكر عن الاقتصاد، وهذا أمر مستحيل تطبيقه في ظل سيطرة العسكر على مفاصل السياسة والاقتصاد، وارتباط مصالحهم بذلك، لذا فإن تحسين الحوكمة والشفافية يعد أمرا عبثيا في ظل سياسة العسكر التي تستغل مصطلح الأمن القومي لإخفاء البيانات والمعلومات عن نشاطها الاقتصادي، وهو ما يجعل الفساد مقننا، والقطاع الخاص مطرودا وفقا لمبدأ المزاحمة. ولن يكون لمصر اقتصادا مقاما وإنتاجا ملحوظا، وعدلا ملموسا، إلا بتفكيك إمبراطورية العسكر السياسية والاقتصادية، وعودة العسكر لثكناتهم، وعودة الحرية إلى الديار المصرية.