قضايا وآراء

ارتفاع الأسعار والصب في مصلحة المصريين!

1300x600

لم يتوقف لظى ارتفاع أسعار المترو والمياه والكهرباء والعديد من الرسوم خلال الأيام القليلة الماضية، حتى صبّحت الحكومة المصرية ثاني أيام عيد الفطر المبارك على المصريين بارتفاع أسعار الوقود للمرة الرابعة منذ انقلاب السيسي، والثالثة منذ تعويم سعر صرف الجنيه المصري في تشرين الثاني/ نوفمبر 2016.

وقد أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية في بيان لها؛ أن مجلس الوزراء أقرَّ زيادة أسعار المنتجات البترولية، حيث تقرر رفع سعر لتر بنزين 95 من 6.60 جنيه إلى 7.75 جنيه للتر بزيادة بلغت 1.15 جنيه، بنسبة زيادة تعادل نحو 17.42 في المئة. كما تقرر رفع سعر لتر بنزين 92 من 5 جنيهات إلى 6.75 جنيه، بزيادة بلغت 1.75 جنيه، وبنسبة زيادة تعادل نحو 35 في المئة، كما تم رفع سعر لتر بنزين 80 من 3.65 جنيه إلى 5.5 جنيه للتر، بزيادة تبلغ 1.85 جنيه، بنسبة زيادة تعادل نحو 50.68 في المئة.

 

وتقرر رفع سعر لتر الكيروسين من 3.65 جنيه إلى 5.5 جنيه للتر، بزيادة بلغت 1.85 جنيه، بنسبة زيادة تعادل 50.68 في المئة. أيضاً رفع أسعار السولار من 3.65 جنيه إلى 5.5 جنيه للتر بنسبة زيادة تعادل نحو 50.68 في المئة. وبالنسبة للمازوت، فقد تقرر رفع سعره إلى 3500 جنيه للطن مع ثبات سعر الصناعات الغذائية والكهرباء والإسمنت، وتقرر رفع سعر غاز تموين السيارات إلى 2.75 جنيه لكل متر مكعب. وبالنسبة لأسطوانات البوتاجاز، فقد تقرر رفع السعر المنزلي من 30 جنيهاً إلى 50 جنيهاً للأسطوانة، بزيادة بلغت 20 جنيهاً، بنسبة زيادة تتجاوز 66 في المئة، أما سعر الأسطوانة للتجاري فقد تم رفعها من 60 جنيهاً إلى 100 جنيه، بزيادة بلغت نحو 40 جنيهاً بنسبة زيادة تعادل 66.66 في المئة.

 

ومن جهته، قال وزير البترول المصري طارق الملا لرويترز يوم السبت الماضي؛ إن تحريك أسعار الوقود سيوفر للدولة 50 مليار جنيه (2.8 مليار دولار) في السنة المالية الجديدة التي تبدأ أول تموز/ يوليو.

 

جاءت هذه الزيادة والمصريون يحتفلون بعيدهم ويحتاجون إلى من يفرحهم ويأخذ بأيديهم


والواقع أن هذا التوجه من الحكومة ليس جديدا في مضمونه، وإن كان يفتقد للمروءة في توقيته، فقد جاءت هذه الزيادة والمصريون يحتفلون بعيدهم ويحتاجون إلى من يفرحهم ويأخذ بأيديهم، وإن كانت هذه الزيادة ما هي إلا خطوة من خطوات التزامات قرض صندوق النقد الدولي في إطار ما سمي ببرنامج الإصلاح الاقتصادي، والذي تم التوقيع عليه في العام 2016م، والذي بموجبه تحصل مصر على قرض بمبلغ 12 مليار دولار لمدة ثلاث سنوات، مقابل تحرير سعر الصرف وخفض دعم الطاقة والمياه والكهرباء سنويا، وزيادة إيرادات الدولة من خلال المزيد من الضرائب والرسوم وبيع المزيد من شركات القطاع العام، وإقرار عدد من القوانين التي تفتح الباب للمستثمر الأجنبي لأن يسرح ويمرح في مصر باسم تحفيز الاستثمار.

