بورتريه

شطب حق العودة.. وإطلاق النار على الشاهد الأخير (بورتريه)

الأونروا اللاجئون - عربي21

"الأونروا" واللاجئون، الشاهد الوحيد والأخير المتبقى على جريمة احتلال فلسطين وتشريد شعبها.

وجود "الأونروا" يؤرق القاتل الذي بدلا من الاعتذار لضحيته وتصحيح مساره، يريد حذف الضحية و"شطبها" من الوجود.

شكل من أشكال طمس الأدلة والبراهين، والعبث بأدوات الجريمة. محاولة عابثة لتحميل الضحية جميع نتائج "الحرب والسلم"، وإنهاء جميع الملفات الإشكالية والمتفجرة مثل، القدس واللاجئين، وسحبها عن طاولة المفاوضات في أي عملية "مفاوضات" محتملة أو مقترحة.

وبعد أن حقق نصرا مؤقتا بإقناع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بـ"القدس عاصمة لإسرائيل"، وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عينيه على جائزة استراتيجية أخرى، ألا وهي تصفية قضية اللاجئين.

غرور واستعلاء الإدارة الأمريكية وصل بها حد أنها تريد تحديد من هو اللاجئ، متجاوزة الأمم المتحدة والقانون الدولي، وكل ما تعارف عليه العالم.

وحدها واشنطن، تملك السلطة والقوة والعبقرية لتحديد من هو اللاجئ الفلسطيني. الفلسطيني نفسه سيكون على قائمة الانتظار لتحديد هويته من قبل الإدارة الأمريكية، لاجئ أم مواطن حيث يقيم، رغما عنه، ورغما عن المكان، أو الدولة التي يقيم على أرضها.

سفيرة واشنطن لدى الأمم المتحدة، النزقة والمتعالية وخط الدفاع الأول عن "إسرائيل" نيكي هايلي، تشكك بحق العودة، وفي إحصائية وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا" لعدد اللاجئين الفلسطينيين، في خطوة جديدة من إدارة الرئيس دونالد ترامب للي ذراع الفلسطينيين ومعاقبتهم  لأنهم يتمردون على نزوات ورغبات ترامب، ويرفضون الخنوع لرغبات صهره المدلل كوشنر.

موقف إدارة ترامب يحظى بدعم الصقور المتشددين الأنجيليين في أمريكا المؤيدين لـ"إسرائيل"، وكذلك داعمي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الساخطون على "الأونروا"، التي تمنح حق اللجوء لأبناء اللاجئين الذين طردوا من أراضيهم التي أقيمت عليها دولة الاحتلال، فيما يحاول صهر ترامب ومستشاره جارد كوشنر، ومعه مبعوث الرئيس الأمريكي الخاص لعملية التسوية في الشرق الأوسط، جيسون غرينبلات، تجريد الفلسطينيين من حق اللجوء، وتحديده بعدد قليل، وتفكيك "الأونروا" وإلغاء حق العودة للفلسطينيين.

وحق العودة، حق لكل فلسطيني طرد أو أخرج من موطنه عام 1948 أو في أي وقت بعد ذلك، في العودة إلى الديار أو الأرض أو البيت الذي كان يعيش فيه حياة اعتيادية قبل 1948، وهذا الحق ينطبق على كل فلسطيني سواء كان رجلا أو امرأة، وينطبق كذلك على ذرية أي منهما مهما بلغ عددها، وأماكن تواجدها، ومكان ولادتها، وظروفها السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية.


ينطبق حق العودة على كل مواطن فلسطيني طبيعي سواء ملك أرضا أم لم يملك، لأن حقه في العودة مرتبط أيضا بحقه في الهوية التي فقدها، وانتمائه إلى الوطن الذي حرم منه.

وهو حق مستمد من القانون الدولي المعترف به عالميا، كما هو في نصوص الميثاق العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، وقد تكرر هذا في المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان مثل الأوروبية والأمريكية والأفريقية والعربية، إضافة إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 الذي يقضي بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة والتعويض (وليس: أو التعويض) وأصر المجتمع الدولي على تأكيد قرار 194 منذ عام 1948 أكثر من 135 مرة ولم تعارضه إلا "إسرائيل"، وبعد "اتفاقية أوسلو" عارضته أمريكا.

