صحافة دولية

أتلانتك: عودة تماثيل حافظ الأسد انتصار أم تظاهر بالنصر؟

أتلانتك: تماثيل الأسد الجديدة في سوريا ترسل رسالة واضحة مفادها: "لقد عدنا"- تويتر
نشر موقع "ذا أتلانتك " مقالا للصحافي سام داغر، يتحدث فيه عن التماثيل التي انتشرت من جديد في سوريا للرئيس حافظ الأسد

ويشير داغر في مقاله، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن هذه التماثيل هي بمنزلة سخرية من المعارضة التي قام بتدميرها بطريقة وحشية، لافتا إلى تمثال حافظ الأسد البرونزي الذي نصب في بداية آذار/ مارس، وقبل أيام من الذكرى الثامنة للثورة ضد ابنه بشار عام 2011. 

ويقول الكاتب إن "النظام السوري نظم حفلة صاخبة في الساحة الرئيسية لمدينة درعا، حيث ظهر تمثال لحافظ الأسد، الجنرال الذي قاد انقلابا في عام 1970، وحكم البلاد بالحديد والنار حتى وفاته عام 2000، وبدا حافظ في التمثال شابا، إلا أنه عبر عن شخص لا يمكن تدميره، وهو نصف بشر ونصف حجر ينظر ببرود وعزم، ويداه تربتان على طفلين منبهرين يحملان سنابل من القمح الذي يعد المحصول الرئيسي في محافظة درعا". 

ويلفت داغر إلى أنه "تم نصب التمثال الجديد إلى جانب مقر المحافظ، ووضعت عليه حراسة على مدار الساعة، وهو بديل عن ذلك الذي هشمته الجماهير الغاضبة مع بداية الثورة في آذار/ مارس 2011، بعدما قتلت قوات الأمن أعدادا من المحتجين والمعتصمين السلميين في مسجد درعا، وهتف سكان درعا من أجل الحرية والكرامة، وتجرؤوا على كسر حاجز الخوف من الأجهزة الأمنية، وألهموا بقية سكان سوريا للخروج، وكان الرد العنيف على هذه الثورة بناء على أوامر من شقيق بشار، ماهر وابن خاله حافظ مخلوف، وبمعرفة الديكتاتور الكاملة، كما كشفت عنه في كتابي الجديد (الأسد أو نحرق البلد: كيف دمرت شهوة عائلة واحدة للسلطة سوريا)".

ويفيد الكاتب بأن "حكم سوريا ظل شأنا عائليا منذ خمسة عقود، وسيظل كذلك طالما ظل الأمر متعلقا بعائلة الأسد، وكان شعار (الأسد أو نحرق البلد) هو شعار جداري كتبه الموالون للنظام على جدران البيوت المدمرة والأحياء المنهوبة وفي المدن التي استعيدت من المعارضة منذ عام 2012، ففي هذا العام راهن القادة الغربيون على زوال الأسد، لكنه تمسك بالسلطة بدعم مهم من إيران وروسيا، واستطاع النظام استعادة معظم سوريا في حملة أرض محروقة لم توفر مدرسة ولا مستشفى، ويتكرر المشهد ذاته الآن في المعقل الأخير للتمرد وهو إدلب، والشعار هو (لو كان ثمن حماية عائلة الأسد هو تدمير كامل البلد فليكن ذلك)، فالشعارات، والآن التماثيل، هي تذكير بهذا المنطق الوحشي بطريقة فجة وصارخة". 

وينوه داغر إلى أن "تمثال حافظ عاد أيضا إلى مركز مدينة دير الزور في تشرين الأول/ أكتوبر 2018، بعدما أزاله النظام في عام 2011؛ خوفا من تدمير المحتجين له، وفي آب/ أغسطس احتفل الموالون للأسد بعملية إعادة ترميم تمثال حافظ في مدينة حمص، بما في ذلك تركيب إنارة حوله وبناء نوافير، وعادت مدينة حمص التي كان يطلق عليها (مدينة الثورة) إلى النظام عام 2014، بعد حصار شلها وحملة عسكرية وحشية تركت معظم المدينة مدمرة وخالية من سكانها الأصليين، وفي 15 نيسان/ أبريل كشف النقاب في مدينة دير الزور عن تمثال لباسل الأسد، الذي اختاره حافظ الأسد ليكون خليفته، لكنه قتل في حادث سيارة عام 1994، وهو تمثال أصغر حجما من الذي دمره  المحتجون في نيسان/ أبريل 2011، ولا توجد تماثيل لبشار الذي ورث السلطة عن والده عام 2000، إلا أن اليافطات التي تحمل صورته والشعارات المتحدية منتشرة في أنحاء سوريا كلها". 

