قضايا وآراء

أردوغان والمؤامرة الكونية عليه!

1300x600
وبدأ العد التنازلي للانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا، والتي ستجرى يوم الرابع والعشرين من هذا الشهر، تلك الانتخابات المبكرة عن موعدها بستة عشر شهراً، حيث كان مقرراً إجراؤها في آب/ أغسطس عام 2019، ولكن الرئيس "رجب طيب أردوغان" فاجأ الجميع بموافقته على طلب "دولت بهتشلى"، زعيم حزب الحركة القومي التركي، بإجراء انتخابات مبكرة. وربما كان هذا بالاتفاق بين الرجلين، لتمتعهما بالحس الوطني وشعورهما بمدى الخطر الذي تواجهه تركيا حاليا والمؤامرات التي تحاك حولها من القوى الكبرى، وخاصة أمريكا، وحول الرئيس أردوغان بصفة خاصة.

ولكي نفهم لماذا تحاك المؤامرات ضد تركيا، وهي التي كانت حتى وقت ليس ببعيد الحليف القوى للغرب والعضو في حلف شمال الأطلسى (الناتو)، والتي توجد على أرضها أكبر قاعدة عسكرية متقدمة كانت تستخدم في الصراع مع المعسكر الشرقي، لا بد أن نعود بالزمن للوراء كثيراً وبالتحديد عند سقوط الدولة العثمانية أعقاب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى وإنهاء الخلافة العثمانية عام 1924. فمنذ ذلك التاريخ نزعوا عن تركيا هويتها الإسلامية، ورسموا لها دوراً محدداً للقيام به وغير مسموح بتخطيه. أراد الغرب أن تكون تركيا عاصمة الخلافة الإسلامية (سابقاً) نموذجاً لدول علمانية في المنطقة، يُمحى فيها أي أثر أو دلالة للإسلام، وهي التي يمثل فيها المسلمون السنة 95 في المئة من شعبها، وقد ساعدهم في ذلك عميلهم كمال أتاتورك، رئيس تركيا في ذلك الوقت حتى وفاته عام 1938، وكل الرؤساء الذين جاؤوا من بعده ساروا على نفس الدرب وبنفس النهج، ولم يُسمح لأي رئيس ذي توجه إسلامي أن يعتلي سدة الحكم، بل إنهم أعدموا رئيس الوزراء الأسبق "عدنان مندريس" عام 1960 بتهمة اعتزام قلب النظام العلماني وتأسيس دولة دينية، رغم نفيه ذلك، وتأكيده على الالتزام بالنظام العلماني وعدم قبول إلغائه أو استبداله! ولكن مجرد الشبهات لظهور تيار ديني مطالب بعودة الخلافة الإسلامية وتطبيق الشريعة؛ أطاحت برأسه، بعد أن قام الجيش بأول انقلاب عسكري له خلال العهد الجمهوري. وكذلك الأمر عندما فاز " نجم الدين أربكان"، رئيس حزب الرفاه، في الانتخابات وأصبح رئيساً للوزراء، وحمل معه فكرة عظيمة تتعلق بنهوض اقتصادي إقليمي بديل عن النظام العالمي؛ وأعلن عن تأسيس دول السبع الإسلامية كقطب ثالث في العالم (على غرار مؤتمر باندونج)، قام الجيش بانقلاب عسكري ضده بعد عام من توليه منصبه، وحل حزبه وقدمه للمحاكمة.