حق العودة أيضا نابع من حرمة الملكية الخاصة التي لا تزول بالاحتلال أو بتغيير السيادة على البلاد، وهو حق لا يسقط بالتقادم، أي بمرور الزمن، مهما طالت المدة التي حرم فيها الفلسطينيون من العودة إلى ديارهم.

وهو غير قابل للتصرف لأنه من الحقوق الثابتة، مثل باقي حقوق الإنسان لا تنقضي بمرور الزمن، ولا تخضع للمفاوضة أو التنازل، ولا تسقط أو تعدل أو يتغير مفهومها في أي معاهدة أو اتفاق سياسي من أي نوع، حتى لو وقعت على ذلك جهات تمثل الفلسطينيين أو تدعي أنها تمثلهم. لأنه حق شخصي، لا يسقط أبدا، إلا إذا وقع كل شخص بنفسه وبملء إرادته على إسقاط هذا الحق عن نفسه فقط.

حق العودة حق جماعي أيضا باجتماع الحقوق الشخصية الفردية، وبالاعتماد على حق تقرير المصير الذي أكدته الأمم المتحدة لكل الشعوب عام 1946، وخصت به الفلسطينيين عام 1969 وجعلته حقا غير قابل للتصرف للفلسطينيين في قرار رقم 3236 عام 1974.

ويرى مختصون بالقانون الدولي أن كل اتفاق على إسقاط حق غير قابل للتصرف باطل قانونا، وتنص المادة الثانية من معاهدة جنيف الرابعة لعام 1949 على أن أي اتفاق بين القوة المحتلة والشعب المحتل أو ممثليه باطلة قانونا، إذا أسقطت حقوقه.

كان القرار 194 يتعامل مع قضية اللاجئين كقضية إنسانية فقط، لكن هذا التوجه تغير عام 1970، ففي قرار الأمم المتحدة رقم 2649 اتجهت الأمم المتحدة إلى معالجة مشكلة الفلسطينيين كمشكلة لاجئين ولكن أيضا، ولأول مرة، تعاملت معه كشعب له حق قانوني ثابت في تقرير مصيره.

وأخذت الأمم المتحدة في كل عام تؤكد على حق عودة اللاجئين إلى "ديارهم وأملاكهم التي شردوا عنها واقتلعوا منها"، وتبدي قلقها لعدم إحراز تقدم في الموضوع.

وبدون العودة، يبقى اللاجئ لاجئا حسب القانون الدولي إلى أن يعود إلى بيته نفسه،  إن مقدار المسافة بين اللاجئ المنفي ووطنه الأصلي لا يسقط حقه في العودة أبدا، سواء أكان لاجئا في فلسطين 1948 أم في فلسطين التاريخية، أم في أحد البلاد العربية والأجنبية.

ومع ضعف الأمم المتحدة والعرب في إلزام الاحتلال بتطبيق القرارات الدولية، وتطورات القضية الفلسطينية التي جاءت لصالح الاحتلال، فقد أضيفت فئة جديدة للاجئين حين احتلت "إسرائيل" بقية أراضي فلسطين، القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، في حرب حزيران/ يونيو عام 1967 وهم من هجروا من الضفة الغربية وغزة وأطلق على هؤلاء المهجرين وصف "النازحين".

وهكذا أصبح اللاجئ الفلسطيني هو من هجر عام 1948، والنازح الفلسطيني هو من هجر عام 1967. وبالتالي أصبح وضع هؤلاء النازحين الذين حرموا من حق العودة مماثلا لوضع اللاجئين الأوائل من الشعب الفلسطيني، رغم اختلاف التسمية.