ويرى الكاتب أن "إعادة التماثيل واليافطات هي طريقة عائلة الأسد لإخبار المجتمعات التي تمردت يوما بأن أي مقاومة أخرى ستكون عبثية، وعودة التماثيل هي رسالة تؤكد انتصار عائلة الأسد رغم الثمن الباهظ: نصف مليون أو يزيد من الضحايا، ودمار هائل، وتشريد السكان، واقتصاد في حالة مزرية، وبلد ومجتمع مهشمان، وكذلك نظام لا يستطيع النجاة دون دعم الرعاة الأجانب مثل إيران وروسيا". 

وينقل الموقع عن مدير برنامج الشرق الأوسط في كلية سميث والخبير المعروف في شؤون سوريا، ستيف هيديمان، قوله: "الرسالة واضحة: لقد عدنا"، وأضاف هيديمان أن إعادة التماثيل هي "تعبير عن الانتصار من جانب النظام"، وهي تحطم المعنويات "وهي استراتيجية قوية وذات معنى كبير".

ويبين داغر أن "استخدام التماثيل والنصب تعبيرا عن القوة والسيطرة والهيمنة ليس حكرا على سوريا، فهو أمر أساسي للأنظمة الديكتاتورية كلها، بما فيها الاتحاد السوفييتي السابق وكوريا الشمالية وعدد من دول وسط آسيا، وفي الوقت الذي كان فيه الهدف منها هو تعبئة السكان في هذه البلدان حول شخص أو رمز، إلا أنها في سوريا كانت مختلفة، فهي تهدف لزرع الخوف من القمع الذي يمارسه النظام ضد المعارضة، خاصة في أثناء الأزمة وبعدها، والمقاربة الأقرب هي تماثيل صدام في العراق، الذي زادت فيه التماثيل أضعافا في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي بسبب مواجهته تحديات داخلية". 

ويشير الكاتب إلى أن "حافظ الأسد حاول تشكيل شخصية معبودة منذ اللحظة التي وصل فيها إلى السلطة، إلا أن تماثيله أصبحت معروفة بعد انتصاره في المعركة الشرسة في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات ضد المحتجين السلميين والمعارضين السياسيين والإسلاميين، الذين لا يختلفون عما واجهه ابنه في بداية عام 2011، ففي مدينة حماة نصب تمثال لحافظ، وهي المدينة التي قتلت قواته من أبنائها 7 آلاف شخص، وسوت أحياء بكاملها في التراب". 

ويلفت داغر إلى أن "بشار تبع الكتاب ذاته عام 2011، ومثل والده فقد قام بقمع من تظاهروا ضد نظامه مثيرا ثورة مسلحة وتمردا متطرفا، واندفع بشار بالرغبة ذاتها لمعاقبة المدن والبلدات التي قاومته بطريقة جماعية، وأخضع الناس في هذه المجتمعات، وكان عليهم أن يهتفوا لبشار بالطريقة ذاتها التي هتفوا فيها لحافظ، وبعد ذلك جلب بشار تماثيل والده السبب ذاته الذي نصبت من أجله في المقام الأول: الإهانة".

ويورد الموقع نقلا عن مناف طلاس، صديق بشار والجنرال في الحرس الجمهوري الذي انشق عام 2012، تعليقه وتفسيره لعودة التماثيل، قائلا: "أعلن بشار النصر، لكنه لم يستطع حتى الآن حصد ثماره"، وهو ما قاله طلاس للكاتب في باريس حيث يعيش منذ سبعة أعوام، وأشار إلى زيادة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة العقوبات على النظام وليس تخفيفها، بالإضافة إلى حالة السخط العام بسبب زيادة أسعار الوقود وظروف المعيشة، وقال: "هو يعرف في أعماق قلبه أنه لم ينتصر، والتماثيل هي محاولة لإقناع نفسه".

ويقول الكاتب: "في المناطق التي استعادها النظام كلها، بما في ذلك ريف حمص وبلدة مناف، يعيش الناس حالة فقر، وبمعنويات متدنية، ويواجهون مشكلات عدة، ولا خيار أمامهم إلا البقاء، وقال لي أحد سكان دمشق، طلب عدم الكشف عن هويته خوفا من الانتقام بسبب التحدث علنا: (الناس خائفون من كل شيء حتى من بعضهم)، وأضاف أن (التماثيل هي دليل على أن النظام مصمم على حكمنا بالبسطار على رؤوسنا)".

ويختم داغر مقاله بالقول: "في الماضي أخبر بشار، الذي قدم نفسه على أنه مصلح، أصدقاءه، بمن فيهم مناف، أن (السوريين لا يحكمون إلا والحذاء على رؤوسهم)، ويبدو أنه لم يعد يخفي هذا الأمر".
 
لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)