فرض الغرب حصاراً حول تركيا يبعدها عن محيطها الإسلامي لمنع عودتها لجذورها الإسلامية، وكان الجيش الموالي للغرب يتولى هذه المهمة بعمل الانقلابات العسكرية المستمرة ضد الحكومات التي قد تتهاون في بعض تعاليم أتاتورك العلمانية أو يظهر عليها بعض من المظاهر الإسلامية، إلى أن جاء حزب العدالة والتنمية (عام 2002) المنشق من حزب الرفاة ذي التوجه الإسلامي، جاء تلاميذ أربكان إلى سدة الحكم بعد فوزهم في الانتخابات، جاؤوا في أشد حالات تركيا سوءاً، حيث عم الفساد كل مناحي الحياة، وهبطت تركيا اقتصادياً إلى المرتبة 111 عالمياً، ولكن الحزب استطاع أن ينقل بلاده من حال إلى حال مختلف تماماً، من خلال سلسلة من الإنجازات الكبرى، والتي لم تكن في حسبان المحللين الاقتصاديين، مما جعل تركيا تحتل المرتبة السادسة عشر في ترتيب الاقتصاديات على مستوى العالم، والسادسة على المستوى الأوروبي، وأصبحت الاقتصاد الأكبر إسلامياً. وبعد أن كانت مدينة للبنك الدولي، أصبحت دائنة له، هذا بخلاف مواقفها السياسية المستقلة والتي أخرجتها من التبعية للغرب. ولنتذكر هنا موقفها المحترم من الغزو الأمريكي للعراق وعدم سماحها باستخدام مجالها الجوي من الطيران الأمريكي، بينما كانت دول الخليج تفتح أراضيها وبحارها وأجواءها للجيش الغازي الأمريكي!

أصبحت تركيا النموذج الإسلامي الملهم للشباب في البلدان العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي، وأصبح أردوغان ذو الكاريزما الطاغية هو نموذج القائد، والزعيم الذي تتطلع إليه الشعوب العربية وتتمنى مثيله في بلادها. ومن هنا كانت خطورة أردوغان وتأثيره في المحيط الإسلامي، فقد أصبح النظام التركي هو البديل المدني للأنظمة العسكرية القمعية والأنظمة الملكية الوراثية التي تعيش خارج الزمن لدى الشعوب العربية، مما أخاف الغرب من تعرض أنظمتها العربية العميلة لها للانهيار، مما يؤدي لانهيار المنظومة الإقليمية التي أنشأها منذ ما يقرب من قرن من الزمان، وهذا ما لن يسمح به أبداً بطبيعة الحال. كما خشي الحكام العرب أيضا من زوال عروشهم بهذا الصاروخ الصاعد "تركيا"، وخاصة حكام الخليج، فكان لا بد من محاربته وإسقاطه، والقضاء أولاً على ثورات الربيع العربي، وكانت دولة الإمارات مقراً لتلك الثورات المضادة في البلدان التي شهدت ثورات، بمباركة صهيوأمريكية، ومنها أيضا تمت إدارة محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو/ تموز 2016، والتي رعتها أمريكا بنفسها، والتي تدعم التنظيم الموازى وتحتضن زعيمه "جولن" الذي توغل في علاقاته بدولة الإمارات. وبعد فشل الانقلاب حاولوا تقويض "أردوغان"، وحصار تركيا من جهة الشمال السوري؛ بتكوين مليشيا الوحدات الكردية التي سلحتها أمريكا وقدمت لها كل الدعم السياسي واللوجيستي، بالإضافة طبعا للدعم المادي الذي تتولاه دولة الإمارات.. كان الهدف من مليشيات الوحدات الكردية زعزعة وتهديد الأمن القومي التركي، بصناعة جيب انفصالي جنوب تركيا، والعمل على تقسيمها لإنشاء دولة كردية ضمن رؤية حزب العمال الكردستانى، ففاجأهم أردوغان بمعركة غصن الزيتون في عفرين. ورغم كل ما قيل وكُتب من تحليلات مُسبقة بأنه فخ نصبته أمريكا لأردوغان ليقع فيه، إلا أنه خرج منتصراً نصراً مبيناً متوعداً بمزيد من العمليات العسكرية في مناطق أخرى في سوريا (منبج وعين العرب وتل أبيض والقامشلى.. الخ) لتطهير كل هذه المناطق أيضا من العناصر الإرهابية التي زرعت أصلاً لتهديد دائم ومستمر لتركيا، مما أفزع أمريكا وحلفاءها المعادين لأردوغان..

بعد الثورة السورية وسحب صواريخ الباترويت التابعة للناتو من تركيا، اتخذ أردوغان خطوة جريئة باتجاه الصناعة العسكرية، وأصبحت تركيا تنتج نحو 65 في المئة من سلاحها، وتصنع معدات عسكرية تضاهي السلاح الغربي. وهذا خط أحمر وذنب لا يغتفر، إذ أنه يعني تغييرا في المعادلة الغربية القائمة منذ حوالي المئة عام في احتكار السلاح في العالم..