هذا الواقع المعقد، يريد كوشنر أن يبسطه بطريقة لن تكون نتائجها سوى مزيد من الدماء والفوضى، وكثيرا ما توصف محاولات كوشنر ومن معه لوقف عمل "الأونروا"، رغم معارضة "البنتاغون" والخارجية  الأمريكية، و"السي أي إيه"، بأنها "متهورة وخطيرة"، بحسب ديلان ويليامز من مجموعة اللوبي اليهودية الليبرالية "جي ستريت"، فهو يرى أن "هذا مثال عن اهتمام إدارة ترامب بالإجراءات العقابية ضد الفلسطينيين أكثر من البحث الجاد عن السلام".

موقف هيلي وكوشنر وغرينبلات مطابق تماما للموقف الرسمي الإسرائيلي الذي يرى أن "قرار ترامب وإدارته قرار عادل، لأنه يقول الحقيقة، ويكشف الكذبة العربية التي تم تسويقها للعالم بأسره منذ عقود". بحسب تصريحات صحفية لأكثر من وزير إسرائيلي.

تل أبيب تقول إن "الحل لأولئك الذين يتواجدون الآن في مختلف البلدان العربية هو في هذه البلدان (توطين اللاجئين الفلسطينيين)، وعليهم ألا يحلموا بتحقيق حق العودة".

وبشأن القرار الأمريكي المتعلق بوكالة "الأونروا"، تقول الحكومة الإسرائيلية: "على مدار سنوات عديدة، عملت الأونروا بشكل مصطنع على تخليد المشكلة العربية لتكون بمثابة أداة لمناطحة إسرائيل، ولذلك كان يجب أن تختفي منذ وقت طويل".

من جهتها، تقول رئيسة "اللوبي لمحاربة أونروا"، النائبة الإسرائيلية شارين هاسكيل إن: "الأونروا تربي أجيالا من اللاجئين وتخطئ هدفها الأصلي في حل مشكلة اللاجئين"، مضيفة أن "تعريف اللاجئين حسب المنظمة لا يشبه تماما تعريف أي منظمة أخرى في العالم".

وكانت الولايات المتحدة قد خفضت في وقت سابق من العام الجاري مساعدتها لـ"الأونروا" إلى 60 مليون دولار، بعد أن تعهدت بدفع 350 مليون دولار خلال العام.

وقالت الإدارة الأمريكية: "سنكون أحد المانحين إذا قامت الأونروا بإصلاح ما تفعله، وإذا غيرت بشكل فعلي عدد اللاجئين إلى عدد دقيق، سنعيد النظر في شراكتنا لهم".

يذكر أن عدد اللاجئين المسجلين عام 2017 في "الأونروا" ، يبلغ 5.9 مليون لاجئ.

لكن إدراة ترامب ومعها أعضاء في "الكونغرس" الأمريكي لا تعترف بهذه الأرقام، ولا تقف عند حدود إنكار الأرقام، وإنما إلى اتخاذ خطوات عملية لوضع رقمها الخاص الذي سيكون "حاسما وجازما ولا يقبل الشك"، وهو بالطبع رقم إسرائيلي أيضا!

في هذا السياق، نقلت صحيفة "يسرائيل هيوم" العبرية عن مصدر في "الكونغرس" تأكيده أن إدارة ترامب قد تكشف قريبا عن تقرير يتناول "الأعداد الحقيقية" للاجئين الفلسطينيين، موضحا أن هذا العدد سوف ينحصر فقط في 40 ألف لاجئ من الجيل الأول. وفي أحسن الأحوال لن يتجاوز نصف مليون لاجئ فقط.

مساعي إدارة ترامب بشأن "الأونروا" واللاجئين تهدف لإزاحة ملف اللاجئين عن طاولة أي مفاوضات قادمة.

فيما ترى "إسرائيل" أن الفرصة الحالية قد لا تتكرر، فالضعف والتمزق العربي والفلسطيني وصل إلى حدود متعبة ومخجلة ومخزية، كما أن ترامب الذي يقود إدارة من اليمين المتطرف الموالي تماما لـ"إسرائيل" على رأسها مستشار الأمن القومي جون بولتون، يريد استغلال الفرصة لإنهاء ما تبقى من القضية الفلسطينية والإجهاز على أي شاهد يذكر العالم دائما بجريمة احتلال فلسطين.