قضايا وآراء

بين معرضي المنيا وإسطنبول للكتاب.. لِمَ يقتل العسكريون بلادنا؟

1300x600
جاءتني كلمات صديق تقطر ألما عن أنه في اليوم الأول من فعاليات معرض كتاب جامعة المنيا الخامس، في 21 آذار/ مارس. والمعرض ممتد لآخر أيام شهر آذار/ مارس الجاري، وهو امتداد لمعرض القاهرة الدولي للكتاب المعروف. فبعد انصراف السيد رئيس الجامعة واللفيف الرسمي المُحيط به، وتصريحه للصحف المحلية والقاهرية بأهمية الثقافة والمعرض.. بعد دقائق لم يعد أحد على الإطلاق في المعرض، بخاصة وأن الجامعة لم تخصص مجرد لافتة تدل عليه، حتى أن الصديق ليدخله هو وزميل من الأساتذة فيتحسران على الثقافة والكتاب في مصر التي علمت في يوم العالم الحضارة..!

غابت الكلمات عني للحظات، تذكرتُ خلالها زيارتي لمعرض إسطنبول الدولي للكتاب في نسخته الخامسة، يوم السبت السابق لافتتاح معرض كتاب جامعة المنيا، وكان معرض إسطنبول، في يومه قبل الأخير، وغير بعيد من أبوابه، لفت نظري زحام لمنْ ظهر لي أنهم طلبة وطالبات، وساءلت نفسي: "هل الزحام اليوم على أشده، حتى أني سأشهد طوابير كتلك المُمتدة التي أذكرها من معرض كتاب القاهرة نهاية الثمانينيات من القرن الماضي حتى مقتبل الألفية الجديدة"؟

وإذ أعبر بهدوء البوابة الرئيسية، دون رسم دخول كذلك الذي يزيد من زحام معرض القاهرة، استفسرتُ من صديق عن سبب زحام مدخل المعرض اليوم، فقال لي مبتسما:

- إنهم طلبة المدارس والجامعات في المدينة، قرابة ربع مليون طالب وطالبة تم توزيع بطاقات عليهم للحصول على كتب مجانية من المعرض، كل بطاقة تتيح لحاملها أو حاملتها الحصول على كتب بـ50 ليرة تركية (قرابة 13 دولارا أمريكيا)، وهؤلاء حريصون على اللحاق بالمعرض لنيل الكتب..

والكلمات تتدفق الكلمات من بين شفتي صديقي، واصفة كيف تأتي البلدية بالطلاب والطالبات من المدارس والجامعات إلى المعرض مجانا ثم تعيدهم، وأن المبلغ المالي الإجمالي الذي وزعت الدولة به بطاقات مجانية (كوبونات) يزيد على مليوني ليرة تركية، وأن الدولة تدعم بذلك القراءة وتضمنها لدى الأجيال الواعدة، وتزيدهم إجلالا للكتاب، وتزيد من صناعة الوعي في داخلها.

حينها تحسرتُ على أجيال عربية من المحيط إلى الخليج لا تعرف عن الكتاب شيئا، والموسرين منهم يهرولون خلف نتاج التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي، والفقراء يجاهدون في محاولة إنهاء تعليمهم بصعوبة ليتخرجوا إلى الحياة ويحصلون على عمل.. وتدور بهم دائرة "أكل العيش"، كما كان أهل محافظتي المنيا يحبون القول وما يزالون. ولعله من "أكل العيش" لدى هؤلاء الشرفاء البعد عن "وجع القلب" من الثقافة والمعرفة وما تقودان إليه من سياسة.

أنفقت الحكومة التركية قرابة 750 ألف دولار لتهب كُتبا لربع مليون تلميذ وتلميذة وطالب وطالبة؛ لتنمية الوعي لديهم، ودعم دور النشر المحلية وتشجيعهاعلى الاستمرار في طرح الكتب المحببة للنشء والشباب، وهذا هو الحال في مدينة إسطنبول وحدها، فقد فرغت البلدية حافلاتها لنقل الطلبة والطالبات من المدارس والجامعات، وفق جداول مخصصة ونظام مُحكم لا يرهق أحدا. ومعرض القاهرة الدولي للكتاب إذ ينتقل إلى جامعة المنيا، لا يجد طالبا واحدا أو مسؤولا بعد افتتاح رئيس الجامعة وبطانته له!

أعذر للجيل الحالي من الطلبة والطلبات بين جنبات جامعة المنيا التي قضيتُ فيها أعز سنوات العمر، ورأيتُ كيف يأتي الطلاب والطالبات بسطاء المستوى الاجتماعي للجامعة الإقليمية؛ منتظرين النجاح عاما بعد آخر، ولا شيء بعد، ومزودين بنصائح آباء وأمهات بالابتعاد تماما عن كل ما يغضب الدولة. ولم تكن الثقافة في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وبداية التسعينيات مما يسر الدولة، بخاصة مع المحن التي كان يعانيها الجنوب في عهد المخلوع "مبارك"، والتضييق المستمر من أجل إلهاء أهل الصعيد الأوسط والأقصى عن أي بادرة تنمية حقيقية، ولو مفتعلة، والاحتفاظ بالمال وإنفاق ما يتبقى منه على مشكلات العاصمة والإسكندرية ومحافظات الوجه البحري.

وبين مشهدي زحام طلاب وطالبات مدارس إسطنبول على معرض الكتاب، وكلمات صديقي، عضو هيئة التدريس بالمنيا، ساءلت نفسي:

- لماذا يتعمد العسكريون والطغاة في وطننا العربي والإسلامي الإبقاء على الملايين من المواطنين؛ إما أميين بالمعنى الحقيقي البعيد عن معرفة قواعد الكتابة والقراءة، أو أميين ثقافيا يقرأون ويكتبون بصعوبة لكنهم لا يعرفون شيئا عن الحياة الحقيقية وبراكين المعرفة المتفجرة في العالم من حولنا في جميع المجالات؟ وهكذا يعيش أهل بلدي، مصر، مع بلدان أخرى كثيرة؛ لا يعرفون عن الحياة سوى "لقمة العيش" والنزاع من أجلها.. والدوران في دائرة محاولة الاحتفاظ بالحصول عليها دائما.

إن حكام بلادنا من العسكريين والطغاة، يدركون عدم جدارتهم بإدارة بلادنا، وإن العقول المدنية العادلة إذا أُحسنت تنشئتها كانت أجدر بقيادة البلاد والعباد منهم، لذلك تناسوا الشرف والمبادئ والدين من قبلهما، وراحوا يوغلون في تجفيف منابع الثقافة في حياتنا، وقتل طاقات بلادنا الأساسية ممثلة في عقول أبنائها، ومحاولة تجهيل الناس ليسهل حكمهم، وهي المعادلة التي تجعل كتابا من أجزاء في معرض كتاب المنيا بسعر مقارب لمذكرة لأستاذ جامعي في 60 صفحة فحسب.

ويوم يزيد الحكم المدني العادل في جميع بلاد العرب والمسلمين تثمر هذه البلاد إبداعا وتشجيعا على الثقافة والفنون لا محاربتهما!