ورغم هذه الغمة، وهذه الخطوات التي خرجت عن منطق الاقتصاد ومراعاة معايش الناس، فإن اللجان الإلكترونية السيساوية، والنفوس المريضة غير السوية التي أنست السفه لنفسها وكرهت الرشد لغيرها؛ باتت تنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي زيفا وخداعا بأن رفع أسعار الوقود سيؤدي إلى تحويلنا لشعب منتج لا مستهلك.. شعب يعمل ولا ينتظر دعم الحكومة.

 

اللجان الالكترونية السيساوية، والنفوس المريضة غير السوية التي أنست السفه لنفسها وكرهت الرشد لغيرها؛ باتت تنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي زيفا وخداعا بأن رفع أسعار الوقود سيؤدي إلى تحويلنا لشعب منتج لا مستهلك


إنه من الجرم أن تجلد الناس وتمنعهم حتى من التأوه، بل وتقنعهم بأن جلدهم يَصب في مصلحتهم.. فلا أحد ينكر، بادئ ذي بدء، أن ترشيد الدعم ووصوله لمستحقيه هو مطلب اقتصادي وشرعي، ولكن حينما تكون سياسة تقشفية للشعب وسياسة ترفيهية للسلطة الحاكمة وتوابعها، فهذا الإجرام بعينه. فالتقشف لا يكون من جيوب المتقشفين من الشعب، ولكن يكون من جيوب المترفين وإيقاف سرقات المفسدين، وبيع شركات الجيش الاقتصادية، وتخفيض مخصصات الرئاسة والحكومة، والسفارات والقنصليات بالخارج. وقد رفض ملك الأردن، حينما هب الشعب الأردني للوقوف ضد رفع الأسعار، أن يكون الإصلاح الاقتصادي من جيوب المواطنين وحدهم، فكيف الحال بنا ونحن نرى البرلمان قد رفع مخصصاته بمبلغ 300 مليون جنيه، كما تم رفع رواتب الوزراء والعسكريين ورجال الأمن، فضلا عن الامتيازات الممنوحة لهم، في حين لا يجد المواطن سوى من يأخذ من جيبه الذي يعاني من ندرة المال معه؟ وكان الأولى قبل رفع الأسعار أن يقابل ذلك زيادة في مستوى الأجور، لا ترك الناس في ظل هذا الغلاء يكلمون أنفسهم ويزهقون أرواحهم في ظل آلة القمع وبناء السجون التي يتقنها النظام.

إن الحكومة لا تعرف شيئا اسمه الحماية الاجتماعية، وجل همها إرضاء المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، لتبييض وجهها وترقيع ديونها. فالملاحظ في ارتفاع أسعار الوقود أن ما يخص عامة الشعب - من الوقود من بنزين 80 والكيروسين والسولار والبوتوجاز - ارتفع سعره ما بين 50 و66 في المئة، وهي النسبة الأكبر في الارتفاع، فالحكومة لا ترى سوى بعين واحدة، وهي تخفيض عجز الموازنة إرضاء للصندوق، والصندوق يعمل لصالح الكبار بتحقيق استعمار اقتصادي ناعم، ولم يترتب على قرضه أي زيادة ملموسة في القطاعات الإنتاجية أو التشغيل. فالحكومة ما زال الحول التنموي ملازما لها، فهي لا تنظر سوى لجانب الطلب باستخدام السياسة النقدية والمالية، بعيدا عن جانب العرض من خلال السياسة الهيكلية التي تحقق التنمية بصورة حقيقية. وإذا كنا حصلنا من الصندوق حتى وقتنا على ستة مليارات دولار، فإنه بالمنطق الاقتصادي لو حسبنا ما حصلت عليه الحكومة من إيرادات من جيب الشعب نتيجة لتنفيذ سياسة الصندوق (بسعر صرف الجنيه قبل الاتفاق مع الصندوق)، نجد أن قيمة هذه الإيرادات تفوق قيمة القرض نفسه.

