قضايا وآراء

هل هي لحظات النهاية للكيان الصهيوني؟

1300x600
إذا دقق المرء في المعطيات الراهنة فيما يسمى "الشرق الأوسط"، وفي الدمّل السرطاني المستفحل فيه المسمى "إسرائيل" لا يلبث أن يكشف أننا سنكون شهودا على لحظة النهايات الوشيكة.

فالمشهد "أخروي" بكل المعاني. لا يتوقف المرء هنا عند حشد "النبوءات" المتكاثرة التي أشرت على زوال "إسرائيل" في العقد القادم، سواء تلك التي دشّنها المرجعية الإسلامية الأستاذ بسام جرار منذ ما يقارب ثلاثة عقود، حينما كان مبعدا إلى مرج الزهور عندما حدد العام (2022) كعام لزوال "إسرائيل"، والتي بناها على تأمل عميق في النص القرآني باكتشاف شيفرة رقمية ورياضية مثيرة للدهشة تقوم على بناء النص القرآني، ومقارنة هذه الخارطة الرقمية بمعطيات التاريخ وحوادثه ومعطيات "الجغرافيا المقدسة" لفلسطين كمسرح عالٍ جرت وتجري على ترابه الأحداث الكبرى والفاصلة في التاريخ. 

أو تلك النبوءات الدينية التي يؤمن بها اليهود أنفسهم فضلا عمن يشاركهم فيها من المسيحيين الإنجيليين في أمريكا وبلاد الغرب. أو تلك النبوءات العلمية المبنية على معطيات وحسابات وأرقام، وبالعادة يقوم بها مؤرخون وعلماء اقتصاد وسياسة واجتماع وعسكريون واستراتيجيون.

في هذا السياق تبرز قصة الصحافي الاستقصائي اللامع في "يديعوت أحرنوت"، يغيئال سارنا.

سارنا كتب رواية شهيرة عنوانها (2023)، وتنتمي إلى الأدب الديستوبي الذي ينحو منحى الرؤيا القيادية (يستوبيا ضد اليوتوبيا هو مفهوم فلسفي عكس فكرة اليوتوبيا. فالديستوبيا هو المكان السيئ الكئيب الذي يوجد فيه الفقر والظلم والمرض).

وعندما سئل سارنا في 2014 في مقابلة أجرتها معه مجلة "قضايا إسرائيلية" الصادرة عن مركز مدار للدراسات الإسرائيلية في رام الله عن كتابه الجديد (2023)؛ قال إنه ديستوبيا، نوع من أدب النهايات. وعندما سئل كيف وصلت إلى الرقم (2023)؟ أجاب: "بالصدفة لقد راودني وحسب". ثم أضاف: "وتبين لي لاحقا أنه في العام (2023) ستكون قد مرت (75) عاما على قيام إسرائيل وخمسون عاما على حرب يوم الغفران (1973). لم أنتبه لذلك في البداية". وتابع سارنا: "وأعتقد أنه إذا استمر اليهود المتدينون المتعصبون في محاولة تحريك الأقصى وبناء الهيكل، فإن قصة إسرائيل ستنتهي، لأنه في كل مرة تم فيها بناء الهيكل جاء الخراب". 

ويخبرنا سارنا بأن "الأديب الاسرائيلي" حاييم غوري الذي نعته "بآخر الصهاينة". قال له: "قرأت ما كتبت وبكيت. جعلتني أقرأ هذه الرؤية القيامية وأنا في سن الـ(91) عاما. هل حقا أنت مؤمن بهذا؟ وأجبت أنه إذا استمر الوضع كما هو الآن فإنني أعتقد، وربما ليس في العام 2023. أن هذا المكان سيفرغ من مضمونه". 

وبالمناسبة، عندما أصدر الأستاذ بسام جرار نبوءته في مطلع التسعينيات في كتاب منشور، وشاع خبرها، جاء صحافيون "إسرائيليون" إلى شوارع رام الله وأخذوا يسألون الناس: "هل تؤمنون وتصدقون ذلك فعلا؟". وأذكر يومها أن كثيرا من المهزومين روحيا ومعنويا أخذوا يتندرون بهذه النبوءة، وأن صاحبها مغرق في أبحاثه "اللاهوتية"، لكنها كانت للكثير من المؤمنين بالله وبتحرير فلسطين مثل بشارة وعاصم يعصمهم من لحظة السقوط الأوسلوية. كانت تقول لهم إن تحرير فلسطين سيتم في حدود أعماركم وستكونون شهودا على ذلك اليوم.