إنه مما لا شك فيه أن تركيا تُعد هدفا استراتيجيا لأمريكا، وتركيا اليوم في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، ليست تركيا في عهد كمال أتاتورك وما بعده من رؤساء موالين لأمريكا من المؤسسة العسكرية التي تدار من واشنطن.. تركيا عضو حلف الناتو حليف الأمس التي طوعتها أمريكا لتدور في فلكها.. خرجت من هذا الفلك، وكان لا بد من إعادتها مرة أخرى وكسر شوكتها كي لا تعاود الجنوح من جديد، ولن يحدث ذلك إلا بإزاحة أردوغان وإبعاده عن المشهد التركي. ولم تفلح كل محاولاتهم التآمرية السابقة، وهذا ما جعلهم يكثفون جهودهم بطرق أخرى لتحقيق نفس الهدف بإجهاض التجربة التركية الناجحة لإعادتها للتحليق مرة أخرى مع السرب الذي يدور في منظومة الفلك الأمريكي، فاتجهوا لمحاربتها اقتصادياً والتلاعب بسعر الليرة التركية، واتجهت السعودية والإمارات ومن يدورون في فلكهما ويأتمرون بأوامرهما، مثل لبنان، إلى عدم استيراد المنتجات الزراعية والصناعية التركية، وألغى الأردن اتفاقية التجارة الحرة المبرمة بينهما لضرب الاقتصاد التركي، ولكنهم لم يستطيعوا أن يصيبوا تركيا في مقتل، واستطاعت أن تواجه تلك الحرب الاقتصادية الشرسة بشجاعة وأن تردهم على أعقابهم خاسئين خاسرين!

تضاءلت فرص الغرب، وعلى رأسه أمريكا، وعملائه من حكام العرب لإسقاط أردوغان في الانتخابات الرئاسية التي  ستجرى بعد ثلاثة أيام، بل تكاد تكون معدومة بعد فشلهم في إيجاد شخصية بديلة تضاهي أردوغان لدفعها لخوض الانتخابات ومنافسته، خاصة بعد اعتذار رئيس الوزراء السابق أحمد داوود أوغلو والرئيس السابق عبد الله جول عن خوض الانتخابات، والتزامهما بقرار الحزب بترشيح رجب طيب أردوغان للرئاسة، رغم المحاولات المستميتة التي بذلتها السعودية والإمارات، والإغراءات المادية التي عرضت على الرجلين كي يخوضا الانتخابات وكان رفضهما بمثابة ضربة قاضية للبلدين المتآمرين على الإسلام قبل تآمرهما على أردوغان نفسه، فقد اتضح مما سبق أن الحرب على تركيا بدأت منذ نجاح تجربة أردوغان والنهضة التي أحدثها في تركيا، وارتباطها بالتجربة الإسلامية الواعدة، وذلك لمنعها من العودة لقيادة العالم الإسلامي من جديد. فأمريكا لاتريد دولة سنية قوية تشكل مرجعاً للسنة، وتعتمد على وكلائها من الحكام السنّة في تلك الحرب القذرة، كما أنها ترفض إظهار وجه حضاري للإسلام يتنافى كلية مع الفزاعة التي اصطنعتها للإسلاميين وأخافت بها العالم (من خلال داعش)، لتصنع حالة الإسلاموفوبيا وتستتر من ورائها لضرب الدول الإسلامية تحت مسمى الحرب على الإرهاب، وهي في حقيقتها الحرب على الإسلام..

وبدت الساحة الآن خالية لأردوغان، وبات قاب قوسين أوأدنى من الفوز في الانتخابات..

لا يوجد رئيس في أي دولة في العالم يرضى أن يضحي بساعة واحدة من مدة حكمه (وليس بستة عشر شهراً) كما فعل أردوغان، وهذا يدل على ثقة متناهية وقوة متينة، ثقة فيما أنجزه، وثقة في شعبيته، وثقة في نفسه، وقوة سياسية لا تخشى المنافسة في أي وقت، وفوق كل ذلك تقدير للديمقراطية وآلياتها..

ستدرس تجربة أردوغان كواحدة من أهم التجارب السياسية في العصر الحديث، والتي لم يستطع الغرب بكل ما أوتي من قوة إجهاضها..