 

الحكومة لا تعرف شيئا اسمه الحماية الاجتماعية، وجل همها إرضاء المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، لتبييض وجهها وترقيع ديونها


إن رفع الدعم بهذه الصورة لن يحقق ترشيدا استهلاكيا، فانخفاض استهلاك الشعب لن ينشأ عن تربية استهلاكية ودعوة وطنية، بل لعدم القدرة على الإنفاق في ظل سياسة الجيوب الخاوية. كما أن هذا الارتفاع لا يمكن أن يحقق زيادة في الإنتاج، فرفع الدعم يعني مزيدا من ارتفاع السلع والخدمات وانخفاض الطلب عليها، والتأثير سلبا على الإنتاج في كافة قطاعات الاقتصاد، من زراعة وصناعة وخدمات، باعتبار الوقود مكونا أساسيا في منتجاتها، وهو ما يؤدي إلى ركود تضخمي يموت معه البيع والشراء، ويزيد من طرد القطاع الخاص المطرود أصلا بالعسكرة التي سوقها معروف بالإسناد المباشر، وهو ما يؤثر سلبا على الصادرات، ويزيد من معدلات البطالة.

والشعب المنتج لا يكونا منتجا إلا إذا توفرت له الحرية السياسة ومن ثم الحرية الاقتصادية، وقواعد الحوكمة الرشيدة، ومنحه أجرا يحقق لها الحياة الكريمة، وكذلك فتح الباب للقطاع الخاص لممارسة دوره، وغل يد العسكر عن الاقتصاد والسيطرة على مقدراته. وقد وفرت الحكومة عشرات المليارات من الجنيهات من الدعم منذ الانقلاب، فضلا عن الضرائب والرسوم ومنح خليجية تقدر بحوالي 70 مليار دولار، ولا يعرف أحد من الشعب أين ذهبت، ولا إلى أي الجيوب دخلت.. فهل يتوقع عاقل أن تأتي هذه الإجراءات بخير على الشعب عاجلا أم آجلا، وقد عجزت الأموال السابقة أن تحقق له ميزة واحدة؟!

 

وما تجربة مبارك مع الصندوق ووعوده للشعب في بداية التسعينات من القرن الماضي ببعيدة!! والنهاية لن تكن إلا سرابا ومزيدا من الديون والفقر والغلاء


إن رفع شعار الصبر، والعلاج مر، والخير قادم، وأسطوانة الإصلاح الاقتصادي والتنمية، والخروج من عنق الزجاجة، هي شعارات سمعناها منذ انقلاب تموز/ يوليو 1952م، وما تجربة مبارك مع الصندوق ووعوده للشعب في بداية التسعينيات من القرن الماضي ببعيدة!! والنهاية لن تكن إلا سرابا ومزيدا من الديون والفقر والغلاء وضياع مستقبل الأجيال، وفقا لتجارب الصندوق العالمية، ولا يلدغ مؤمن من جحر مرتين، فكيف إذا كان اللدغ مرات ومرات؟! ومن يرفع شعار العلاج المر، فإن هذا العلاج لا يأخذه العاقل إلا من طبيب بارع في تخصصه، لا من محتال أدمن الكذب والغدر وادعى أنه طبيب بدون مقومات.

إن دور الحكومة هو أنها خادمة للشعب راعية لمصالحه لا خادمة لنفسها مذلة لشعبها. ومن ينتظر تنمية من النظام الحالي كمن ينتظر من إبليس دخول الجنة، فالله لا يصلح عمل المفسدين والمفسد يعد ويمني وما وعده إلا غرورا. وفي المقابل، فإن الشعب يذوق وبال أمره وتمرده على حرية وحياة لم يرها من قبل وتصفيقه للدماء. فالمخرجات مرتبطة بالمدخلات، فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها، ومن قبل أخرج الله المصريين من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم بسوء صنيعهم. ومع ذلك، ورغم كل هذه الشدة، فإن فرج الله قريب، وإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، ولنجتهد جميعا لتنفيذ أمر ربنا "فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب"، فلنأخذ بالأسباب لحماية ثروات بلادنا البشرية والمادية، ونبذل قصارى جهدنا بما يتوافق مع ديننا لإزاحة هذا الانقلاب، ونجتهد ونبتهل لله بالدعاء، فأمره بين الكاف والنون إذا قال لشيء كن فيكون.