ثم يبوح سارنا في نفس المقابلة بخلاصات أشبه بنبوءات إشعياء وإرمياء الواردة في سفريهما في التوراة التي كانت كصرخات نذير للمصير المشؤوم الذي ينتظر "أورشليم"، وذلك عشية حدوث السبي البابلي أيام نبوخذ نصر، فكان مما جهر به سارنا قوله: "سيبحث الشباب المثقفون والأشخاص الذين لديهم حاجة روحانية عن غايتهم في مكان آخر". وقال أيضا: "أعتقد أنه يوجد في جينات اليهود هذا الخوف من حصول كارثة". وأضاف: "وفي اليهودية أيضا يؤمنون أن عليك أن تنزل إلى حضيض عميق من أجل أن تخرج منه". ثم يبوح سارنا بقول أحد أصدقائه له: "أن تكون لديك مشاعر إنسانية هي خيانة...!!".

سؤال المصير أخذ يلح في السنين الأخيرة؛ ليس فقط على المفكرين والأدباء والصحافيين والرؤيويين، بل وأيضا نجده مستحوذا على اهتمام السياسيين الاستراتيجيين الصهاينة. فهذا بنيامين نتنياهو عشية الذكرى السبعين لميلاد "إسرائيل"، لم يكن واثقا من أن عمر دولته سيجتاز الثمانين عاما بسهولة. هكذا بدا في ندوة التناخ (1)، والتي عقدها هو وزوجته سارة بمناسبة عيد العرش (أيلول/2017) وهو يقارب مآلات وظروف "إسرائيل" الراهنة بمملكة الحشمونائيم الثانية. وكان مما قاله نتنياهو إنه يسعى لأن تصل إسرائيل إلى العام مائة من عمرها!! وقال أيضا: "إن وجودنا ليس بديهيا والمملكة الحشمونية دامت (80 عاما)، وإن علينا بدولة إسرائيل أن نتخطى ونعبر هذه الفترة". 

ولعل هذا يذكر بمقولة موشيه ديان، حتى عندما كان مستقبل إسرائيل يبدو واعدا: "إن عمر إسرائيل محدود وعلينا أن نطيله أطول مدة ممكنة". والحقيقة أن صرخات النذير لم تتوقف عن الجهر بالأخطار المحدقة واقتراب لحظة النهاية، فهذا شيخ المؤرخين الجدد "بني موريس" الذي ظهر كالمذعور في مقابلته الشهيرة مع "هآرتس" في 2004، والتي كشف فيها عن وجهه الصهيوني الحقيقي، وبدا للمخدوعين بكتاباته المستندة للوثائق العارية التي عرّت الرواية الرسمية الصهيونية، كمرتد ومتحول فكريا... فكان مما باح به قوله: "نحن تماما كما كان الصليبيون نمثل في هذه المنطقة فرع أوروبا القابل للكسر. ففي العشرين عاما المقبلة من الممكن أن تندلع هنا حرب نووية، والدمار يمكن أن يكون نهاية هذه السيرورة. يمكن أن يكون نهاية التجربة الصهيونية. وهذا فعلا ما جعلني فزعا وقلقا. فنحن الضحية الأكبر والأقوى. ومع أننا نضطهد الفلسطينيين حاليا، إلا أننا الطرف الأضعف هنا، وعليه ربما يكون من الممكن حين تتحقق هذه الرغبة أن يفهم العالم ما أقوله لك الآن. إن العالم كله سيفهم أننا الضحايا الحقيقيون لكن الوقت سيكون متأخرا".

والحقيقة أيضا أن الطلب المتكرر من زعماء الدول الكبرى عندما يلتقون رؤساء الدول العربية والإسلامية، ومنهم حتى رئيس السلطة الفلسطينية ورغم ضعفهم وخورهم واهتدائهم هو: أن طمئنوا اليهود على مصيرهم في فلسطين والمنطقة، وهذا يكشف حجم الذعر الذي يستبد باللصوص اليهود، رغم ما يتمتعون به قوة ميزات وعلاقات وشبكات دعم وإسناد.

إن التحولات العميقة التي حدثت في العالم وفي المنطقة منذ انطلاق نبوءة "زوال إسرائيل" قبل ثلاثة عقود تقريبا، ومنها انهيار الاتحاد السوفييتي ومنظومته الاشتراكية التي تحكم قرابة نصف مسالمة الكرة الأرضية، ثم صعود أمريكا كقطب أوحد لبرهة وجيزة ودخولها في الأزمات واختلال موازين القوى، ثم صعود قوى وأقطاب عالمية جديدة، ثم تقويض دور الأمم المتحدة، ثم حدوث الزلازل السياسية العاصفة التي زعزعت معظم العواصم العربية، سواءً كان ذلك قبل الربيع العربي أو بعده.. كل هذه المعطيات وغيرها تؤشر إلى أن المسماة "إسرائيل" ليست بدعا من الأمر، وما انطبق على غيرها قابل للانطباق عليها، والمعطيات الآن كلها تحتشد لهذه اللحظة، رغم البؤس والتشاؤم الذي يظهر على سطح المشهد الراهن في منطقتنا.