كتاب عربي 21

ابن سلمان في طريقه إلى "دار دار.. زنقة زنقة"!

1300x600
ليس أردوغان بالخُب ولا الخُب يخدعه، وليس هو من عندما يخضع له ابن سلمان بالقول، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم!

لقد اعتبر البعض أن دماء "جمال خاشقجي" ضاعت هدراً؛ عندما علموا بأمر الاتصال الهاتفي بين ولي العهد السعودي، والرئيس التركي، والذي أعقبه الكلام العاطفي للأول بأن هناك من يسعون لإحداث شرخ في العلاقات السعودية - التركية، وأن هذا لن يحدث ما دام في السعودية الملك سلمان وولي عهده، وفي تركيا الرئيس "أردوجان"، نطقه هكذا!

الحقيقة أن ابن سلمان كالغريق الذي يتعلق في "قشاية"، ولو كانت هذه "القشة" هي الاتصال الهاتفي بالرئيس أردوغان. وإن كان قادراً على أن يعطيه الآن من طرف اللسان حلاوة، فإنه سيروغ منه كما يروغ الثعلب عندما  تلقي الحرب أوزارها. غاية ما في الأمر أن قيام النظام التركي بتسوية "الطبخة" على نار هادئة؛ كان سبباً في أن يطمع الذي في قلبه مرض. لاحظ أن هذا الاتصال الهاتفي جاء بعد الخطاب الذي خيب الآمال للرئيس التركي، وكان هو سبباً في ذلك، بجانب من يحسبون أنفسهم على نظامه ويوحون للفضائيات بأنهم يشاركون في صنع القرار التركي!

فأردوغان هو من وعد بأنه سيعلن "الحقيقة كاملة" في خطابه، "وبشكل لم يقل به من قبل"، والذين يحسبون أنفسهم عليه بشّرونا بعبارات مثل "القاضية" والخطاب التاريخي، وهي الدعاية التي كانت سبباً في التغطية على أهمية ما كان في هذا الخطاب، والذي انتقل به "الخطيب" من كونه موجهاً لكل من هم على ظهر البسيطة، ليكون في حدود واشنطن ومن حولها! وهو خطاب وجدت فيه قنوات الموالاة ("العربية" وغيرها) أنه لن يضر بالموقف السعودي فقامت ببثه. ومن هنا وجدها "ابن سلمان" فرصة ليتقدم خطوة للأمام، فيتصل بأردوغان، وبعد ذلك أشاد بالعلاقات السعودية - التركية، وتقرب إلى قطر بالنوافل، وكأني أنا من دعم محاولة الانقلاب الفاشلة، وكأني أنا من حاصر قطر، ومنع شعبها من الحج والعمرة!

لغة المصالح

تربط أردوغان بالمملكة العربية السعودية مصالح مشتركة، لا شك أن ولي العهد عمل من قبل على الإضرار بها، بعد أن صار جزءا من حسابات "محمد بن زايد"، الذي باعه الآن، لكن هذه المصالح كانت قائمة، وأردوغان يتخذ قراره بسفر القوات التركية إلى الدوحة التي يهددها جيرانها بالغزو، ويدعون لقلب نظام الحكم فيها. وبحسابات المصالح الضيقة، فإن أردوغان عرض هذه المصالح للأضرار المحتملة، لكن ما ربطه بالقوم في المملكة هو أن الأمر لم ينتقل إلى العداء الصريح، فلم يجهر كل من الطرفين بالسوء من القول، على الأقل رسمياً.

وعندما وقعت جريمة مقتل "جمال خاشقجي"، تخوف البعض من أن تكون هذه المصالح سبباً في تجاوز الأزمة و"بيع القضية"، مع أن الجريمة موجهة لأنقرة أيضاً، وتهدف إلى إرسال رسالة بأنها ليست الأرض الآمنة التي تستقبل كل مظلوم، وليس أردوغان هو نجاشي العصر!

الذين ذهب بهم سوء الظن إلى أن الاتصال الهاتفي منشئ لأن أردوغان قد قرر المهادنة، لا يعلمون أنه بهذه المهادنة تم الانتقال بالراوية السعودية إلى مستواها الرابع حتى الآن، حتى توشك أن تتماهى مع الرواية التركية. فقد بدأ الأمر بالإنكار الكامل، ثم كان الاعتراف بأن "خاشقجي" مات، ثم الاعتراف بأنه قتل بالخطأ، قبل الاعتراف الأخير بأن القتل تم مع سبق الإصرار والترصد، ليصبح الخلاف بين الروايتين حول من المسؤول الأعلى عن هذه الجريمة؟ فبينما توحي الرواية التركية بما لم تصرح به أنه ولي العهد نفسه، فإن الاتجاه السعودي هو تحميل نائب المخابرات السعودية وسبعة عشر آخرين جريمة القتل والتخطيط لها.

قيمة الجثة

ولمصلحة سير العدالة أن يستقبل أردوغان اتصال القاتل، وبحسب "البرود" الذي تدار به القضية، من الطبيعي أن يجاريه الرئيس التركي، لنصل إلى نقطة مهمة وهي "أين الجثة"!

للجثة أهمية لنفي المستوى الثالث من الرواية السعودية، فقد تعرض الراحل للاعتداء، والقتل العمد، وتقطيع جثته، بما ينفي القول إنه قتل بالخطأ نتيجة وضع يد على فمه فمات في التو واللحظة. وقد قالت الراوية السعودية إن الجثة أعطيت لمتعهد محلي لا يعرفونه، وهو الأمر الذي لا ينطلي على أي "صريخ ابن يومين". وما دام ابن سلمان مصرا على أنه بريء، فليساعد في مهمة حمل الجناة على الاعتراف بمن هو المتعهد المحلي، أو إعلان كيف تصرفوا في الجثة، ولتساعد السلطات السعودية القوم في تركيا في محاكمة المتهمين، ما دام أهل الحكم في المملكة أبرياء ويستهدفون معاقبة الجناة!

لقد أحيط بمحمد بن سلمان من كل جانب، ومن المؤكد أن الأدلة التي في حوزة الأجهزة التركية انتقلت إلى مخابرات العالم، فلو قررت جميعها ابتزاز محمد بن سلمان والحصول على مقابل لهذا، فإن الثمن هو عودة المملكة إلى زمن "التكية المصرية"، وإلى زمن "المحمل" الذي كان يحمل "كسوة الكعبة" من القاهرة!

والإرادة التركية تصطدم بمحاولة "ترامب" حماية مكفوله في الرياض، وهو يستخدم سلاح الوقت في تجاوز الأزمة، ويبدو نمط الدراما التركية، يسير في ركاب هذا المخطط!، لكن تركيا تريد مسلسلاً طويل الحلقات، يقتل بالبطيء، ولا بد من توافر الإثارة في كل حلقة، ولن تنتهي الرواية التركية عند إدانة محمد بن سلمان وحده. فهناك إشارات في خطاب أردوغان لا تخطئ العين دلالتها على أدوار إقليمية في الجريمة!

وفي العموم، فإن قضية مقتل "خاشقجي" صارت أكبر من أردوغان وترامب، فهناك الأوربيون الذين دخلوا على الخط، ولن يسمحوا لترامب أن يكون وحده مصاص الدماء في هذا العالم، وأنه إذا كان متعذراً أن يكونوا مثله، فعلى الأقل أن يمنعوه من ذلك، فيبدو "في الصورة" كمن يتعاملون بمنطق أخلاقي، إن لم يكن أمام العالم فأمام شعوبهم على الأقل!

الأوربيون يملكون الضغط حتى وصول القضية إلى القضاء الدولي، وهنا سيقف العالم على بشاعة الجريمة، وهو ما يعمل ترامب له ألف حساب، لهذا فقد لا يجد ما يمنع إذا وجد نفسه سيخسر أمريكيا؛ أن يضحي بالجنين من أجل حياة الأم، لكن تكمن المشكلة في أن الطريق إلى عزل ابن سلمان ليس ممهداً تماماً.

فالشعب السعودي في حالة استكانة بسبب قمع السنين، وهو ينتظر من يخلصه من هذا القاتل، ويا حبذا لو كان الخلاص من الحكم السعودي برمته. والعائلة المالكة السعودية تنتظر الخلاص من الخارج، وقد فقدت تماما قدرتها على التصرف إزاء هذا المجنون الذي يحكم، فأهان وجهاء العائلة، ونكل بهم، وجعلهم أمثولة!

ومن هنا لا تحدثني عن الغطاء الشعبي، الذي يستخدم في التخلص من ولي العهد!

الملك خارج نطاق الخدمة

وفي عدم وجود الحراك، سواء من الشعب أو من العائلة، فإن عملية التخلص من ابن سلمان ليست سهلة، زد على هذا أن الملك سلمان خارج نطاق الخدمة، وهو من يمكن الضغط عليه وحمله على اختيار "ولي عهد جديد"، مع توفير الحماية لنجليه، فاسم خالد بن سلمان سيظهر في القضية عند أي محاكمة جادة، فهو من استدرج "جمال خاشقجي" إلى قنصلية إسطنبول، لذا فقد غادر سفارة بلاده في واشنطن شبه مطرود!

ابن سلمان هو الحاكم، والمطلوب منه أن يتخذ بنفسه قرار عزل نفسه، ويمكن ساعتها أن يتحول إلى قذافي آخر: "دار دار.. زنقة زنقة"، حتى وإن أنفق كل المال السعودي على جهاز الأمن الذي يحميه، وكان هذا سبباً في إضعاف الدولة السعودية، إلى حدود الدول الفاشلة، "فيا روح ما بعدك روح".. وماذا يفيده لو أصبحت السعودية بريطانيا العظمى، إذا فقد أمله في وراثة العرش، أو وجد نفسه معرضاً في أي لحظة لأن يمثل أمام العدالة بتهمة قتل خاشقجي؟ فلا "أمان " يمنح للأبد!

القذافي بعد أيام من رفعه شعار: "دار دار.. زنقة زنقة" كان السر الإلهي قد خرج!

ربك كبير.